وهو حديث عثمان بن حنيف - ﵁ -:
أن رجلًا ضرير البصر أتى النبي - ﷺ -، فقال: ادع الله أن يعافيني، قال: "إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت فهو خير لك"، قال: فادعه، قال: فأمره أن يتوضأ، فيحسن وضوءه، ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة، إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي، اللهم فشفعه فيَّ.
وهذا الحديث أخرجه أحمد (٤/ ١٣٨)، والترمذي (٣٥٧٨)، والنسائي في "اليوم والليل " (٦٦٣ و٦٦٤)، وابن ماجة (١٣٨٥) بسند صحيح، وإن كان في طرقه بعض الاختلاف.
إلا أن هذا الحديث حجة عليه فيما ادعاه من جواز التوسل بالجاه وهذا ظاهر جدًّا من قول النبي - ﷺ -: "إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت فهو خير لك"، ومن جواب الرجل عليه: "فادعه".
فإن التوسل هنا مختص بالدعاء، ويؤيده قول الرجل في دعائه: "اللهم فشفعه فيَّ"، وهذا مقتضاه حصول الدعاء من النبي - ﷺ - إلى ربه لأجل هذا الرجل في محنته.
[ ١١٢ ]
لأن مقتضى الشفاعة ومعناها الدعاء والطلب للغير.
قال ابن منظور في "لسان العرب " (٤/ ٢٢٨٩):
"وروي عن المبرد وثعلب أنهما قالا في قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ قالا: الشفاعة: الدعاء ها هنا، والشفاعة: كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره، وشفع إليه: في معنى طلب إليه ".
قلت: وهذا يؤيده:
ما رواه الشيخان (البخاري: ٤/ ٣٨٥، ومسلم: ١/ ١٨٠) من طريق: قتادة، عن أنس بن مالك - ﵁ -:
أن النبي - ﷺ - قال:
"يجمع الله المؤمنين يوم القيامة، كذلك، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيأتون آدم، فيقولون: يا آدم أما ترى الناس؟ خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، اشفع لنا عند ربك، حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيقول: لست هناك ".
فهذا ظاهر جدًّا على أن الاستشفاغ لا يكون توسلًا بالجاه، وإنما هو بالدعاء، فلو كان بالجاه لكفاهم أن يتوسلوا بجاه أحد الأنبياء دون الحاجة إلى التردد بين الأنبياء جميعًا، كما ورد في متن الحديث، وهذا لم يقع منهم، ومن ثمَّ فلا شفاعة بغير دعاء أو طلب أو سؤال.
[ ١١٣ ]
ولكن احتج المؤلف على أن الاستشفاع المذكور هنا والتوسل مختص بالجاه بما أخرجه الطبراني في "الصغير" (الروض الداني: ٥٠٨).
حدثنا طاهر بن عيسى بن قيرس المصري التميمي، حدثنا أصبغ بن الفرج، حدثنا عبد الله بن وهب، عن شبيب بن سعيد المكي، عن روح بن القاسم، عن أبي جعفر الخطمي المدني، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن عمه عثمان بن حنيف:
أن رجلًا كان يختلف إلى عثمان بن عفان - ﵁ - في حاجة له، فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فلقي عثمان بن حنيف، فشكا ذلك إليه، فقال له عثمان بن حنيف: ائت الميضأة، فتوضأ، ثم ائت المسجد فصلِّ فيه ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبينا نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك ربي جل وعز، فيقضي لي حاجتي، وتذكر حاجتك، ورح إليَّ حتى أروح معك، فانطلق الرجل فصنع ما قال له عثمان، ثم أتى باب عثمان، فجاء البواب حتى أخذ بيده، فأدخله عثمان بن عفان، فأجلسه معه على الطنفسة، وقال: حاجتك، فذكر حاجته، فقضاها له؛ ثم قال له: ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة، وقال: ما كانت لك من حاجة فأتنا، ثم إن الرجل خرج من عنده، فلقي عثمان بن حنيف، فقال له: جزاك الله خيرًا، ما كان ينظر في حاجتي، ولا يلتفت إليَّ حتى كلمته فيَّ، فقال عثمان بن حنيف:
[ ١١٤ ]
والله ما كلمته، ولكن شهدت رسول الله - ﷺ - وأتاه ضرير فذكر الحديث الرفوع.
قال الطبراني:
"لم يروه عن روح بن القاسم إلا شبيب بن سعيد أبو سعيد المكي، وهو ثقة، وهو الذي يحدِّث عنه ابن أحمد بن شبيب، عن أبيه، عن يونس بن يزيد الأيلي، وقد روي هذا الحديث شعبة، عن أبي جعفر الخطمي، واسمه عمير بن يزيد، وهو ثقة، تفرد به عثمان بن عمر بن فارس، عن شعبة، والحديث صحيح، وروى هذا الحديث عون بن عمارة، عن روح بن القاسم، عن محمد بن المنكدر، عن جابر ﵁، وهم فيه عون بن عمارة، والصواب حديث شبيب بن سعيد".
قلت: لا معارضة فيما حكم به الطبراني ﵀ بالصحة على الحديث، إلا أن تلك القصة الموقوفة هي محل النظر، فقد تفرد بها شيخ الطبراني، طاهر بن عيسى بن قيرس، وهو في عداد المجاهيل، فقد تفرد الطبراني بالرواية عنه، ولم يتعرض له أحد بجرح أو تعديل، وإنما ذكره الذهبي في "تاريخ الإسلام " (وفيات: ٢٩١ - ٣٠٠ هـ) (ص: ١٠٦٩).
وأما المؤلف، فقال (ص: ١٢٧):
(من علل الحديث بجهالة شيخ الطبراني أبعد جدًّا عن معرفة
[ ١١٥ ]
الحديث، وغاير قواعده، فإن القصة الموقوفة تفرَّد بها شبيب، ثم رواها عن شبيب ثلاثة، ورواه عن الثلاثة المذكورين ثلاثة آخرون، وعنهم آخرون، فلم يتفرد أحد برواية القصة إلا شبيب، فلا مدخل لشيخ الطبراني هنا فتأمل.
قد صحح الطبراني الحديث، وتصحيحه يعني توثيق رجال إسناده، ومنهم شيخه طاهر بن عيسى المصري وهو أعلم به من غيره).
قلت: وهذا الكلام فيه مغالطات من وجوه:
الأول: أن هذه القصة الموقوفة قد تفرد بها شيخ الطبراني طاهر بن عيسى، ولم يتابعه عليها إلا من هو في مثل حاله.
وإنما رواه ثلاثة عن شبيب، أحدهم ابن وهب من طريق طاهر بن عيسى، والآخران هما:
(١) أحمد بن شبيب بن سعيد، عن أبيه.
أخرجه الحاكم (١/ ٥٢٦)، وابن السني في "اليوم والليلة" (٦٢٨)، باللفظ المرفوع فقط دون الموقوف، وثمة رواية أخرى زعم المؤلف أنها موقوفة، وسوف يرد الرد عليه فيها.
(٢) إِسماعيل بن شبيب، عن أبيه.
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (٦/ ١٦٧) من طريق:
محمد بن علي بن إسماعيل الشاشي القفال، قال: أنبأنا أبو
[ ١١٦ ]
عروبة، حدثنا العباس بن الفرج، حدثنا إسماعيل بن شبيب بالحديث المرفوع، والقصة الوقوفة أيضًا.
قلت: وإسماعيل هذا ليس له ذكر في كتب التراجم، ولا ذُكر ضمن الرواة عن شبيب بن سعيد، ولم يذكر المترجمون لشبيب أن له ابنًا اسمه إسماعيل.
وفي هذا السند محمد بن علي بن إسماعيل، الشاشي القفال، وهو من كبار الشافعية وأئمتهم، إلا أن من ترجمه لم يذكر فيه ما يدل على ضبطه، وجل عنايته كانت بالفقه، وهو مبرَّز فيه، فلعله وقع منه الوهم في هذا السند.
ثم تبين لي بعد ذلك أنه قد وهم فيها ولا ريب، فقد خالفه في هذه الرواية ابن السني في "اليوم والليلة" (٦٢٨)، وهو حافظ كبير، فرواه عن أبي عروبة به، وقال: حدثنا أحمد بن شبيب بن سعيد، باللفظ المرفوع فقط، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى فالرواية بالقصة الوقوفة معلولة من كل وجه.
فأما رواية ابن وهب التي عند الطبراني في الصغير، فقد خولف فيها شيخ الطبراني طاهر بن عيسى بن قيرس.
خالفه عبد المتعال بن طالب، حدثنا ابن وهب، عن أبي سعيد، عن روح بسنده، دون القصة الوقوفة.
أخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" (٢/ ٣/ ٢١٠).
[ ١١٧ ]
وعبد المتعال بن طالب هذا من الثقات، وترجمته في "التهذيب" مبسوطة.
وكذلك فرواية أحمد بن شبيب تؤيد القول بالوقف، لأنه على فرض التسليم بأن ابن وهب قد رواه باللفظ الزائد، فأحمد بن شبيب أوثق من ابن وهب في أبيه، يدل على ذلك ما ذكره ابن عدي في ترجمته من "الكامل" (٤/ ١٣٤٦)، قال:
"حدَّث عنه ابن وهب بالمناكير".
وإنما كان يحدِّث ابنه أحمد من نسخة صحيحة من كتب أخيه.
قال ابن المديني - ﵀ - كما في "الكامل":
"شبيب بن سعيد بصري، ثقة كان يختلف في تجارة إلى مصر وكتابه كتاب صحيح، صقال علي: وقد كتبها عنه - في المطبوعة: عن وهو تصحيف - ابنه أحمد بن شبيب".
الثاني: أن تصحيح الطبراني للحديث لا يقتضي توثيق رجاله، لأنه إنما حكم بالصحة على الحديث، وهذا حكم عام، لا على هذا السند خاصة، وفرق بين الحكم بالصحة على الحديث، وبين الحكم بالصحة على السند، فكل حديث صحيح لا يقتضي أن يكون رواته في عموم الأسانيد والمتابعات ثقات، بل ربما ورد من بعض الطرق الضعيفة أو الواهية، فهذا الوصف (حديث صحيح) مختص بالمتن، أي أنه ثابت، وهذه مسألة بديهية عند أهل العلم بالحديث،
[ ١١٨ ]
وقد أشار إليها العلماء في مصنفاتهم، وعلى رأسهم الإمام مسلم - ﵀ - حينما أنكر عليه أبو زرعة الرازي - ﵀ - إخراج حديث جماعة من الضعفاء في "جامعه الصحيح"، فأجاب عن ذلك كما في "تاريخ بغداد" (٤/ ٢٧٤) بسند صحيح، قال:
"إنما قلت صحيح، وإنما أدخلت من حديث أسباط وقطن وأحمد ما قد رواه الثقات عن شيوخهم، إلا أنه ربما وقع إلي عنهم بارتفاع، ويكون عندي من رواية من هو أوثق منهم بنزول، فأقتصر على أولئك، وأصل الحديث معروف من رواية الثقات".
فبيَّن أن وصف الحديث بالصحة لا يقتضي أن يكون السند المروي به رواته من الثقات، لأن هذا حكم متعلق بالتن.
وانظر ما علَّقه ابن الصلاح في "علومه" (ص: ٣٨)، وما أورده الحافظ في "النكت" (١/ ٤٧٤) على هذه المسألة.
الثالث: أن الطبراني إنما قال: "والحديث صحيح"، وهذا ينصرف إلى تصحيح المتن الرفوع وحده دون القصة الموقوفة، لأنه لا يُقال للموقوف: حديث، بل يُقال فيه: أثر، وربما يُطلق عليه خبر، وأما الحديث فهو مختص بالمرفوع.
وتبقى مغالطة أخرى وقع فيها المؤلف، وهي جعله الاختلاف في الحديث على أحمد بن شبيب من باب تحديث الراوي الحديث على وجهين، فقال (ص: ١٣٩):
[ ١١٩ ]
(وجواب هذا الاختلاف الذي ارتآه الألباني فقط: أن أحمد بن شبيب كان يحدِّث الحديث بطوله، وفيه قصة مجيء الرجل لعثمان بن عفان - ﵁ - حدَّث بذلك الحافظ الثقة المتقن يعقوب بن سفيان الفسوي كما في دلائل النبوة للبيهقي (٦/ ١٦٨).
وكان أحمد أحيانًا أخرى لا ينشط، فيقتصر على أصل الحديث فقط، أخرج ذلك ابن السني والحاكم، فكان ماذا؟ والرجل، أي أحمد ثقة، اللهم إلا التعنت والتعصب).
قلت: وهذا الكلام ظاهر الفساد على مذهب المحققين من أهل الحديث، فإنهم يرجحون في مثل هذه الحالات من الاختلاف بالحفظ والكثرة.
وهذه الرواية التي أشار إليها المؤلف هي ما أخرجه البيهقي عقب رواية إسماعيل بن شبيب، فقال:
أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان، أنبأنا عبد الله بن جعفر بن درستويه، حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا أحمد بن شبيب بن سعيد فذكره بطوله، وهذه زيادة ألحقتها به في شهر رمضان سنة أربع وأربعين.
ولو تدبر القارئ الكريم قول البيهقي: "وهذه زيادة ألحقتها به في شهر رمضان سنة أربع وأربعين" لظهر له أن إيراد هذه الزيادة من هذا الوجه إنما هو من تصرف البيهقي - ﵀ -، لا أن هذه
[ ١٢٠ ]
الزيادة من أصل الحديث، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى فعلى تسليم الأمر بأن الزيادة من أصل هذا الطريق، فلا بد من الترجيح بالقرائن.
فممن رواه عن أحمد بن شبيب بغير هذه الزيادة:
(١) محمد بن علي بن زيد الصائغ.
عند الحاكم (١/ ٥٢٦).
(٢) العباس بن فرج الرياشي، والحسين بن يحيى الثوري.
عند ابن السني (٦٢٨).
وهؤلاء الثلاثة اثنان منهم من الثقات، والثالث لم أقف له على ترجمة، وقد خالفهم يعقوب بن سفيان - على فرض التسليم للمؤلف بهذا -، وقد رجح المؤلف رواية يعقوب على رواية الجماعة، وقال (ص: ١٤٠):
(١ - هؤلاء الثلانة الذين قال عنهم ثقات إذا أضيف إليهم مثلهم لم يرجحوا على الإمام الحافظ العلم يعقوب بن سفيان الفسوي، فهو ثقة، وفوق الثقة، وقد قال أبو زرعة الدمشقي: قدم علينا رجلان من نبلاء الناس أحدهما وأرجلهما يعقوب بن سفيان، يعجز أهل العراق أن يروا مثله رجلًا.
ومن المعروف أن الشيوخ إذا خالفهم حافظ، يرجح قول الحافظ على الشيوخ، فالقول قول الحافظ، وإن اجتمع الشيوخ عليه،
[ ١٢١ ]
ويعقوب الفسوي إمام حافظ، وفوق الحافظ).
قلت: وهذه محاولة عجيبة في ترجيح رواية يعقوب بن سفيان على رواية الأكثر، وهذا مخالف للقواعد الحديثية.
وكون الراوي من الحفاظ، أو وصف بعضهم له بالحفظ فهذا لا يقتضي الإتقان والضبط، وكم من راو وصف أنه من الحفاظ وكان متكلمًا في حفظه، وربما في عدالته، كسليمان الشاذكوني، وعثمان بن مقسم البري، وعثمان بن أبي شيبة، ونحوهم.
وليست هذه محاولة للطعن في الإمام الحافظ يعقوب الفسوي، وإنما هذا تقرير لبعض ما تغاضى عنه المؤلف.
وأما أن رواية الحافظ تُقدَّم على رواية الشيوخ، فهذا على وجه الانفراد، أما على وجه الاجتماع، فرواية الشيوخ الثقات تؤيد بعضها بعضًا، وترجح على رواية الحافظ بالكثرة، لأنه إنما وصف بالحفظ لكثرة روايته وسعتها، وأما الضبط فهم جميعًا مشتركون فيه، لا سيما وأن الحديث من جميع طرقه ورد بالرواية الناقصة المرفوعة، دون الرواية الموقوفة.
ثم قال المؤلف (ص: ١٤١):
(٢ - العباس بن فرج روى الوجهين، فقد أسند القصة عن إسماعيل بن شبيب، عن أبيه، أخرجها البيهقي في "دلائل النبوة"، فوافق الحجة العلم يعقوب بن سفيان الفسوي).
[ ١٢٢ ]
قلت: قد تقدَّم إعلال هذه الرواية بالمخالفة، وهي رواية منكرة بذكر إسماعيل هذا، والحمل فيها على الفقيه الشاشي، وقد خالف ابن السني الحافظ الكبير، كما تقدَّم ذكره وبيانه.
ويبقى الآن الكلام على رواية شاذة أخرى، نافح عنها المؤلف منافحة المستميت لإثبات صحتها، وهي:
ما أخرجه ابن أبي خيثمة في "تاريخه":
حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا أبو جعفر الخطمي، عن عمارة بن خزيمة، عن عثمان بن حنيف - ﵁ -: أن رجلًا أعمى أتى النبي - ﷺ - فقال: إني أصبت في بصري، فادع الله لي، قال:
"اذهب فتوضأ، وصلِّ ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيي محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أستشفع بك على ربي في رد بصري، اللهم فشفعني في نفسي، وشفِّع نبيي في رد بصري، وإن كانت حاجة فافعل مثل ذلك".
وهذه الرواية كان قد أعلها العلَّامة الألباني - حفظه الله - في "التوسل" (ص: ٨٣) تبعًا لشيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه "التوسل والوسيلة" (ص: ١٠٢) بتفرد حماد بن سلمة بزيادة:
"وإن كانت حاجة فافعل مثل ذلك".
وهي محل الشاهد الذي احتج به المؤلف على جواز التوسل
[ ١٢٣ ]
بجاه النبي - ﷺ -.
وقد حشد المؤلف كل ما يملك في إبطال هذا الإعلال.
والصواب: أن الحمل في هذا الحديث ليس على حماد بن سلمة - ﵀ -، وإنما هو على من رواه عنه، وهو مسلم بن إبراهيم الفراهيدي، وهو وإن كان من الثقات، إلا أنه قد خالفه من هو أوثق منه في الضبط، وهو حبان بن هلال الباهلي البصري، فرواه عن حماد بن سلمة بسنده ومتنه، دون هذه الزيادة.
أخرجه النسائي في "اليوم والليلة" (٦٦٣).
وحبان بن هلال وثقه ابن معين، والترمذي والنسائي، وقال أحمد: "إليه المنتهى في التثبت بالبصرة"، وقال البزار: "ثقة مأمون على ما يحدث به"، وقال الخطيب: "كان ثقة ثبتًا".
ويؤيد هذه الرواية رواية شعبة لهذا الحديث دون هذه الزيادة.
ثم وجدت متابعة لحبان بن هلال عند البخاري في "التاريخ الكبير" (٢/ ٣/ ٢٠٩) من رواية: شهاب بن عباد العبدي، عن حماد به دون الزيادة.
وشهاب بن عباد من شيوخ الشيخين، وهو ثقة رضي.
فهذا يدل على شذوذ الزيادة.
ولا يُقعقع بما قعقع به المؤلف، من أن الزيادة من الثقة مقبولة، فهذا المذهب مذهب جماعة الفقهاء، وأما المحققين من أهل الحديث
[ ١٢٤ ]
لا سيما المتقدمين فلا يقبلون الزيادة إلا من الثقة الحافظ الثبت، بل منهم من لا يقبل الزيادة من الحافظ إن كانت تفيد حكمًا زائدًا، حتى يتابع عليها، كما توقف الإمام أحمد في زيادة: "من المسلمين" في حديث صدقة الفطر الذي يرويه الإمام مالك من حديث ابن عمر، حتى تابعه عليها العمريان، والمسالة فيها تفصيل كبير محله كتب المصطلح.
[ ١٢٥ ]