أخرجه الحاكم في "المستدرك" (٢/ ٦١٥):
حدثنا أبو سعيد عمرو بن محمد بن منصور العدل، حدثنا أبو الحسن محمد بن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، حدثنا أبو الحارث عبد الله بن مسلم الفهري، حدثنا إسماعيل بن مسلمة، أنبأ عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جده، عن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -:
"لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي، فقال الله: يا آدم، وكيف عرفت محمدًا ولم أخلقه؟ قال: يا رب لأنك لما خلقتني بيدك، ونفخت فيَّ من روحك رفعت رأسي، فرأيت على قوائم العرش مكتوبًا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال الله: صدقت يا آدم، إنه لأحب الخلق إليَّ، ادعني بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك".
قال الحاكم:
"هذا حديث صحيح الإسناد، وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في هذا الكتاب".
[ ٢٠٠ ]
وتعقبه الحافظ الذهبي، فقال:
"قلت: بل موضوع، وعبد الرَّحمن واهٍ، ، رواه عبد الله بن مسلم الفهري، ولا أدري من ذا، عن إسماعيل بن مسلمة، عنه".
وحكم عليه في "الميزان" بالبطلان، وأعله بالفهري هذا، وقال الحافظ في "اللسان" (٣/ ٤٤٢):
"لا أستبعد أن يكون هو الذي قبله، فإنه من طبقته".
يشير بذلك إلى عبد الله بن مسلم بن رشيد، الذي يروي عن الليث ومالك.
قال ابن حبان: "يضع على ليث ومالك وابن لهيعة".
وأخرجه الآجري في "الشريعة" (٢/ ٢٤٨ - ٢٤٩):
حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي داود، قال: حَدَّثَنَا أبو الحارث الفهري، قال: حدثني سعيد بن عمرو، قال: حَدَّثَنَا أبو عبد الرَّحمن بن عبد الله بن إسماعيل بن بنت أبي مريم، قال: حدثني عبد الرَّحمن بن زيد بن أسْلَم، عن أبيه، عن جده، عن عمر بن الخطاب موقوفًا به.
فاضطرب فيه الفهري أو وضع له سندًا، ثم رواه على التوهم، فزاد فيه سعيد بن عمرو؛ وأوقفه على عمر - ﵁ -.
وكذلك ففي السند عبد الرَّحمن بن زيد بن أسْلَم وهو ضعيف جدًّا من قبل حفظه، وإن كنت أرجح أن هذا الخبر قد وُضع عليه،
[ ٢٠١ ]
وما أظنه حدَّث به.
بل الذي أرجحه أن الفهري قد سرق هذا الحديث من عثمان بن خالد العثماني، وأنشأ له هذا الإسناد، ورفعه تارة، وأوقفه أخرى.
فقد أخرج الآجري في "الشريعة" (٢/ ٢٤٦) من طريق:
عثمان بن خالد، عن عبد الرَّحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، قال: من الكلمات التي تاب الله بها على آدم ﵇، قال:
"اللهم إني أسألك بحق محمد - ﷺ - عليك، قال الله ﷿: يا آدم، وما يدريك بمحمد؟ قال: يا رب، رفعت رأسي، فرأيت مكتوبًا على عرشك لا إله إلَّا الله محمد رسول الله، فعلمت أنه أكرم خلقك عليك".
وعثمان بن خالد هذا متروك الحديث كما قال الحافظ في "التقريب"، وقد حدَّث عن مالك وغيره بأحاديث موضوعة، وابن أبي الزناد متكلم فيه.
وقد ذكر المؤلف عدة متابعات واهية، وبيَّن ما فيها من الضعف، تبعًا لما ذكره العلامة الألباني - حفظه الله - في "التوسل".
إلَّا أنه عقب ذلك (ص: ٢٤٧ - ٢٤٨):
(وبعد كتابة ما تقدَّم؛ وجدت لحديث توسل آدم بالنبي - ﷺ - شاهدًا قويًّا.
فقد أخرج الحافظ أبو الحسن بن بشران، قال: حَدَّثَنَا أبو جعفر
[ ٢٠٢ ]
محمد بن عمرو، حَدَّثَنَا أحمد بن إسحاق بن صالح، حَدَّثَنَا محمد بن صالح، حَدَّثَنَا محمد بن سنان العوقي، حَدَّثَنَا إبراهيم بن طهمان، عن بُديل بن ميسرة، عن عبد الله بن شقيق، عن ميسرة، قال: قلت: يا رسول الله، متى كنت نبيًّا؟ قال: "لما خلق الله الأرض واستوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات، وخلق العرش، كتب على ساق العرش: محمد رسول الله خاتم الأنبياء، وخلق الله الجَنَّة التي أسكنها آدم وحواء، فكتب اسمي على الأبواب، والأوراق، والقباب، والخيام، وآدم بين الروح والجسد، فلما أحياه الله تعالى: نظر إلى العرش، فرأى اسمي، فأخبره الله أنه سيد ولدك، فلما غرهما الشيطان، تابا واستشفعا باسمي إليه".
وأخرجه ابن الجوزي في الوفا
وذكره شيخنا العلامة المحقّق السيد عبد الله بن الصديق الغماري - نوَّر الله مرقده - في الرد المحكم المتين (ص: ١٣٨ - ١٣٩)، وقال: إسناد هذا الحديث قوي، وهو أقوى شاهد وقفت عليه لحديث عبد الرَّحمن بن زيد. ا. هـ.
وكذا قال الحافظ ابن حجر.
قلت: إسناده مسلسل بالثقات، ما خلا راو واحد صدوق).
قلت: بل الحديث منكر بمرة بهذا اللفظ، بل لا أستبعد أن يكون موضوعًا.
[ ٢٠٣ ]
فقد أخرج البخاري في "التاريخ الكبير" (٤/ ١/ ٣٧٤) هذا الحديث عن محمد بن سنان العوقي، بسنده بلفظ:
"كنت نبيًّا وآدم بين الروح والجسد".
وتوارد الرواة على روايته عن العوقي بهذا اللفظ المختصر.
فأخرجه الحاكم (٢/ ٦٠٨)، والبيهقي في "الدلائل" (٢/ ١٢٩): عن أبي النضر الفقيه، ومحمد بن سَلَمَة العنزي، عن العوقي به باللفظ المختصر.
ثم تبين لي أن الحديث بهذا اللفظ المطول لا يُحفظ عن ابن بشران الذي عزى المؤلف الحديث إليه.
فقد أخرجه البيهقي في "الدلائل" (١/ ٨٥):
أخبرنا أبو الحسين بن بشران، ببغداد، قال: حَدَّثَنَا أبو جعفر: محمد بن عمرو الرزاز، قال: حَدَّثَنَا أحمد بن إسحاق بن صالح قال: حَدَّثَنَا محمد بن سنان العوقي، قال: حَدَّثَنَا إبراهيم بن طهمان، عن بُديل بن ميسرة، عن عبد الله بن شقيق، عن ميسرة الفجر، قال: قلت: يا رسول الله، متى كتبت نبيًّا؟ قال:
"وآدم بين الروح والجسد".
فهذا هو المحفوظ، من رواية ابن بشران، وهو إسناد صحيح، وليست فيه تلك الزيادة المنكرة، ولا فيه ذلك الراوي الذي اضطرب المؤلف في تحديده: (محمد بن صالح)، بل قد صرح أحمد بن
[ ٢٠٤ ]
إسحاق بن صالح بالسماع من العوقي.
وتابع العوقي عن إبراهيم على هذا الحديث باللفظ المختصر: عثمان بن سعيد الدارمي عند الحاكم والبيهقي، ومعاذ بن هانئ البهراني عند ابن سعد في "الطبقات" (٧/ ٤١).
وهذا كله يؤكد أن الحديث لا يصح إلَّا باللفظ المختصر.
والظاهر أن العلة في اللفظ الطول ممن هم دون ابن بشران، وقد تفرد ابن الجوزي بروايته بهذا اللفظ المطول المنكر من طريق ابن بشران، وهذا غريب جدًّا.
وعندي أن المؤلف قد اطلع على الرواية المختصرة للحديث من طريق ابن بشران ولابد؛ لأنه قد عزى الحديث إليها في الحاشية (ص: ٢٤٨)، وإنما تغاضي عنها لأنَّ فيها إعلال الحديث باللفظ المطول، فتنبه، وتمعن! ! .
فإذا علمت ما سبق تبين لك سقوط قول المؤلف (ص: ٢٤٩):
(فالصواب أن هذا الإسناد من شرط الحسن على الأقل، ويصححه من يُدخل الحسن في الصحيح من الحفّاظ كابن حبان والحاكم)! ! ! .
* * *
[ ٢٠٥ ]