(١) الإِمام أحمد بن حنبل - ﵀ -:
قال: كان يزيد في الأسانيد، ويخالف، وكان رجلًا صالحًا.
وقال المرُّوذي: ذكره أحمد فلم يرضه.
وقال: لين الحديث. (^١)
(٢) علي بن المديني - ﵀ -:
قال: ضعيف.
(٣) الحافظ صالح "جزرة" - ﵀ -:
قال: ليِّن مختلط الحديث.
(٤) النسائي - ﵀ -:
قال: ضعيف الحديث.
(٥) الإِمام البخاري - ﵀ -:
قال: ذاهب، لا أروي عنه شيئًا.
(٦) أبو أحمد الحاكم - ﵀ -:
قال: ليس بالقوي عندهم.
(٧) يعقوب بن شيبة - ﵀ -:
قال: رجل صالح مذكور بالعلم والصلاح، وفي حديثه بعض الضعف والاضطراب، ويزيد في الأسانيد كثيرًا.
_________________
(١) "العلل ومعرفة الرجال" للمرُّوذي (١٢٤).
[ ٢٣٦ ]
(٨) أبو حاتم ابن حبان - ﵀ -:
قال: كان ممن غلب عليه الصلاح والعبادة حتى غفل عن ضبط الأخبار وجودة الحفظ للآثار، فوقع المناكير في روايته، فلما فحش خطؤه استحق الترك.
(٩) يحيى بن معين - ﵀ -:
قال: ضعيف.
* وأما أقوال المعدلين:
فسوف أذكره تبعًا لما ذكره المؤلف، وأبين وجه الجواب عنها.
(١) الإِمام أحمد بن حنبل:
وقد أخرج ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٢/ ٢/ ١٠٩) من رواية أبي طالب، قال: سألت أحمد بن حنبل عن العمري الصغير، فقال: صالح، لا بأس به، قد رُوى عنه، ولكن ليس مثل عبيد الله.
قلت: إلَّا أن المؤلف تأول هذه العبارة، فقال (ص: ٣١٢):
(المدقق في أقوال الإِمام أحمد رحمه الله تعالى يجد أن كلامه هو توثيق نسبي أو تليين نسبي لا يُراد به المعنى المتعين من اللفظ الثاني، فإنه نزل به بالنسبة لأخيه عبيد الله الثقة الحافظ المتفق عليه).
ثم نقل عن السخاوي - ﷺ - قوله: "ينبغي أن نتأمل أقوال المزكين ومخارجها، فقد يقولون: فلان ثقة أو ضعيف، ولا يريدون به أنه ممن يحتج بحديثه ولا ممن يرد، وإنما ذلك بالنسبة لمن قُرن معه وفق
[ ٢٣٧ ]
ما وجه إلى القائل من السؤال ".
وهذا النقل هو نفسه ذات النقل الذي أوردناه من قبل استدلالًا على المؤلف، وهي قاعدة ذكرها الباجي في "الجرح والتعديل"، وأوردها الحافظ ابن حجر في مقدمة "اللسان"، ثم تبعهما عليها الحافظ السخاوي، وهي قاضية على احتجاج المؤلف بها، فإنما أراد الإِمام أحمد بأنه لا بأس به مقارنة بأخيه الثقة، وإلا على الانفراد فقد لينه الإِمام أحمد، ولم يرضه كما في رواية المرُّوذي، وجرحه بجرح مفسر كما في رواية أبي زرعة الدمشقي عنه، فقال:
"كان يزيد في الأسانيد، ويخالف".
فدل هذا على أنَّه ضعيف عند أحمد - ﵀ -، وإنما ذكره بالتوثيق مقارنة بأخيه الحافظ الثقة.
(٢) يحيى بن معين - ﵀ -:
وردت عنه فيه روايات:
الأولى: ابن أبي مريم، عنه:
قال: ليس به بأس، يكتب حديثه.
الثانية: عثمان الدارمي، عنه:
قال: صويلح.
كذا ورد في "التهذيب"، وهي رواية مغلوطة على الدارمي، مثلها مثل التي وردت عند ابن عديّ في "الكامل" (٤/ ١٤٥٩)،
[ ٢٣٨ ]
والتي نقلها المؤلف احتجاجًا، قال: قلت لابن معين: كيف حاله في نافع؟ قال: صالح ثقة.
قال المؤلف (ص: ٣١٣):
(فالأول: توثيق مطلق من ابن معين.
والثاني: توثيقه له في خصوص روايته عن نافع كما في حديثنا هذا، وهو نص من إمام الجرح والتعديل قاطع النزاع، والدارمي الذي روى عنه هذا النص من أخص وأشهر أصحاب ابن معين).
قلت: أما الذي ادعاه من التوثيق المطلق فلا يصفو له، فإنما قال: ليس به بأس، يكتب حديثه، فلا بد من تفسير أول العبارة بآخرها، فإنما أراد بقوله ليس به بأس أي أنه لا يُترك، وإنما يكتب حديثه للاعتبار، فمتى وافق الثقات فحديثه صحيح، ومتى خالفهم فحديثه ضعيف، بل منكر.
وأما رواية الدارمي التي أوردها فهي رواية مغلوطة عليه، وقد تغاضى المؤلف عن مراجعة تاريخ الدارمي؛ لأنه ولا شك سوف يجد أن العبارة عند ابن عديّ مخالفة لما هي في تاريخ الدارمي الذي هو الأصل.
وعبارة الدارمي كما في "تاريخه" (٥٢٣): قلت ليحيى: عبد الله العمري، ما حاله في نافع؟ فقال: صالح.
قلت: وفرق بين الروايتين ولا شك كما يظهر للقارئ الكريم.
[ ٢٣٩ ]
فإن هذه الرواية: "صالح" لا تدل على أنَّه ممن يُحتج بحديثه عن نافع، وإنما يُعتبر حديثه بالنسبة إلى حديث باقي أصحاب نافع الثقات، وأما الرواية الأخرى، فتدل على أنَّه ثقة في نافع، وهي رواية مغلوطة على الدارمي.
فإن قيل: فلعل الغلط من نسخة تاريخ الدارمي، أو من ناسخ المخطوط، فالجواب: إن نسخة ابن عديّ الطبوعة رديئة التحقيق، بخلاف نسخة الدارمي، ولكن الذي يظهر لي أن الخطأ في الرواية ليس بسبب سوء التحقيق، كما أنه ليس من أخطاء النساخ، وإنما هو خطأ من شيخ ابن عديّ، أو من ابن عديّ نفسه، فقد نقله الذهبي في "الميزان" على رواية ابن عديّ في "الكامل".
وأما عن سبب ترجيح ما ورد في "تاريخ الدارمي"، فذلك لأنه الأصل، وإنما يروي عنه ابن عديّ بواسطة محمد بن علي، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الخطيب قد أخرج هذه الحكاية من طريق آخر غير طريق راوي "تاريخ الدارمي" وهو زكريا بن أحمد البلخي في "تاريخ بغداد" (١٠/ ٢٠) من طريق: أحمد بن محمد بن عبدوس، قال: سمعت عثمان بن سعيد، يقول: قلت ليحيى بن معين: فعبد الله بن عمر العمري ما حاله في نافع، قال: صالح.
فاتفقت الروايتان على هذا اللفظ فقط: "صالح".
وهو ما اعتمده الحافظ ابن رجب في "شرح العلل" عند الكلام
[ ٢٤٠ ]
على أصحاب نافع مولى ابن عمر.
والذي يترجح عندي أن شيخ ابن عديّ، أو ابن عديّ نفسه قد اختلط عليه النقل في هذه الرواية بالرواية التي بعدها في "تاريخ الدارمي"، فإنه قال عقب سؤاله عن العمري:
"قلت: فالليث - أعني ابن سعد - كيف حديثه عن نافع؟ فقال: صالح ثقة".
ومما تقدَّم يتبين للقارئ أيضًا وهم المزي - ومتابعة ابن حجر له - في نقل الرواية عن ابن معين من طريق الدارمي بوصف: "صويلح"، وإنما الناقل لهذه الحكاية هو إسحاق بن منصور كما في "الجرح والتعديل" (٢/ ٢/ ١١٠).
بل وقع وهم آخر للمزي وابن حجر، فنقل الأول وتابعه الثاني - رحمهما الله - عن أبي حاتم الرازي قوله:
رأيت أحمد بن حنبل يُحسن الثناء على عبد الله العمري.
والذي في "الجرح والتعديل":
رأيت أحمد بن صالح يُحسن الثناء على عبد الله العمري.
فمما تقدَّم يتبين للقارئ الكريم أن الثابت عن الإِمام أحمد وابن معين - رحمهما الله تعالى - جرح العمري، وأن ما ورد عنهما من عبارات ظاهرها التعديل فإما أنَّها بالمقارنة بأخيه، أو أنَّها مفسرة بقرائن تدل على عدم الترك، وكذلك عدم الاحتجاج، أي أن
[ ٢٤١ ]
ضعفه محتمل غير شديد لا يصل به إلى درجة التوهين والترك.
(٣) أحمد بن صالح المصري - ﵀ -.
قال المؤلف (ص: ٣١٤):
(فممن وثق العمري ممن لَمْ يذكره ابق عبد الهادي في الصارم: الإِمام العلم أحمد بن صالح المصري "ثقات ابن شاهين" (ص: ١٥١).
وقال أبو حاتم الرازي "الجرح" (٥/ ١١٠): رأيت أحمد بن صالح يحسن الثناء على عبد الله العمري).
قلت: قد تحاشى المؤلف ذكر عبارة أحمد بن صالح والتي نقلها عنه ابن شاهين في "الثقات" لئلا ينكشف ضعف الاحتجاج بمثل هذا التعديل.
وعبارته كما وردت في "الثقات":
"أربعة إخوة ثقات: عبيد الله وعبد الله، وعاصم، وأبو بكر بنو عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب".
وهذه العبارة تفيد أن أحمد بن صالح قد تساهل في هذا الحكم، وأبعد فيه، قد وثق عبد الله، وقد تقدَّم ما فيه من الجرح، ووثق أخوه عاصم، هو أردأ حالًا منه، قال أحمد وابن معين وأبو حاتم: "ضعيف"، وقال هارون بن موسى الفروي: "ليس بقوي"، وقال البخاري: "منكر الحديث"، وقال الترمذي: "متروك"، وقال مُرَّة: "ليس بثقة"، وأورده ابن حبان في "الثقات" وقال: "يخطئ
[ ٢٤٢ ]
ويخالف"، ثم أورده في "المجروحين"، وقال: "منكر الحديث جدًّا".
وقد أُنكر على أحمد بن صالح هذه العبارة، فقد نقل الحافظ في ترجمة عاصم من "التهذيب" (٥/ ٤٦) عبارة أحمد بن صالح هذه ثم نقل تعقيب الدارقطني والنسائي عليها:
"قال الدارقطني: أما عاصم فضعيف قريب من عبد الله، وأما أبو بكر فقليل الحديث، وهو ثقة، وقد تكلم النسائي على أحمد بن صالح حيث قال: أربعتهم ثقات".
فإن قيل: فإن النسائي وأحمد بن صالح بينهما عداوة، فالجواب: إن تفرد النسائي بالتعقيب لكان ثمة حجة لثل هذا الاعتراض، ولكنه قد توبع من قبل الدارقطني وهو حافظ كبير من أئمة هذا الشأن، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى فإن تعقب النسائي له وجهه؛ لأنَّ أحمد بن صالح قد خالف الجمهور في توثيق هذين الراويين الضعيفين.
وأما ما نقله أبو حاتم عن أحمد بن صالح، فالجواب عنه كالجواب عن سابقه.
(٤) العجلي - ﵀ -.
قال: لا بأس به.
قلت: العجلي مشهور بالتساهل كما هو معروف، فلا يُعتبر
[ ٢٤٣ ]
بتوثيقه في حالة التفرد، وكذلك في حالة مخالفة الجمهور في الحكم على الراوي، لا سيما إذا انفرد الراوي بما يُنكر.
(٥) الخليلي - ﵀ -:
قال المؤلف (ص: ٣١٤):
(وقال الخليلي: ثقة غير أن الحفّاظ لم يرضوا حفظه. ا. هـ.
وقوله (الحفّاظ لم يرضوا حفظه) أي سعة محفوظه، انظر نظير ذلك في مقدمة الفتح (ص: ٤٢٠)، ولعلهم لَمْ يرضوا حفظه بالنسبة لحفظ أخيه عبيد الله العمري، فإن كثيرًا من أقوالهم فيه ترجع للمقارنة مع أخيه، كما سيأتي تصريح ابن عديّ بذلك، والمقصود بيان أن الرجل ثقة عند أبي يعلى الخليلي).
قلت: قد بتر المؤلف عبارة الخليلي كعادته في بتر العبارات وتحريفها، لكي يسوغ له تأويلها بحسب ما يريد إثباته من التوثيق.
وتمام عبارة الخليلي كما في "الإرشاد" له (١/ ١٩٣):
"ثقة، غير أن الحفّاظ آل يرضوا حفظه، ولم يُخرَّج لذلك في الصحيحين".
قلت: فالشطر الأخير من العبارة يدلُّ على أمرين:
الأول: أن وصف، الخليلي له بأنه ثقة، إنما أراد به العدالة، لا الضبط، لأنه أعقب ذلك بحكم الحفّاظ عليه.
فإن قيل: بل ربما وصفه بذلك مقارنة بأخيه، حيث إنه أورد
[ ٢٤٤ ]
ترجمته بعد ترجمة أخيه، فقال في أخيه:
"عالم متَّفقٌ عليه مخرَّج".
فهذا قريب، وليس ببعيد، وله قرائن من كلام العلماء تقدَّم الإشارة إليها.
الثاني: أن عبارته هذه بتمامها تدل على أنَّ معنى قوله: "غير أن الحفّاظ آل يرضوا حفظه" ليس المراد به ما أوهم به المؤلف أي لَمْ يرضوا سعة حفظه؛ لأنه لا فرق في الاحتجاج بين الثقة المقل، والثقة المكثر، وإنما الفرق بينهما عند الترجيح، وعند اختلاف الأسانيد عليهما، كما أن عبارته هذه لا تدل على أنَّهم لَمْ يرضوا حفظه بالنسبة لأخيه، فإنه إن كان كذلك، وهو لا يزال في حيز الثقة المحتج بحديثه، فلماذا لَمْ يُخرَّج له في الصحيح، ولذلك جاءت تمام العبارة: "ولم يخرَّج لذلك في الصحيحين" قاضية على تمويهات المؤلف، لأنَّ ذلك مقتضاه أنه لا يرتقي لدرجة الحجة عندهم.
(٦) عبد الرَّحمن بن مهدي - ﵀ -:
قال المؤلف (ص: ٣١٥):
(وكان عبد الرَّحمن. بن مهدي يحدِّث عنه).
قلت: تحديث ابن مهدي عن الراوي لا يقتضي بكل حال أنه ثقة، وإنما كان يروي عبد الرَّحمن بن مهدي - ﵀ - عن كلّ
[ ٢٤٥ ]
أحد حتى الهلكى والمتروكين، ثم رجع عن ذلك وتركه بآخر أمره، فترك الرواية عن جماعة من هؤلاء منهم جابر الجعفي، وباذام أبو صالح، ويونس بن خباب، وعندي أنه ترك الرواية عن شديدي الضعف، والمتهمين، لا مطلق الضعفاء كعبد الله العمري.
وقد أخرج الخطيب البغدادي في "الكفاية" (ص: ١١٥) من طريق الأثرم، قال: سمعت أبا عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - يقول: إذا روى عبد الرَّحمن عن رجل فروايته حجة.
قال أبو عبد الله: كان عبد الرَّحمن أولًا يتسهل في الرواية عن غير واحد، ثم تشدد بعد، كان يروي عن جابر يعني الجعفي، ثم تركه.
وأخرج عبد الله بن أحمد في "العلل ومعرفة الرجال" (٣٣٠٩):
كان عبد الرَّحمن بن مهدي ترك حديث أبي صالح باذام، وكان في كتابي عن السدي، عن أبي صالح، فتركه، لَمْ يحدثنا به عنه، وترك ابن مهدي بأخرة جابرًا الجعفي.
قلت: فتبين من ذلك أن تركه الرواية عن الضعفاء إنما كانت في آخر أمره، وهذا لا يعارض روايته عن عبد الله العمري، فلعله روى عنه قبل أن يذهب هذا المذهب من التشديد في الرواية.
ومتى طرأ الاحتمال، فقد بطل الاستدلال.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن كان عبد الرَّحمن بن
[ ٢٤٦ ]
مهدي قد روى عن العمري، فقد ترك الرواية عنه يحيى بن سعيد القطان.
فيكون هذا من قبيل التعارض بينهما في الاحتجاج به، وعدمه، والمقدَّم منهما الأعلم بحال الرواة، وهو يحيى القطان.
وقد أخرج أبو بكر المقدِّمي في "التاريخ" (١٠٠٦) قال: سمعت الشهيدي يقول: سمعت علي بن المديني يقول:
ما رأيت أحدًا أعلم بالرجال من يحيى بن سعيد، ولا رأيت أحدًا أعلم بالحديث من عبد الرَّحمن بن مهدي.
وسنده صحيح، والشهيدي هو إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد.
وأخرجه الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (١٠/ ٢٤٦) من وجه آخر عن ابن المديني، ولكن فيه ضعف.
وأورده المزي في "تهذيب الكمال" (٣١/ ٣٣٦) من طريق الساجي قال: حُدثت عن علي به.
قلت: ولا يُعترض على هذا بالحكاية التي أوردها الخطيب في "تاريخ بغداد" (١٠/ ٢٤٣) قال:
أخبرنا الحسن بن الحسين بن العباس، حدثني خالي أبو بكر محمد بن إسحاق النعالي، حَدَّثَنَا علي بن الحسن بن دليل، حَدَّثَنَا أبو عبد الله المقدمي، قال: حدثني أبي، قال: سمعت علي بن
[ ٢٤٧ ]
المديني يقول: إذا اجتمع يحيى بن سعيد وعبد الرَّحمن بن مهدي على ترك رجل لَمْ أحدَّث عنه، فإن اختلفا أخذت بقول عبد الرَّحمن لأنه أقصدهما، وكان في يحيى تشدد.
فإن هذه الحكاية ضعيفة السند، فيها شيخ الخطيب، وقد ترجم له في "تاريخ بغداد" (٧/ ٣٠٠)، وقال:
"كتبنا عنه وكان كثير السماع، إلَّا أنه أفسد أمره بأن الحق لنفسه السماع في أشياء لَمْ تكن سماعه ذكرت لمحمد بن علي الصوري خبرًا من حديث الشافعي كان حدثنا به ابن دوما، فقال الصوري: لما دخلت بغداد رأيت هذا الجزء وفيه سماع ابن دوما الأكبر، وليس فيه سماع أبي علي، ثم سمَّع فيه أبو علي لنفسه، والحق اسمه مع اسم أخيه".
وفيه كذلك شيخه، وهو خاله محمد بن إسحاق النعالي، وقد ترجمه الخطيب في "التاريخ" (١/ ٢٦٠)، ولم يورد فيه جرحًا ولا تعديلًا.
وأورد له الخطيب خبرًا من رواية ابن أخته الحسن بن الحسين بن دوما، عنه بالسند السابق إلى المقدمي، قال: حَدَّثَنَا عمرو بن علي، قال: سمعت أبا عاصم، يقول: سمعت وهيب بن الورد يقول: إذا أردت أن تذكر فضائل علي بن أبي طالب، فابدأ بفضائل أبي بكر وعمر، ثم اذكر فضائل علي.
[ ٢٤٨ ]
قلت: وهذا الأثر، ومثله الأثر المروي في تشدد القطان ليسا في مطبوعة "التاريخ" للمقدمي، وهذا يستوقف الباحث الفهم ولا شك.
ثم على فرض التسليم بصحة هذا الخبر، فالأخذ بحكم القطان في العمري أولى؛ لأنه موافق لقول الجمهور بتجريحه.
(٧) أبو يعلى الوصلي - ﵀ -.
قال المؤلف (ص: ٣١٥):
(وحسَّن له أبو يعلى الموصلي).
قلت: لَمْ أقف عل هذا التحسين في مصادر ترجمته، وكذا المؤلف لَمْ يعزها إلى مصدرها؟ ! !
وإنما حسَّن له يعقوب بن شيبة، كما سوف يأتي.
(٨) يعقوب بن شيبة - ﵀ -.
قال المؤلف (ص: ٣١٥):
(وحسَّن له أيضًا يعقوب بن شيبة، وقال - تاريخ بغداد: ١٠/ ٢٠ - ثقة صدوق، في حديثه اضطراب.
وهو يعني أن الاضطراب الذي في حديثه لا يخرجه عن حدِّ الثقة الصدوق).
قلت: كذا اكتفى المؤلف بذكر هذه العبارة الموهمة، ولم يورد ما نقله الحافظ في "التهذيب" من عبارة يعقوب بن شيبة في جرح
[ ٢٤٩ ]
العمري جرحًا مفسرًا.
قال الحافظ:
"أورد له يعقوب بن شيبة في مسنده حديثًا، فقال: هذا حديث حسن الإسناد، مدني، وقال في موضع آخر: هو رجل صالح مذكر بالعلم والصلاح، وفي حديثه بعض الضعفط والاضطراب، ويزيد في الأسانيد كثيرًا".
فدل ذلك على أنَّ يعقوب بن شيبة لَمْ يرد بعبارته السابقة أن اضطراب العمري لا يخرجه عن حد الثقة، وكيف يكون اضطراب الراوي، ثم زيادته في الأسانيد كثيرًا لا تخرج عن حد الثقة، وإنما أراد بذلك أنه ثقة صدوق عدالةً، ثم بين بعد ذلك ما في ضبطه من الضعف، وما في حديثه من الاضطراب والزيادة.
وأما قوله: "هذا حديث حسن الإسناد مدني"، فلا ينصرف إلى المعنى الاصطلاحي للحسن المعروف عند المتأخرين بنوعيه: لذاته، وبمجموع طرقه.
والدليل على ذلك:
أنه قال في "مسند عمر بن الخطاب ﵁" (ص: ٨٢) في حديث: "إني ممسك بحجزكم عن النار":
"هو حديث حسن الإسناد، غير أن في إسناده رجلًا مجهولًا، رواه يعقوب القمي، عن حفص بن حميد، عن عِكْرَمة، عن ابن
[ ٢٥٠ ]
عباس، عن عمر - ﵁ -، عن النبي - ﷺ -، وحفص بن حميد هذا لا نعلم أحدًا روى عنه إلا يعقوب القمي، ولا نحفظ هذا الحديث عن عمر - ﵁ - إلا من هذا الوجه".
قلت: ففي هذا أدل الدلالة على أنه لا يريد بذلك أن الحديث حسن بالمعنى الاصطلاحي، ويؤيده أنه وصف أحاديث بحسن الإسناد، وهي صحيحة.
من ذلك:
الحديث الذي رواه عكرمة بن عمار، عن أبي زميل سماك الحنفي، عن ابن عباس، عن عمر - ﵁ -:
لما كان يوم خيبر أقبل نفر من صحابة النبي - ﷺ -، فقالوا: فلان شهيد، فلان شهيد، حتى مروا على رجل، فقالوا: فلان شهيد، فقال رسول الله - ﷺ -:
"كلا إني رأيته في النار في بردة غلها - أو عباءة - ".
قال يعقوب بن شيبة (ص: ٥١):
"حديث حسن الإسناد".
قلت: بل هو صحيح، وعكرمة بن عمار ثقة في غير يحيى بن أبي كثير، ومثله شيخه. سماك الحنفي، والحديث أخرجه مسلم (١/ ١٠٧) احتجاجًا في الأصول.
وذكر عدة أحاديث بنفس الترجمة، ووصفها بنفس الوصف.
[ ٢٥١ ]
فإن قيل: فلعل عكرمة بن عمار عنده صدوق حسن الحديث، فالجواب: أنه قد ورد عنه ما يدل على خلاف ذلك، فقد قال (ص: ٥١): "عكرمة بن عمار يمامي ثقة ثبت".
فتبين أنه أراد بذلك غير الحسن الاصطلاحي.
ومثله:
ما أورده (ص: ١٠٢)، قال:
"وحديثه عن النبي - ﷺ - في الصلاة بعد العصر وبعد الصبح: حديث حسن الإسناد ثبت، رواه قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس، عن عمر - ﵁ -، عن النبي - ﷺ -.
ورواية قتادة، عن أبي العالية مرسلة كلها إلا أربعة أحاديث سمعها من أبي العالية، هذا الحديث أحد الأربعة، فرواه عن قتادة سعيد بن أبي عروبة، وهشام الدستوائي، وشعبة، ومنصور بن زاذان، وهمام بن يحيى، وأبان العطار، وأبو هلال الراسبي".
قلت: وهذا الإسناد صحيح، وقد وصفه يعقوب بن شيبة بأنه ثبت، فتبين أنه أراد أمرًا آخر بخلاف الاصطلاح حين وصفه بأنه حديث حسن الإسناد، والذي يتبين لي أنه أراد بذلك إما التفرد به من الوجه المروي منه، وهو اصطلاح مشهور عند المتقدمين، أو حسن المعنى وجزالة اللفظ، وهو صنيع بعض العلماء.
ومما يؤكد ذلك أن يعقوب بن شيبة قد صنَّف كتابه هذا قبل
[ ٢٥٢ ]
الترمذي، والترمذي هو أول من اصطلح الحسن، ووضع له حدًّا.
قال الحافظ ابن حجر في "النكت على ابن الصلاح" (١/ ٤٢٩) متعقبًا العراقي في قوله:
"ويعقوب بن شيبة وأبو علي إنما صنفا كتابيهما بعد الترمذي".
قال الحافظ:
"فيه نظر بالنسبة إلى يعقوب بن شيبة فقط، فإنه من طبقة الترمذي، وهو أقدم سنًّا وسماعًا، وأعلى رجالًا من البخاري إمام الترمذي، وإن تأخرت وفاته بعده ست سنين.
وذكر الخطيب أنه أقام في تصنيف مسنده مدة طويلة، وأنه لم يكمله مع ذلك، ومات قبل الترمذي بنحو عشرين سنة، فكيف يُقال إنه صنف كتابه بعدَ الترمذي؟ ! ! ظاهر الحال يأبى ذلك".
٩ - ابن السكن - ﵀ -.
قال المؤلف (ص: ٣١٥):
(وقد صحح له ابن السكن، وهو يعني توثيقه).
قلت: لم أر في مصادر بزجمته من ذكر ذلك أو حتى أشار إليه.
وإنما قال الحافظ في "التلخيص الجبير" (٢/ ٢٦٧):
"طرق هذا الحديث كلها ضعيفة، لكن صححه من حديث ابن عمر أبو علي بن السكن في إيراده إياه في أثناء السنن الصحاح له".
قلت: ليس فيه ما يدل على أن ابن السكن قد صحح الحديث من
[ ٢٥٣ ]
طريق عبد الله العمري، فلربما كان الطريق عنده من رواية عبيد الله العمري - المصغر - وهو ثقة عند الجميع، وقد تقدَّم ما في هذه الرواية من الشذوذ والخطأ والاضطراب.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن ابن السكن يكون - إن ثبت أنه أخرج هذا الحديث من طريق العمري المكبَّر - قد خالف الجمهور في تضعيف العمري، وابن السكن وإن كان حافظًا كبيرًا إلا أن له غرائب في صحيحه، وأغاليط في كلامه على رواة النقل.
قال ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٢١/ ٢١٩):
"رأيت له جزءًا من كتاب كبير صنفه في معرفة أهل النقل يدل على توسع في الرواية، إلا أن فيه أغاليط".
وقال الحافظ الذهبي في "السير" (١٦/ ١١٨):
"كان ابن حزم يثني على صحيحه المنتقى، وفيه غرائب".
قلت وله عبارة نقلها عنه الحافظ ابن كثير - ﵀ - في "مختصر علوم الحديث" (ص: ٢٩) تدل على توسعه في التوثيق والاحتجاج وتساهله، وهي أنه قال في سنن النسائي:
"إنه صحيح، وإن له شرطًا في الرجال أشد من مسلم".
وقد رد عليه الحافظ ابن كثير، ومثله الحافظ ابن حجر في ذلك.
١٠ - الإِمام الترمذي - ﵀ -:
قال المؤلف (ع: ٣١٥):
[ ٢٥٤ ]
(وحسَّن له الترمذي (تحفة ٩/ ٣٩١ - ٣٩٢) في باب ما يقول إذا رأى مبتلى، وفي أبواب الحج (تحفة ٣/ ٥٩٠) في باب دخول مكة نهارًا).
قلت: قد تقدَّم بيان أن تحسين الترمذي حديث راو لا يقتضي أنه صدوق عنده كما ادعى المؤلف في أكثر من موطن في كتابه، بل هذا ظن، يدفعه ما تقدَّم بيانه، وكذا يدفعه ما سوف يأتي تقريره.
فإن الترمذي - ﵀ - قد ضعف العمري، فأخرج له حديثًا في "الجامع" (١٨٩١) (الأشربة/ باب: ما جاء في الرخصة في ذلك) من روايته، عن عيسى بن عبد الله بن أنيس، عن أبيه، قال:
رأيت النبي - ﷺ - قام إلى قربة معلقة فخنثها، ثم شرب من فيها.
قال الترمذي - ﵀ - (٤/ ٣٠٦):
"هذا حديث ليس إِسناده بصحيح، وعبد الله بن عمر العمري يُضعف في الحديث، ولا أدري سمع من عيسى أم لا".
١١ - الإِمام البخاري - ﵀ -:
قال المؤلف (ص: ٣١٥):
(وجوَّز البخاري تصحيح حديثه كما تشير عبارته في جزء رفع اليدين (ص: ٢٥)، وذكره في صحيحه في كتاب العلم، باب المناولة (الفتح ١/ ١٥٤)، فجزم الكرماني أنه العمري، ومال إليه البدر
[ ٢٥٥ ]
العيني (١/ ٤٠٧)، وخالفهما الحافظ: الفتح ١/ ١٥٤).
قلت: هكذا هو دأب المؤلف، بناء الأقوال بالتوثيق - فيمن اتفقت كلمة الأئمة على تضعيفهم - على الإحالات المعتمدة على الجهالات، والتمويهات البنية على التدليسات.
فأما قوله: (وجوَّز البخاري تصحيح حديثه كما تشير عبارته في جزء رفع اليدين) فهذا التجويز مقترن بفهم المؤلف، وأما حقيقة الأمر فقد صرَّح البخاري بخلاف ذلك.
فقد نقل الترمذي في "العلل الكبير" (٢/ ٩٧٧) عنه أنه قال:
"عبد الله بن عمر العمري، ذاهب الحديث، لا أروي عنه شيئًا".
وكذلك فقد ذكره البخاري في "الضعفاء الصغير" (١٨٨)، وقال: "مدني قرشي، كان يحيى بن سعيد يضعفه".
فهذا ما صرَّح به البخاري، وهو ولا شك مقدَّم على ما فهمه المؤلف.
وأما قوله: (وذكره في صحيحه في كتاب العلم، باب المناولة فجزم الكرماني أنه العمري، ومال إليه البدر العيني، وخالفهما الحافظ).
فهو من تمويهات المؤلف المعتادة، فإن البخاري لم يورده في "صحيحه" اعتمادًا لروايته، وإنما حكاية لمذهبه في جواز المناولة في التحديث، وشتان بينهما، فالراوي قد يكون ضعيفًا في الرواية
[ ٢٥٦ ]
معتبرًا في الفقه، أو في مسائل المصطلح وأبوابه.
وعبارة البخاري في "صحيحه" (فتح: ١/ ١٢٥ - ١٢٦):
"باب ما يذكر في المناولة، وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان، وقال أنس: نسخ عثمان المصاحف، فبعث بها إلى الآفاق، ورأى عبد الله بن عمر، ويحيى بن سعيد، ومالك ذلك جائزًا ".
فهذا نقل لرأي ومذهب، لا يُفتقر فيه إلى الضبط والحفظ، بخلاف الرواية والأداء والتحديث فإنها تفتقر إلى الضبط والحفظ والإتقان.
١٢ - ابن شاهين - ﵀ -:
قال المؤلف (ص: ٣١٤):
(ووثقه ابن شاهين بإيراده له في "ثقاته").
قلت: قد تقدَّم بيان أن ابن شاهين إنما التزم في كتاب "الثقات" ذكر كل من ورد فيه نوع توثيق، كما التزم في كتابه "الضعفاء" ذكر كل من ورد فيه نوع جرح، وليس ذكره للراوي في أحد الكتابين دليلًا على توثيقه له أو تجريحه، إلا أن تأتي قرينة تدل على ذلك، وقد تقدم النقل عنه ما يدل على أنه قد قام بالترتيب فقط في هذين الكتابين.
وهو وإن كان ذكر العمري في "ثقاته" تبعًا لتعديل أحمد بن
[ ٢٥٧ ]
صالح له، فكذلك قد ذكره في "الضعفاء" (٣٣٥) اعتمادًا على تضعيف ابن معين، وابن عمار الموصلي له.
وعبارته هناك:
"وقال ابن معين: عبد الله العمري: ضعيف.
حدثنا محمد بن الحسين، حدثنا حسين بن إدريس، قال: قال محمد بن عبد الله بن عمار الوصلي: عبد الله بن عمر العمري، لم يتركه أحد إلا يحيى، وزعموا أنه كان أكبر من عبيد الله، إلا أنه كان ضريرًا، وزعموا أنه أخذ كتب عبيد الله فرواها".
فليس اعتبار ذكره في "الثقات" بأحق من اعتبار ذكره في "الضعفاء"، بل الثانية أولى وأحق، ذلك لأنها موافقة لقول الجمهور في جرح العمري، وكذلك فلأن ما نقله ابن عمار يعتبر من قبيل الجرح المفسر، وقوله: "زعموا" لا تقتضي الظن أو الشك في وقوع الأمر، وإنما هي من لغة العرب المستخدمة، ويعبرون بها عما ثبت ووقع، ودليل ذلك:
ما أخرجه الشيخان من حديث أنس بن مالك - ﵁ - قال: نُهينا أن نسأل رسول الله - ﷺ - عن شيء، فكان يُعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية، العاقل، فيسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية، فقال: يا محمد! أتانا رسولك، فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك؟ قال: "صدق" الحديث.
[ ٢٥٨ ]
قال الإمام النووي - ﵀ - في "شرح مسلم" (١/ ١٢٣):
"قوله: (زعم) و(تزعم)، مع تصديق رسول الله - ﷺ - إياه دليل على أن زعم ليس مخصوصًا بالكذب والقول المشكوك فيه، بل يكون أيضًا في القول المحقق والصدق الذي لا شك فيه، وقد جاء من هذا كثير في الأحاديث، وعن النبي - ﷺ -، قال: زعم جبريل كذا ، وقد أكثر سيبويه، وهو إمام العربية في كتابه الذي هو إمام كتب العربية من قوله: زعم الخليل، زعم أبو الخطاب، يريد بذلك القول المحقق، وقد نقل ذلك جماعات من أهل اللغة وغيرهم، ونقله أبو عمر الزاهد في شرح الفصيح عن شيخه أبي العباس ثعلب، عن العلماء باللغة من الكوفيين والبصريين".
١٣ - الحافظ ابن كثير - ﵀ -.
قال المؤلف (ص: ٣١٥):
(وحسَّن له ابن كثير في التفسير في أوائل سورة القصص).
قلت: لم أقف عليه في "التفسير"، ولم يشر المؤلف إلى مظنة وجوده، وإنما الذي ظهر لي من تتبع كلام ابن كثير في العمري، وفي الأحاديث التي رواها العمري من "مسند الفاروق عمر بن الخطاب" أنه يذهب إلى ضعف العمري، وإنما قد يقول: إسناد حسن أي لولا ضعف العمري.
وقد أورد له حديثًا (١/ ١٥٨) من روايته عن نافع، عن ابن
[ ٢٥٩ ]
عمر، عن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: لولا أني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إني أريد أن أزيد في قبلتنا" ما زدت.
قال ابن كثير:
"وهذا إسناد حسن، وعبد الله بن عمر العمري في كلتي الطريقين ضُعِّف".
وأورد حديثًا آخر (١/ ١٦١) بالسند السابق:
"سبع مواطن لا تجوز فيها الصلاة ".
قال: "والعمري الذي مدار الحديث عليه ضعيف".
ومما يدل على ما تأولناه، أنه أورد حديثًا (١/ ٢٢٨) من رواية ميمون بن مهران، عن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال:
قال لي النبي - ﷺ -:
"إذا دخلت على مريض فمره أن يدعو لك، فإن دعاءه كدعاء الملائكة".
قال ابن كثير: "إسناد حسن، ولكن ميمون بن مهران لم يدرك عمر بن الخطاب".
قلت: ولا يقال في المنقطع أنه حسن الإسناد، لأنه من شروط الصحة والحسن اتصال السند، فتبين صحة ما ذكرناه.
وهو بمثابة قول البوصيري في هذا الحديث:
"إسناد صحيح، ورجاله ثقات، إلا أنه منقطع".
[ ٢٦٠ ]
أي أنه كذلك لولا انقطاعه.
وإلا فقد ثبت القول عن المؤلف بجرح العمري.
ثم وجدته يذكره بالجرح أيضًا في "البداية والنهاية" (٥/ ١٢٣) في آخر باب "بسط البيان لما أحرم به ﵇ في حجته"، فأورد حديث العمري، عن نافع، عن ابن عمر:
أن النبي - ﷺ - استعمل عتاب بن أسيد على الحج، فأفرد، ثم استعمل أبا بكر الحديث.
قال ابن كثير - ﵀ -:
"في إسناده عبد الله بن عمر العمري، وهو ضعيف".
والقول بجرح الراوي، مقدم على القول بتحسين حديثه، وذلك لأن الراوي قد يكون ضعيفًا، إلا أن حديثه حسن لمتابعة الثقات له، أو لورود ما يدل على أنه قد حفظ هذا الحديث وأداه كما سمعه، وهذا لا يدفع عنه القول بعموم ضعفه، فثمة فرق بين رواية الراوي وبين الحكم عليه، كما في حالة الراوي الثقة، فإن عموم الحكم عليه يدل على أنه ثقة صحيح الحديث، إلا أنه قد تُضعف رواية له لأنه خالف فيها الثقات، أو أتى فيها بما لا يُحتمل منه، وهذا المعنى دقيق، وبه يرتفع الإشكال والله أعلم.
١٤ - الحافظ المنذري - ﵀ -:
قال المؤلف (ص: ٣١٥):
[ ٢٦١ ]
(وحسَّن له المنذري في الترغيب، ولكن لا يحضرني الآن أماكنه).
قلت: المنذري متساهل في التوثيق كما هو معلوم عند أهل هذا الفن، وقد ذكر العمري في "الترغيب والترهيب" (١/ ١٤٨)، وقال: "صدوق حسن الحديث، فيه لين".
قلت: وهذا يدل على أنه غير منفك عن الضعف عنده.
١٥ - ابن عدي - ﵀ -:
قال المؤلف (ص: ٣١٦):
(وقال ابن عدي في الكامل (٥/ ١٨٦٩): وثقه الناس. اهـ.
وهو يعني قبول الناس لحديثه.
وقال في الكامل أَيضًا: ولعبد الله بن عمر حديث صالح، وأروى من رأيت عنه ابن وهب، ووكيع، وغيرهما من ثقات المسلمين، وهو لا بأس به في رواياته، وإنما قالوا فيه: لا يلحق أخاه عبيد الله، وإلا فهو في نفسه صدوق لا بأس به).
قلت: ابن عدي قد خالف بهذا التوثيق قول الجمهور، اعتمادًا على أن من جرحه إنما جرحه مقارنة بأخيه، وليس كذلك، فكثير منهم جرحه بسبب ضبطه وزيادته في الأسانيد كثيرًا، ومنهم من ضعفه لأنه أخذ كتب أخيه بعد موته وحدَّث بها، وقد أُنكر عليه لأجل ذلك أحاديث.
[ ٢٦٢ ]
وأما قوله: "وثقه الناس"، إنما هو مقارنة بأخيه عاصم الذي ضعف العلماء.
وإن سلمنا للمؤلف أنه أراد ذلك مطلقًا، فالحقيقة تردها، وأقوال أهل العلم تدل على أنهم قد جرحوه، ولم يوثقوه، إلا من وصف بالتساهل منهم، أو من وصفه بعبارة ظاهرها التعديل، ولازمها التأويل.
وقد اعتمد الحافظ ابن حجر قول الجمهور في كتابه "التقريب"، فقال: "ضعيف عابد".
ولا حاجة في الإطالة بالرد أكثر من ذلك، وإنما الغاية بيان أن القول بتجريح العمري معتمد بخلاف القول بتوثيقه.
[ ٢٦٣ ]