أخرج البزار في "مسنده" من حديث عطية، عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - مرفوعًا:
"لو أن لابن آدم واديًا من مال لابتغى إليه ثانيًا " الحديث.
قال السخاوي في "الأجوبة المرضية" (١/ ١٨٧)، عقب أن أورد هذا الحديث: "وعطية ضعيف".
٤ - و٥ - قال أبو زرعة: "ليِّن".
وقال أبو حاتم الرازي: "ضعيف الحديث، يكتب حديثه".
قال المؤلف (ص ١٩٧):
(هذا من الجرح المبهم غير المفسر، فهو يرد كما تقرر في قواعد الحديث، وكما استقر العمل على ذلك، والأخذ في مقابل ذلك بالتعديل الوارد في عطية العوفي إن هذا الجرح غير المفسَّر في حقيقته يرجع إلى الأمرين اللذين ظُلم بسببهما، وهما التشيع
[ ١٥٠ ]
والتدليس بقى أن تعلم أن أبا حاتم الرازي قد جاء عنه توثيق لعطية كما سيأتي إن شاء الله تعالى).
قلت: الجرح المبهم مردود إذا عارضه تعديل معتبر، وهذا منتف في حال العوفي هذا، فإن غالب من وثقه من المتساهلين كما سوف يأتي بيانه.
وأما ادعاؤه أن هذا الجرح بسبب التشيع والتدليس، فينقضه دلالة عبارة أبي حاتم، ووصف أبي زرعة، فهما مختصان بالضبط، لا بالتشيع ولا بالتدليس.
وأما توثيق أبي حاتم المزعوم، فقد احتج له المؤلف (ص: ٢٠٩) بتمام عبارة أبي حاتم حين سئل عن عطية.
إلا أن المؤلف قد بتر العبارة عند ذكر الجرح ليتمكن من رد الجرح بالإبهام، ثم حرفها عند إثبات التعديل موهمًا أن لأبي حاتم في الرجل قولين، فقال:
(قال ابن أبي حاتم: سئل أبي عن أبي نضرة، وعطية، فقال: أبو نضرة أحب إليَّ.
وهذا في حقيقته مقارنة بين ثقتين، فإن أبا نضرة المنذر بن مالك العبدي ثقة).
فانظر أيها القارئ الكريم إلى هذا التدليس والتحريف البيِّن لعبارة أبي حاتم، حتى يتمكن المؤلف من رد الجرح، بل وإثبات
[ ١٥١ ]
التعديل بالزور والبهتان.
فهذه العبارة مجتمعة كما نقلناها بنصها من "الجرح والتعديل" (١/ ٣/ ٣٨٣):
ضعيف الحديث، يكتب حديثه، وأبو نضرة أحب إليَّ من عطية.
تفيد ضعف عطية العوفي، بل وتدل على أن أبا حاتم قد صدر منه هذا الحكم بعد سبر وتتبع، وإلا فكيف يفاضل بينه وبين راو غيره إلا بالنظر في أحاديثهما.
وعلى فرض التسليم للمؤلف في نقله، فإن المقارنة لا تدل على التوثيق، بل قد يوصف العالم الراوي بالثقة، وهو ضعيف من باب المقارنة، كما سوف يأتي بيانه قريبًا، فكيف بهذه الحالة التي أثبت فيها أبو حاتم تقديم أبي نضرة على عطية، لا غير.
٦ - قال النسائي: "ضعيف".
٧ - وقال الساجي: "ليس بحجة، وكان يقدِّم عليًّا على الكل".
قلت: قد تناول المؤلف جرح الساجي هذا لعطية العوفي بالرد، فقال (ص: ١٩٢):
(إن الساجي كان بصريًّا، والبصريون كثر فيهم النصب، قال الحافظ في "اللسان" (٤/ ٤٣٩): النصب معروف في كثير من أهل
[ ١٥٢ ]
البصرة.
وهم يفرطون فيمن تشيع لأنهم عثمانيون، وخاصة فيما كان بين أظهرهم، كذا في "التهذيب" (٧/ ٤١٣).
والساجي - رحمه الله تعالى - كان شديدًا متصلبًا، فجرحه للكوفيين ينبغي التدقيق فيه، فإنه قد يجرح الرجل بسبب مذهبه كما حدث لعطية العوفي هنا، فإنه قال عنه: ليس بحجة، ثم أبان عن سبب قوله، فقال: وكان يقدِّم عليًّا على الكل، وإن كان الرجل شيعيًّا يقدِّم عليًّا على الكل، فلا بد أن يجرح عند المخالف لقوله، ولا يكون حجة عنده).
قلت: لم يوصف الساجي بالنصب، وإنما هو من أئمة أهل السنة والجماعة، وعنه أخذ الأشعري مقولة السلف في الصفات، ولم يتكلم عليه أحد بتصريح أو بتلميح، من قريب أو من بعيد بأنه ناصبي، أو أن فيه نصبًا، وكون النصب معروفًا في كثير من أهل البصرة، فهذا لا يقتضي بحال أن يكون هو مذهب الساجي، والهمم متوافرة لنقل اعتقاده، لا سيما مع شهرته، وتقدمه في الحفظ والرواية، بل المشهور عنه أنه كان صلبًا في السنة، فإِن كانت الصلابة في السنة نصبًا، فما سلم منه أحد من أهل السنة.
وأما عبارته فلا تفيد أنه ضعفه لأجل التشيع، فإن الواو الفاصلة بين العبارتين تدل على العطف، لزيادة العلم، لا لتقرير سبب الجرح،
[ ١٥٣ ]
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الساجي من أئمة الجرح والتعديل، وله كتاب في "الضعفاء"، وقد اعتمد عليه ابن عدي في "كامله"، فهو أعلم من غيره بأن التشيع لا يضر الراوي إلا أن يكون داعيةً، ويروي ما يؤيد بدعته، وبذلك يظهر أن قوله: "ليس بحجة" متعلق بالضبط.
ومما ينبغي التنبيه عليه ما غالط به المؤلف اعتقاد أهل السنة والجماعة، مما يكنه في قلبه من التشيع الشديد، فقال (ص: ١٩٢) في الحاشية تعليقًا على قول الساجي: "وكان يقدِّم عليًّا على الكل":
(وهذا مذهب عدد من الصحابة، ذكرهم ابن عبد البر في الاستيعاب أثناء ترجمته لعلي ﵇، وفاته جماعة منهم (أبو جحيفة) انظر ترجمته في أسد الغابة).
قلت: قد تتبعت ما في ترجمة علي بن أبي طالب من "الاستيعاب" فلم أقف على مثل هذا الهراء، وحاشا الصحابة أن يقع منهم مثل هذه المخالفة التي يروج لها المؤلف، بل صح عن ابن عمر - ﵁ - ما ينقضها.
فعند البخاري (٣/ ٨) من طريق: يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر، قال:
كنا نخيِّر بين الناس في زمن النبي - ﷺ - فنخيِّر أبا بكر، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان - ﵁ -.
[ ١٥٤ ]
بل صح عن علي بن أبي طالب - ﵁ - أنه قال:
ألا ولن يبلغني عن أحد يفضلني عليهما - أي أبي بكر وعمر - إلا جلدته حد المفترى.
أخرجه أبو إسحاق الفزاري في "السير" (ص: ٣٢٧) - ومن طريقه الخطيب في "الكفاية" (ص: ٤٤) - بسند حسن.
وأخرجه ابن أبي عاصم في "المذكِّر" (١٨)، والعشاري في "فضائل أبي بكر" (٣٩) بسند فيه ضعف.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - في "مجموع الفتاوى" (٤/ ٤٢١):
"أما تفضيل أبي بكر، ثم عمر على عثمان وعلي: فهذا متفق عليه بين أئمة المسلمين المشهورين بالإمامة في العلم والدين، من الصحابة، والتابعين، وتابعيهم، وهو مذهب مالك وأهل المدينة، والليث بن سعد، وأهل مصر، والأوزاعي، وأهل الشام، وسفيان الثوري، وأبي حنيفة، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وأمثالهم من أهل العراق، وهو مذهب الشافعي وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وغير هؤلاء من أئمة الإسلام الذين لهم لسان صدق في الأمة، وحكى مالك إجماع أهل المدينة على ذلك، فقال: ما أدركت أحدًا ممن أقتدي به يشك في تقديم أبي بكر وعمر".
وأما المؤلف فقد جعل حب العوفي لعلي سببًا لطعن أهل العلم
[ ١٥٥ ]
فيه، ومن ثم تضعيفه، بل زاد الطين بلة فوصفهم - بإطلاق - بأنهم نواصب، قال (ص: ١٩٣):
(ومما زاد في جرحهم لعطية أنه كان محبًا لعلي بن أبي طالب ﵇ بحيث عرض النواصب عليه سبه فأبى، وكان هذا ينبغي أن يحسب له، ولكن للنواصب شدة وصولة.
قال ابن سعد في "الطبقات" (٦/ ٤٠٣):
خرج عطية مع ابن الأشعث، فكتب الحجاج إلى محمد بن القاسم أن يعرضه على سب علي، فإن لم يفعل فاضربه أربع مائة سوط، واحلق لحيته، فاستدعاه، فأبى أن يسب، فأمضى حكم الحجاج فيه).
قلت: هذا الجرح الذي أطلقه المؤلف أراد به كل من جرح عطية العوفي بما فيهم أئمة الشأن كالإمام أحمد وأبي زرعة وأبي حاتم والساجي وغيرهم، والتشيع معروف مشهور فيه وفي مشايخه ومن اتصل بهم كالسقاف البغيض المبتدع الأثيم، وطعنهم في معاوية بن أبي سفيان - ﵁ - وفي أهل السنة مشهور، لا يخفى على طلاب العلم.
وأما الحكاية التي اعتمدها فلا يصح الاحتجاج بها، لأن ابن سعد لم يورد مستنده فيها، ثم إن اعتماد ابن سعد الأول على الواقدي المتهم الكذاب، ولا يُستبعد أن تكون هذه القصة مما تلقاه عنه.
٨ - ونقل أبو عبيد الآجري عن أبي داود قوله:
[ ١٥٦ ]
"ليس بالذي يعتمد عليه".
٩ - وقال ابن معين: "ضعيف"، وفي رواية: "ضعيف إلا أنه يكتب حديثه"، وفي رواية ابن الجنيد، عن ابن معين، قال:
"كان ضعيفًا في القضاء ضعيفًا في الحديث".
قلت: قد كان للمؤلف مع عبارات ابن معين في جرح العوفي خطبًا جليلًا ليردها به، ويثبت أن ابن معين قد عدله.
قال (ص: ٢٠٢ - ٢٠٣):
(أما إمام الجرح والتعديل يحيى بن معين فقد وثقه، ونقل عنه ذلك عدة مرات، ففي سؤالات الدوري (٢/ ٤٠٧) قيل ليحيى: كيف حديث عطية؟ قال: صالح.
وفيه أيضًا: سألت عن عطية، وعن أبي نضرة، فقال: أبو نضرة أحب إليَّ.
وهذا النص توثيق منه لعطية، لأن أبا نضرة ثقة عند يحيى بن معين كما في "التهذيب"، فهو في حقيقته مقارنة بين ثقتين.
وقال ابن أبي خيثمة: قيل لابن معين: عطية مثل أبي الوداك؟ قال: لا، قيل: فمثل أبي هارون، قال أبو الوداك ثقة، ما له ولأبي هارون. كذا في "التهذيب" (٢/ ٦٠)، فانظر إلى ارتضاء ابن معين لمقارنته بأبي الوداك الثقة، فهو توثيق لعطية العوفي.
[ ١٥٧ ]
ونظائره كثيرة جدًّا في كتب الجرح والتعديل في المقارنة بين الثقات، فيحيى بن معين يحب عطية العوفي، وأبو نضرة أحب إِليه فتدبر).
قلت: وهذه مجازفات وظلمات بعضها فوق بعض.
فإن قول العالم في الراوي: "صالح الحديث" ليس معناه التوثيق الذي يُحتج بالموصوف به، وإنما هو ممن يُعمل النظر في رواياته، فهذا الوصف ليس بمرق لصاحبه إلى درجة الاحتجاج مطلقًا.
وقد قال ابن أبي حاتم: إذا قيل "صالح الحديث"، فإنه يكتب حديثه للاعتبار.
وقال ابن الصلاح في "علومه" (ص: ١٢٥):
"وجاء عن أبي جعفر أحمد بن سنان، قال: كان عبد الرحمن بن مهدي ربما جرى ذكر حديث الرجل فيه ضعف، وهو رجل صدوق، فيقول: رجل صالح الحديث".
وقال الحافظ الذهبي في "الموقظة" (ص: ٨٢):
"هذه العبارات كلها جيدة، ليست مضعفة لحال الشيخ، نعم ولا مرقية لحديثه إلى درجة الصحة الكاملة المتفق عليها، لكن كثير ممن ذكرنا متجاذب بين الاحتجاج به وعدمه".
فهذه النقول تنقض قول المؤلف بأن هذا الوصف يقتضي التوثيق.
[ ١٥٨ ]
بل أزيد المؤلف بيانًا، فأقول:
ثمة فرق بين الكلام على حال الراوي، وبين الكلام على حال مرويات الراوي، وما ورد في تاريخ الدوري مختص بمرويات العوفي، لا بحاله، والعبارة واضحة في ذلك، وهي:
قيل ليحيى: كيف حديث عطية؟ قال: صالح.
ومعنى قوله: "صالح" أي حديثه صالح للاعتبار وللمتابعة، وفي هذا دلالة على أن العوفي عنده ضعيف إلا أن ضعفه محتمل، ولكنه لا يرتقي إلى درجة الاحتجاج، لا سيما إذا تفرد بحديث كالحديث الذي نحقق القول فيه، ومن ثم فلا عبرة بما ذكره المؤلف من أن عبارة ابن معين هذه تفيد توثيق العوفي.
يبقى الآن الكلام على مقارنة ابن معين للعوفي بأبي نضرة مرة، وبأبي الوداك مرة أخرى.
فأما مقارنته بأبي نضرة، فلا يفيد توثيقًا ألبتة، وإنما كان قوله في تقديم أبي نضرة على عطية جوابًا على سؤال من سأله عن ذلك، لكثرة رواية هذين الراويين عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -.
وكثيرًا ما يقع السؤال عن أصحاب الشيخ الواحد، أو الرواة الذين اشتركوا في الرواية عن صحابي معين، حتى يُعلم من يُقدَّم عند الترجيح، وقد يقع السؤال من غير عارف، فيكون الجواب كما سبق.
[ ١٥٩ ]
بل قد يجيب المجرِّح أو المعدِّل بالتوثيق، ولا يريد أنه ثقة، وإنما هو مقارنة بغيره، وقد وقع هذا من ابن معين، وأشار إليه أبو الوليد الباجي في "الجرح والتعديل"، وتابعه الحافظ في "اللسان"، فقال في مقدمته (١/ ٢٨):
"وينبغي أن يتأمل أيضًا أقوال المزكين ومخارجها، فقد يقول المعدل: فلان ثقة، ولا يريد به أنه ممن يحتج بحديثه، وإنما ذلك على حسب ما هو فيه، ووجه السؤال له، فقد يُسأل عن الرجل الفاضل المتوسط في حديثه، فيقرن بالضعفاء، فيقال: ما تقول في فلان، وفلان، وفلان؟ فيقول: فلان ثقة، يريد أنه ليس من نمط من قرن به، فإذا سئل عنه بمفرده بيَّن حاله في التوسط، فمن ذلك: أن الدوري قال عن ابن معين أنه سئل عن ابن إسحاق، وموسى بن عبيدة الربذي، أيهما أحب إليك؟ فقال: ابن إسحاق ثقة، وسئل عن محمد بن إسحاق بمفرده، فقال: صدوق، وليس بحجة، وهذا حكم على اختلاف السؤال، وعلى هذا يُحمل أكثر ما ورد من اختلاف كلام أئمة أهل الجرح والتعديل ممن وثق رجلًا في وقت، وجرحه في وقت آخر".
قلت: وعلى هذا تُحمل أيضًا رواية أبي خالد الدقاق عن ابن معين (٢٥٦) قال: عطية العوفي ليس به بأس، قيل: يُحتج به؟ قال: ليس به بأس.
[ ١٦٠ ]
قلت: هذا ظاهره التوقف، وإن وصفه بوصف من أوصاف التعديل، وإنما يُعمل به على التعديل إن ورد منفردًا أو معضدًا بروايات أخرى عن ابن معين بالتوثيق، ولم يرد عنه التضعيف أو الجرح له.
وأما مقارنة ابن معين بين العوفي وأبي الوداك فلا يقتضي كذلك توثيقه للعوفي، بل قوله هذا يدل دلالة قوية على أنه لم يقر مساواته لأبي الوداك، لأن أبي الوداك ثقة، كما أنه لم يقر مساواته بأبي هارون العبدي المتروك، وهذا لا يدل ألبتة على أن العوفي ثقة.
وأما قول المؤلف: "فيحيى بن معين يحب عطية العوفي، وأبو نضرة أحب إليه".
فتمثيل غير صحيح، فالحب شيء، والضبط شيء آخر.
ثم وجدت المؤلف قد نقل نقلًا عن "التهذيب" (٦/ ٢٠٧)، فقال (ص: ٢٠٣):
(وقال ابن الجنيد عن ابن معين: هو وعمرو بن أبي قيس لا بأس بهما، قلت: ثقتان، قال: ثقتان، كذا في "التهذيب" (٦/ ٢٠٧)، وهو ظاهر في ترادف اللفظين، فهو اصطلاح خاص بيحيى بن معين، ولا مشاحة فيه).
هذه العبارة موهمة بأن المقارنة بين العوفي، وبين عمرو بن أبي
[ ١٦١ ]
قيس، وأن التوثيق هنا مختص بالعوفي، وليس كذلك، وكان يجب على المؤلف أن يبين ذلك، ولكن لما كان هذا النقل المتصرف فيه يخدم قضيته، لم يتكلم عليه بأي بيان أو إيضاح.
ونص النقل كما في "سؤالات ابن الجنيد" (٢١٠):
قلت ليحيى بن معين: عبد الرحمن بن عبد الله الدشتكي، فقال: رازي لا بأس به، قلت: عمرو بن أبي قيس؟ قال: لا بأس به، قلت: ثقتان؟ قال: ثقتان.
فتبين أن المقارنة بين راو آخر غير العوفي وبين عمرو بن أبي قيس.
وأما كونه احتج به على أن وصف ابن معين للراوي بعبارة "لا بأس به" تفيد التوثيق، فهذا لا دافع له، لا سيما وقد نص هو نفسه على ذلك، ولكنه محمول على التوثيق في حالة عدم توقفه في الراوي كما وقع في رواية أبي خالد الدقاق عنه، وفي حالة عدم جرحه للرتوي كما في باقي الروايات.
وعلى فرض التسليم للمؤلف بثبوت تعديل ابن معين للعوفي، فلا بد من التوفيق بين الجرح والتعديل، وهذا لا يكون إِلا بتقديم الجرح، لأن مقتضاه زيادة العلم على التوثيق كما بين ذلك أهل العلم، فإن قيل: فبعض العبارات وردت عنه مبهمة، فالجواب: إن ذلك لا يضر، لأنه اختلاف على المعدل في الجرح والتعديل،
[ ١٦٢ ]
والأصل في الراوي عنده أن لا يكون مجروحًا، فإذا وثقه فقد وافق الأصل، وإن جرحه، فهذا مقتضاه أن يكون قد وقف على علم زائد بحاله اقتضى جرحه له، ومن ثم فجرحه مقدَّم على تعديله.
بقي الآن التعريج على ما احتج به المؤلف من النقول على تعديل جماعة من أهل العلم للعوفي، فمن هؤلاء:
١ - ابن شاهين.
قال المؤلف (ص: ٢٠٨):
(ومنهم ابن شاهين، وقد أدخل عطية العوفي في "الثقات"، فهو من موثقيه، فإن فيل: قد ذكره أيضًا في الضعفاء، فقال: ضعفه أحمد ويحيى.
قلت: التوثيق هو الراجح، لما قد علمت مما سبق من اعتماد أحمد على رواية محمد بن السائب الكلبي، وهي رواية تالفة لا يُعتمد عليها في جرح عطية العوفي، وأن يحيى بن معين من موثقيه كما تقدَّم).
فلت: هذا الكلام فيه مناقشات:
أولها: أنه زعم أن ابن شاهين من الموثقين له بذكره في "الثقات"، والمعلوم أن ابن شاهين وإن كان من المحدثين والحفاظ إلا أنه ليس من أهل الشأن في الجرح والتعديل، فمثله مثل سالم المرادي الذي لم يرتض المؤلف قوله في جرح العوفي، وقال (ص: ١٩١):
[ ١٦٣ ]
(المرادي هو ابن عبد الواحد الكوفي، ليس هو من الحفاظ، ولا من النقاد الذين يقف المرء عند قولهم في الجرح والتعديل).
وقد قال الذهبي فيه في "السير" (١٦/ ٤٣٤):
"ما كان الرجل بالبارع في غوامض الصنعة، ولكنه راوية الإسلام ﵀".
ثانيها: أن اعتماد ابن شاهين في كتاب الثقات، ومثله الضعفاء على كتب الغير، لا سيما تواريخ ابن معين، فهو جمَّاع في هذا الباب، ولا يحرر حال الرجل، وهذا يبينه الذي بعده.
ثالثها: أنه قد نقل قول ابن معين من رواية أبي خالد الدقاق في العوفي، وليس هذا مقتضاه الإقرار، أو حتى التوثيق للرجل، وليس فيه التحرير أو التدقيق، وهذا يؤيده قوله في مقدمة كتابه (ص: ٢٥):
"كتاب الثقات ممن روى حديثًا ممن انتهى إلينا ذكره عن نقاد الحديث ممن قُبلت شهادته واشتهرت عدالته وعرف ونقل مثل يحيى بن معين وأحمد بن حنبل ".
رابعها: أن الرواية التي اعتمدها في "الثقات" لا تقتضي التوثيق كما أثبتناه آنفًا.
خامسها: أنه قد أورد العوفي في "الضعفاء"، مما يدل على أنه لم يحرر حاله، وإنما عمله في الكتابين الترتيب والجمع فقط، كما
[ ١٦٤ ]
صرح بذلك في مقدمة "الضعفاء" (ص: ٣٩) قال:
"وذكرت هؤلاء -[أي الضعفاء والهلكى]- في كتابي هذا على مثل ما ذكرت الثقات، ليقرب على المستفيد إدراك ما أراد من هؤلاء".
ومن ثمَّ فلا يصح التعبير بأن ابن شاهين قد وثقه، فإنه لم يفعل، وإنما أورده في الرواة الذين ورد فيهم صيغة توثيق، ثم أورده في الرواة الذين ورد فيهم صيغة تجريح.
٢ - أبو بكر البزار:
قال المؤلف (ص: ٢٠٨ - ٢٠٩):
(ومنهم أبو بكر البزار، فإنه قال كما في "التهذيب" (٧/ ٢٢٦): كان يعده في التشيع، روى عنه جلة الناس.
وهذه صيغة تعديل تعادل قولهم: صالح الحديث، مقارب الحديث، ونحو ذلك كما يُعلم من قواعد الحديث).
قلت: هذه من عجائب المؤلف وأوابده، أن يجعل مثل هذا القول عبارة تدل على التوثيق، فرواية جلة من الناس عنه لا تقتضي أن يكون ثقة، لا سيما وإن كان مكثرًا عن أبي سعيد الخدري كالعوفي، وكم من إمام كبير قد روى عن جماعة من الهلكى طلبًا للغرائب، واعتبارًا بحديثه، لكي لا يدلسه مدلس أو يهم فيه واهم فيجعله ثقة عن ثقة، وهذا هو الثوري مع جلالته قد روى عن جابر
[ ١٦٥ ]
الجعفي.
ومقتضى هذه العبارة أن العوفي لم يُترك حديثه، وهذا لا يقتضي التوثيق، ولا يمنع من إعمال الجرح فيه، فليست هي من عبارات التوثيق كما يتوهم المؤلف، أو كما يُوهم.
٣ - أبو حاتم الرازي.
وقد تقدَّم بيان ما فيه.
٤ - يحيى القطان.
قال المؤلف (ص: ٢٠٩):
(ومنهم يحيى بن سعيد القطان، فقد قال عن جبر بن نوف أبي الوداك كما في "التهذيب" (٢/ ٦٠) هو أحب إليَّ من عطية.
قلت: هذا أيضًا مقارنة بين ثقتين).
قلت: لا اعتبار بهذه القارنة كما تقدَّم بيانه من وجوه، ثم إن يحيى بن سعيد قد تقدَّم النقل عنه بجرح العوفي، إلا أن المؤلف قد وهم في معرفته، فظن أنه ابن معين.
فقد أخرج البخاري في "التاريخ الأوسط" (١/ ٤١٢):
قال علي: عن يحيى: عطية، وأبو هارون العبدي، وبشر بن حرب عندي سواء.
فساواه القطان بأبي هارون العبدي المتهم، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن مقارنته بأبي الوداك لا تقتضي تعديله، لا
[ ١٦٦ ]
سيما وأن القطان لم يُنقل عنه قولًا بتعديل أبي الوداك هذا، فتنبه.
٥ - ابن خزيمة.
قال المؤلف (ص: ٢٠٩):
(فإنه أخرج الحديث في صحيحه، قال البوصيري في "مصباح الزجاجة" (١/ ٩٨): رواه ابن خزيمة في صحيحه من طريق: فضيل بن مرزوق، فهو صحيح عنده.
قلت: فمقتضى تصحيح الحديث توثيق رجاله ومنهم عطية العوفي).
قلت: قد يخرج ابن خزيمة أحاديث بعض الضعفاء، ولكن ليس على سبيل الاعتداد والحجة، بل على سبيل الاستئناس، ويشير إلى أن في القلب من حديث فلان شيء، يعني أنه لا يخرجه احتجاجًا، وقد تكرر صنيعه هذا في مواطن كثيرة.
ومنها حديث عطية العوفي.
فقد ذكره المنذري - ﵀ - في الرواة المختلف فيهم في آخر كتابه: "الترغيب والترهيب" (٤/ ٥٧٥)، وقال:
"وأخرج حديثه ابن خزيمة في "صحيحه"، وقال: في القلب من عطية شيء".
فدل هذا على أن عطية ليس بثقة عند ابن خزيمة كما زعم المؤلف.
[ ١٦٧ ]
٦ - الإِمام الترمذي:
قال المؤلف (ص: ٢١١):
(ومنهم الإمام أبو عيسى الترمذي، فإنه حسَّن له عدة أحاديث من أفراده، بل حسَّن له عدة أحاديث انفرد بها فضيل بن مرزوق عن عطية العوفي - كما في الحديث الذي نحن بصدد الكلام عليه - انظرها في "تحفة الأشراف".
ومقتضى ذلك التحسين أن يكون صدوقًا عند الترمذي، كما صرح بذلك الحافظ في "تعجيل المنفعة" ص: ١٥٣).
قلت: قد تقدَّم الجواب عن ذلك، وأزيده إيضاحًا، فأقول:
لا يقتضي تحسين الترمذي لأحاديث العوفي أن يكون صدوقًا عنده، لأن إطلاق الترمذي الحسن لا يقتضى الاحتجاج به عنده كما أشار الحافظ ابن حجر في "النكت" في مبحث الحسن.
إلا أن المؤلف تناقض فقال:
(وعليه: فعطية صدوق عند الترمذي، وهو شرط الحسن لذاته).
قلت: الحسن عند الترمذي معروف بشروط وضعها هو نفسه، وصرح بها في "العلل الصغير" (الجامع: ٥/ ٧٥٨)، فقال:
"وما ذكرنا في هذا الكتاب حديث حسن، فإنما أردنا به حُسن إسناده عندنا: كل حديث يُروى لا يكون في إسناده من يُتهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذًا، ويروى من غير وجه نحو ذاك، فهو عندنا
[ ١٦٨ ]
حديث حسن".
وهذا الحد هو الذي اعتمده العلماء في الحسن بمجموع الطرق، لا الحسن لذاته كما يدعي المؤلف، ومن ثم فكون الترمذي قد حسن حديث العوفي فهذا معناه أنه غير متهم بالكذب عنده، وليس بكذاب، إلا أن الضعف لا ينفك عنه، وإلا لما وصف حديثه بالحسن.
وأما الأحاديث التي وصفها الترمذي بالحسن من أفراد العوفي فلا تنصرف إلى الحسن لذاته، لأن الترمذي قد حكى حد الحسن عنده، وما ذهب إليه المؤلف من اجتهاده، وكما قال المؤلف في كتابه (ص: ٢٠٣):
(هذه حكاية عن نفسه، ونص من عنده، ولا اجتهاد مع وجود النص).
٧ - ابن سعد:
فقد قال في "الطبقات الكبرى": "وكان ثقة إن شاء الله".
قلت: كما تقدَّم بيانه فإن اعتماد ابن سعد في كتابه على شيخه الواقدي، وهو متهم لا يُعول عليه، إلا أن المؤلف اعتذر عن ذلك (ص: ٢٠٠ - ٢٠١) بقوله: (أما عن اعتماد ابن سعد على الواقدي غالبًا فهو ما صرح به الحافظ، لكن هذا ليس على إطلاقه، فإذا رأيت ابن سعد ترجم للرجل ترجمة عارف بأحواله وبحديثه وبكلام الناس
[ ١٦٩ ]
فيه، فلا مدخل عند ذلك للواقدي).
قلت: ترجمة العوفي عند ابن سعد لا تتجاوز ثلاثة أرباع الصفحة، وليس فيها ما يدل على أنه قد سبر حاله كما يزعم المؤلف إلا قوله:
"وكان ثقة إن شاء الله، وله أحاديث صالحة، ومن الناس من لا يحتج به".
والظاهر أنه أطلق التوثيق هنا بمعنى أنه لا يتهم بالكذب، ثم بين أن أحاديثه صالحة، أي للمتابعة والاعتبار، لا أنها من الواهيات، فهذا مشعر أنه ليس ممن يحتج به على الانفراد.
وعلى فرض التسليم للمؤلف فيما ادعاه، وأن ابن سعد قد وثقه عن عناية ومعرفة، فكذلك من ضعفه قد ضعفه بجرح مفسر - كما بيناه فيما سبق - غير مبهم.
ولا يعدل ابن سعد أئمة الشأن الكبار مثل: هشيم، ويحيى القطان، والثوري، وأحمد، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وابن معين على الراجح، وابن عدي، وغيرهم، إذا اجتمعوا على جرح راوٍ.
وممن لم يرد ذكرهم في "التهذيب":
١ - الدارقطني:
قال في "العلل" (٤/ ٦): "مضطرب الحديث".
وقال في "السنن" (٤/ ٣٩): "ضعيف".
[ ١٧٠ ]
٢ - البيهقي:
قال في "السنن الكبرى"، (٢/ ١٢٦ و٦/ ٣٠ و٧/ ٦٦ و٨/ ١٢٦): "لا يُحتج به".
٣ - عبد الحق الإِشبيلي:
نقله عنه الحافظ الزيلعي في "نصب الراية" (٤/ ٥١)، وعزاه إلى "الأحكام"، قال:
"عطية العوفي لا يُحتج به، وإن كان الجلة قد رووا عنه".
وهذه العبارة تدل على أنه لا اعتبار برواية الناس عنه مع ثبوت ضعفه.
٤ - الحافظ الذهبي:
قال في "تلخيص المستدرك" (٤/ ٢٢٢):
"واهٍ".
وقال في "المغني" (٢/ ٤٣٦):
"مجمع على ضعفه".
والحاصل من ذلك أن كلمة العلماء مجتمعة ولا شك على ضعف العوفي وسقوط الاحتجاج به، لا سيما في روايته عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -.
وإن كان المؤلف قد سمى بحثه في تقوية حال العوفي الشيعي: "القول المستوفي في الانتصار لعطية العوفي".
[ ١٧١ ]
فسمِّ هذا الرد إن شئت:
"الرد المغني ببيان ضعف عطية العوفي".
ويبقي الآن الكلام على ما وقع في هذا الحديث من الاختلاف.
فقد اختلف في هذه الرواية على فضيل بن مرزوق.
فأخرجه أبو نعيم الفضل بن دكين في "الصلاة" - كما في "نتائج الأفكار" للحافظ ابن حجر (١/ ٢٧٣) -: عن فضيل بسنده موقوفًا.
وتابعه عليه وكيع، عن فضيل به موقوفًا أيضًا.
أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ٢٥).
قال أبو حاتم الرازي في "العلل" لابنه (٢٠٤٨):
"موقوف أشبه".
إلا أن المؤلف لم يرضَ بمثل هذا الترجيح، ولم يقنع به، لأنه سوف يفسد عليه استدلاله بالحديث، فحشد ما يرد به حكم إمام المحققين أبي حاتم الرازي، فاستدرك عليه! ! بقوله (ص: ٢١٩):
(وللمحدثين في ذلك مسلكان كلاهما يقوي الرفع:
فأولهما: إن الرفع زيادة ثقة، وهي مقبولة، إذ إن الحكم لمن أتى بالزيادة، وهو مذهب الخطيب البغدادي وجماعة من أئمة الفقه والحديث والأصول.
وثانيهما: الترجيح باعتبار القرائن، وهو ما يقوي الحكم بالرفع أيضًا، فإن من رفع الحديث أكثر عددًا، وهم ستة، ممن وقفه وهم
[ ١٧٢ ]
اثنان فقط).
قلت: كلام المؤلف هذا فيه مناقشات:
الأولى: أنه موهم بأن الأمر على التخيير بين المسلكين، وليس كذلك، فالمسلك الأول هو مسلك الفقهاء، وعنهم أخذه بعض أهل الحديث كالخطيب وغيره، وقد أنكر الحققون إطلاق القول باستخدام هذا المسلك.
فقال الحافظ ابن حجر في "النزهة" (ص: ٣٠):
"اشتهر عن جمع من العلماء القول بقبول الزيادة مطلقًا من غير تفصيل، ولا يتأتى ذلك على طريق المحدثين الذين يشترطون في الصحيح أن لا يكون شاذًا، ثم يفسرون الشذوذ بمخالفة الثقة من هو أوثق منه، والعجب ممن أغفل ذلك منهم مع اعترافه باشتراط انتفاء الشذوذ في حد الحديث الصحيح، وكذا الحسن.
والمنقول عن أئمة الحديث المتقدمين كعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى القطان، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، والبخاري، وأبي زرعة، وأبي حاتم، والنسائي، والدارقطني، وغيرهم اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها، ولا يُعرف عن أحد منهم إطلاق قبول الزيادة".
وقد تقدَّم النقل عن ابن دقيق العيد والعلائي ما يؤيد ذلك.
الثانية: أنه قد أوهم أن العلة في الاختلاف في الوقف والرفع
[ ١٧٣ ]
إنما هي الخلاف بين الرواة عن فضيل بن مرزوق، وليست كذلك، بل هي من فضيل نفسه، فقد شك في روايته كما عند الإمام أحمد في "المسند" (٣/ ٢١) قال:
حدثنا يزيد، أخبرنا فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، فقلت لفضيل: رفعه، قال: أحسبه قد رفعه الحديث.
وأما المؤلف فقد نحى منحى غريبًا في تأويل هذا الشك، فقال (ص: ٢١٨):
(هذا ظن راجح تقوى "بقد" وهو حرف تحقيق هنا دخل على الماضي فقربه من الحال، وعليه فرواية يزيد بن هارون من قسم المرفوع، ولابد، وهو صنيع من تكلم على الحديث ممن تأخر من الحفاظ).
قلت: وهذا اعتذار ساقط لا قيمة له، ذلك لأن كلمة: "أحسب" تفيد الظن ولا شك، والظن أكذب الحديث.
وعلى فرض التسليم للمؤلف بأنه ظن راجح، فهذا لا ينفي ورود الظن على الفضيل فيه، وإن رجح الرفع بـ "قد"، وإن كان ذلك كذلك، فالعلة في الاختلاف قائمة عليه هو، لا على من رواه عنه.
وهذا يؤيده ترجيح أبي حاتم للموقوف، وهو من أئمة هذه الصنعة، وممن أرسى قواعدها، فلا يقدَّم عليه فيها المتأخرون.
[ ١٧٤ ]
الثالثة: أنه على فرض التسليم بأنه مما اختلف فيه الرواة عن فضيل بن غزوان، وهم جميعًا ثقات سواءً من رواه بالرفع أو من رواه بالوقف، فإن كانوا كذلك، فطريقة المحققين من أهل العلم إعلال الحديث بمن ورد فيه نوع جرح بدلًا من تخطئة الثقات، وفضيل بن مرزوق قد تكلم بعض أهل العلم في حفظه، فتخطئته فيه بروايته مرفوعًا تارة، وموقوفًا تارة أخرى أولى من تخطئة حافظين، وهما أبو نعيم ووكيع، أو ستة من الرواة الثقات، فيهم حافظ كبير مثل يزيد بن هارون - ﵀ -.
الرابعة: أن الفضل بن دكين الملائي من الحفاظ المتثبتين المقدَّمين على أقرانه، وقد قال يحيى القطان: "إذا وافقني هذا الأحول ما أبالي من خالفني"، وقال ابن معين: "ما رأيت أثبت من رجلين يعني في الأحياء أبي نعيم وعفان"، وقال الفسوي: "أجمع أصحابنا أن أبا نعيم كان غاية في الإتقان"، وقال أبو حاتم: "أبو نعيم حافظ متقن".
ومثله وكيع من الحفاظ الكبار، وقد خالفا خمسة من الثقات، والسادس وهو من الحفاظ وهو يزيد بن هارون في روايته شك وظن.
وقد تقدَّم أن المؤلف قد رجح رواية الفسوي على ثلاثة من الرواة، اثنين منهم من الثقات، فلِمَ لم يرجح رواية حافظين كبيرين كأبي نعيم ووكيع على هؤلاء الستة؟ ! ! إلا لأجل الانتصار لمذهبه
[ ١٧٥ ]
الفاسد.
وللحديث شاهد واه من حديث بلال - ﵁ - وفيه الوازع بن نافع العقيلي، وهو تالف الحال، قال البخاري: "منكر الحديث"، وقال أحمد وابن معين: "ليس بثقة"، وقال النسائي: "متروك".
ومثل هذا الشاهد لا يصح التقوية به، والله أعلم.
[ ١٧٦ ]