وهو حديث:
"لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا".
وقد تقدَّم تخريجه في قسم الأدلة، وأسهب المؤلف أيما إسهاب في ذكر طرقه، وشواهده، والذي يعنيني هنا أن أنبه على روايتين من الروايات التي أوردها المؤلف، وإن كنا قد أشرنا إلى إحداها من قبل، وهاتان الروايتان، هما:
الأولى: ذكرها المؤلف (ص: ٣٦٣)، وهي في المسند بسند حسن عن شهر بن حوشب، قال: أقبلت أنا ورجال من عمرة، فمررنا بأبي سعيد الخدري، فدخلنا عليه، فقال: أين تريدون، قلت: نريد الطور، قال: وما الطور؟ سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:
"لا تُشد رحال المطي إلى مسجد يُذكر الله فيه إلا ثلاثة مساجد ".
الثانية: ذكرها المؤلف (ص: ٣٧١) من حديث قزعة، قال:
سألت ابن عمر: آتي الطور؟ قال: دع الطور، ولا تأتها،
[ ٣٢٩ ]
وقال: لا تشدوا الرحال إلا ثلاثة مساجد.
وصححه المؤلف.
قلت: هاتان الروايتان دليل قوي على ما تقدَّم ذكره من أن المسجد إذا أُطلق أريد به مكان العبادة، وما يُقصد للتقرب، وإن كان بيتًا، أو قبرًا، وفي هذين الأثرين تحريم السفر إلى مواطن قبور الأنبياء ومقامات الصالحين، وما يؤتى للتقرب عنده للعبادة، بل في حديث أبي سعيد الخدري المرفوع: "لا تُشد رحال المطي إلى مسجد يُذكر الله فيه إلا ثلاثة مساجد "، دلالة ظاهرة على ذلك، من قوله: "مسجد يُذكر الله فيه"، والمسجد لفظ عام، وقد أطلقه النبي - ﷺ - على قبور الأنبياء، فقال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، وأطلقه النبي - ﷺ - على عموم الأرض، فقال:
"وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا".
وقد تقدَّم أيضًا أنه يطلق على بيوت الموتى وهي القبور، وهذا هو فهم الصحابة، فليعتبر به أولو الأبصار والأفئدة.
[ ٣٣٠ ]