أخرجه أبو يعلى الموصلي في "المسند" (٤/ ٤١٨):
حدثنا عقبة، حدثنا يونس، حدثنا سليمان الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر: أن رسول الله - ﷺ - قال:
"ليأتين على الناس زمان يخرج الجيش من جيوشهم، فيُقال: هل فيكم أحد صحب محمدًا فتستنصرون به فَتُنصروا؟ ثم يقال: هل فيكم من صحب محمدًا فيقال: لا، فمن صحب أصحابه؟ فيُقال: لا، فيُقال: من رأى من صحب أصحابه؟ فلو سمعوا به من وراء البحر لأتوه".
قال المؤلف (ص: ٢٣١):
(إسناده صحيح).
ثم أورد له متابعة عند أبي يعلى أيضًا (٤/ ٢٠٠) من طريق:
محاضر بن الورع، عن الأعمش به.
قلت: السند الأول فيه يونس بن بكير، صدوق فيه ضعف، وقد تُكُلِّم في حفظه، وقد رواه عن الأعمش دون باقي أصحاب الأعمش الكبار.
وقد تفرد بلفظة: "فتستنصرون به فتُنصروا".
[ ١٩١ ]
وقد خالفه محاضر بن المورع، وهو وإن كان فيه بعض الكلام إلا أنه مقدَّم عليه في الأعمش.
قال ابن عدي: "روى عن الأعمش أحاديث صالحة مستقيمة".
وقد رواه بلفظ:
"يبعث بعث، فيقال لهم: هل فيكم أحد صحب محمدًا؟ فيقال: نعم، فيُلتمس، فيوجد الرجل، فيستفتح، فيفتح عليهم ".
وبون شاسع بين هذا اللفظ، وبين اللفظ الذي قبله، ومما يؤيد هذا اللفظ أصل الحديث الذي في الصحيحين من رواية جابر، عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -، وهو:
"يأتي زمان يغزو فئام من الناس، فيُقال: فيكم من صحب النبي - ﷺ -، فيقال: نعم، فيُفتح عليه ".
وفي رواية مسلم: "فيُفتح لهم".
وفي رواية ثانية عنده: "فيفتح لهم به".
أخرج البخاري (فتح: ٦/ ٦٨)، ومسلم (نووي: ٨/ ٣٠٠).
قلت: وهذا لا يدل ألبتة على أن الاستنصار كان بجاهه عند الله، ولا بالتوسل بجاهه، إذ لو كان كذلك فلا حاجة للسؤال عن وجوده أو عدم وجوده، وإنما هو بدعائه وإخلاصه، ولا قائل بالمنع من التوسل بدعاء الصالحين.
قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" في شرح الحديث:
[ ١٩٢ ]
"فإن كان القوي يترجح بفضل شجاعته، فإن الضعيف يترجح بفضل دعائه وإخلاصه".
قلت: ومما يدل على تدليس المؤلف أنه لم يورد الحديث الذي قبله في الباب الذي عند البخاري، وهو أظهر في الدلالة من هذا، وهو حديث مصعب بن سعد بن أبي وقاص، قال:
رأى سعد - ﵁ - أن له فضلًا على من دونه، فقال النبي - ﷺ -: "هل تُنصرون وتُرزقون إلا بضعفائكم".
قلت: والنصر والرزق المعنى هنا هو نفسه المعنى في الحديث الذي قبله، وهو نصر ورزق بإخلاصهم ودعائهم وصلاتهم، لا بالتوسل بجاههم كما يروج له المؤلف، ويدل على ذلك رواية النسائي (٦/ ٤٥) لهذا الحديث بسند صحيح، قال النبي - ﷺ -: "إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم".
وهذا ظاهر من الحديث الذي ترجم به المؤلف، فإنما حصر الفتح والنصر بالقرون الثلاثة الأولى، لأن الإخلاص والصدق في الدعاء والالتزام بالشرائع أظهر فيهم من غيرهم، ولأجل هذا فُضلوا على غيرهم من القرون.
وبهذا يبطل الاستدلال بهذا الحديث على جواز التوسل بالجاه.
[ ١٩٣ ]