أخرجه ابن أبي الدنيا في "القبور" - كما في "تاريخ جرجان" (ص: ٢٢٠) -، والسهمي في "تاريخ جرجان" (ص: ٤٣٤)، والبيهقي في "الشعب" (٣/ ٤٨٩ - ٤٩٠) من طرق:
عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، أخبرني أبو المثنى سليمان بن يزيد الكعبي، عن أنس بن مالك:
أن رسول الله - ﷺ - قال:
"من زارني بالمدينة محتسبًا كنت له شفيعًا وشهيدًا يوم القيامة".
قلت: في هذا السند أبو المثنى سليمان بن يزيد الكعبي، وهو ضعيف جدًّا، قال أبو حاتم: "منكر الحديث ليس بقوي"، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ثم أعاد ذكره في "المجروحين"، وقال: "شيخ يخالف الثقات في الروايات، لا يجوز الاحتجاج به ولا الرواية عنه إلا للاعتبار"، وقال الدارقطني: "سليمان بن يزيد، ضعيف، وقعت روايته عن أنس في كتاب القبور لابن أبي الدنيا، وقيل: إنه لم يسمع منه".
قلت: فهذا الإسناد معلول بالنكارة، وبالانقطاع.
وأما المؤلف فقد حاول بشتى الطرق تقوية أمره، وإزالة وصف
[ ٢٧٥ ]
الضعف الشديد عنه، فقال - عقب إيراده أقوال الجرحين له، وختمهم بابن حبان - (ص: ٣٢٤):
(لكنه -[أي ابن حبان]- ذكره في الثقات (٦/ ٣٩٥)، وحسَّن له الترمذي، ومقتضى ذلك أن يكون صدوق الحديث عند الترمذي، قال الحافظ في "تعجيل المنفعة" (ص: ١٥٣):
قول الترمذي حسن غريب هذا يقتضي أن الراوي عنده صدوق معروف.
وصحح له الحاكم (٤/ ٢٢١ - ٢٢٢) وهو يعني أن الرجل عنده ثقة).
قلت: قد تقدَّم الكلام على توثيق ابن حبان والحاكم، وبيان ما وقع لهما من التساهل، وأما قول الترمذي: "حسن غريب" فلا يقتضي ما قضاه له الحافظ ابن حجر - إن صح النقل عنه -، بل هو غالبًا ما يطلق هذا الوصف على ما تفرد به من لا يُحتمل منه التفرد.
وقد أخرج الترمذي (٣٥١٠) من حديث محمد بن ثابت بن أسلم البناني، عن أبيه، عن أنس مرفوعًا: "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا". قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: "حِلق الذكر".
قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب".
ومحمد بن ثابت هذا قد أجمعوا على ضعفه ووهائه، بل قال فيه البخاري: "فيه نظر"، وهو بمعنى المتهم كما بينه الذهبي.
[ ٢٧٦ ]
فهل يُقال: إن الترمذي يخالف أجلة العلم واتفاقهم، فيكون محمد بن ثابت البناني صدوقًا عنده؟ ! !
والأمثلة غير هذا كثيرة، وقد ذكرنا جملة منها في كتابنا "صون الشرع الحنيف" بما يغني عن الإعادة هنا.
ومما يدل على أن الترمذي لما وصف حديثه بأنه "حسن غريب" لم يقتض ذلك عنده أن يكون محتجًا به عنده - ومن ثم يكون راويه عنده صدوقا -: أن هذا الحديث الذي عند الترمذي (١٤٩٣) من رواية أبي المثنى سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، مرفوعًا في فضل الأضحية فيه علتان:
الأولى: أن أبا المثنى قد تفرد به عن هشام بن عروة دون باقي أصحاب هشام الثقات الحفاظ، وقد تقدَّم النقل عن الإمام مسلم أن هذا عند أهل العلم مما يعد من نكارة السند.
الثانية: أن هذا الحديث مرسل، ولم يخف على الترمذي هذه العلة، فقد نقل في "العلل الكبير" (٢/ ٦٣٨) عن البخاري في هذا الحديث:
"هو حديث مرسل، لم يسمع أبو المثنى من هشام بن عروة".
ثم قال الترمذي: "قلت له: أبو المثنى ما اسمه؟ قال: سليمان بن يزيد، مديني، روى عنه ابن أبي فديك".
فكيف يكون صدوقًا عند الترمذي، وهو لا يعلم اسمه.
[ ٢٧٧ ]
وعلى فرض التسليم للمؤلف بذلك، فإن الترمذي قال: "هذا حديث حسن غريب".
فإما أن يقصد بالحسن هنا الحسن بمجموع الطرق، فهذا يقتضي أن يكون أبو المثنى ممن لا يحتج بحديثه على الانفراد، ومن ثم فهو ليس بحجة عنده فضلًا عن أن يكون صدوقًا.
وعندي أنه لا يعني بذلك الحسن بمجموع الطرق، لأنه اشترط في حده له في آخر العلل: "أن يروى من غير وجه".
وهذا الحديث فرد من طريق هشام، كما نبه عليه الترمذي، فقال: "لا نعرفه من حديث هشام بن عروة إلا من هذا الوجه".
فإن قيل: بل هو يقصد بذلك الحسن لذاته.
فالجواب: إن هذا مستحيل، لأن من شروط الحسن لذاته أن يكون متصلًا، وهذا مرسل كما ترى.
ومن ثم فلا يصح ما تقدَّم نقله من كلام المؤلف.
وعلى فرض أن هذا الراوي صدوق عند الترمذي، فإن الحافظ ابن حجر لم يعتمد ذلك، بل أعمل الجرح، وقال في "التقريب": "ضعيف".
وفي الحقيقة هذا تساهل من الحافظ في حال الرجل، فإنه أوهى من ذلك، كما تدل عليه أقوال أهل العلم، وكما تدل عليه نكارة أخباره التي تفرد بها.
[ ٢٧٨ ]
ويبقى الآن تحقيق القول في كلام الحافظ الذهبي فيه.
قال المؤلف (ص: ٣٢٥):
(وأجاد الحافظ الذهبي فقال في الكاشف ٣/ ٣٣١: وثق، وقال أبو حاتم: ليس بقوي).
قلت: قد تقدَّم بيان أن كلمة: "وثق" ممرضة، وفيها نوع
ضعف، كأن الحافظ الذهبي لا يعتمد مثل هذا التوثيق في الراوي، ثم تأكد لي هذا، بان الذهبي قد اعتمد الضعف الشديد في الراوي.
فقال متعقبًا على الحاكم في "المستدرك" (٤/ ٢٢٢) في تصحيحه حديث فضل الأضحية: "سليمان واهٍ، وبعضهم تركه".
وهو الموضع الذي أشار إليه المؤلف (ص: ٣٢٤) أن الحاكم صحح للراوي فيه، ولم ينبه على كلام الذهبي، وهذا قاض بتجاهله للأقوال التي قد ترد حججه، فأي إنصاف وتجرد هذا الذي يدَّعيه المؤلف في كتابه.
ثم أورد المؤلف له شاهدًا من رواية إسحاق بن راهويه في "مسنده": أخبرنا عيسى بن يونس، حدثنا ثور بن يزيد، حدثني شيخ، عن أنس، عن النبي - ﷺ -.
قال المؤلف (ص: ٣٢٥):
(عيسى بن يونس هو ابن أبي إسحاق السبيعي، ثقة، وثور بن يزيد ثقة ثبت، فلولا الشيخ المبهم الذي لم يُسم لكان السند في أعلى
[ ٢٧٩ ]
درجات الصحة، لكن هذا الطريق إذا ضُمَّ لسابقه استفاد الحديث قوة، فإن قال قائل: إنه مشبه بالحسن يكون قد أصاب، وكم احتج الأئمة الفقهاء بأقل من هذا وبمثله في الأحكام، بل هذا بمفرده يثبت مشروعية الزيارة).
قلت: في هذا الكلام مغالطات:
أولها: أن هذا الطريق معلول بإبهام راويه عن أنس، وحكم المبهم حكم مجهول العين، بل لربما كان أسوأ، فإن المبهم لا تُعلم عينه، ولا حاله، ومثل هذا لا يُقَوِّي بالمتابعة، ولا يتقَوَّى بها، وهذا معلوم مشهور عند أهل العلم.
ثانيها: أن هذا الحديث إذا انضم لسابقه لم يزده إلا وهنًا، لأن أهل العلم على أن الطرقَ شديدة الضعف إذا انضمت بعضها إلى بعض لم تزد بعضها البعض إلا وهنًا.
ثالثها: قول المؤلف: (بل هذا بمفرده يثبت مشروعية الزيارة) قول ساقط، لا يعرج عليه لشدة ضعف هذا الشاهد، ولأنه من الجائز جدًّا أن يكون هذا الرجل المبهم هو نفسه أبو المثنى سليمان بن يزيد.
رابعها: أن متن الحديث وشاهده منكران جدًّا، فقد خالفا ما هو أصح منهما، وهو حديث النبي - ﷺ -: "اللهم لا تجعل قبري وثنًا، لعن الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
[ ٢٨٠ ]
أخرجه أحمد (٢/ ٢٤٦)، والحميدي (١٠٢٥) بسند صحيح من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
وله شاهد مرسل عند مالك في "الموطأ" (١/ ١٧٢)، وعبد الرزاق في "المصنف" (١٥٨٧).
وهو مخالف كذلك لحديثه - ﷺ -:
"لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبده، فقولوا عبد الله ورسوله".
أخرجه البخاري (١/ ٢٥٦)، والترمذي في "الشمائل" (٣٢٤) من طريق: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، عن عمر - ﵄ - به.
[ ٢٨١ ]