وهو ما أخرجه البخاري في "الصحيح" (فتح: ٢/ ٤٩٤) من طريق: ثمامة بن عبد الله بن أنس، عن أنس:
أن عمر بن الخطاب - ﵁ - كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال:
اللهم إنا كنَّا نتوسل إليك بنبينا فتسقنا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قال: فيسقون.
قال المؤلف:
(وهو صريح في التوسل بالصالحين، لا سيما إذا كانوا من أهل البيت النبوي ﵈، قال الحافظ في "الفتح" (٢/ ٤٩٧): "ويُستفاد من قصة العباس استحباب الاستشفاع بأهل الخير والصلاح وأهل بيت النبوة، وفيه فضل العباس، وفضل عمر لتواضعه للعباس، ومعرفته بحقه").
قلت: هذا الكلام منتقض بأن الأثر وإن كان صريحًا في التوسل بالصالحين، إلا أن توسلهم كان على غير الهيئة المبتدعة التي يروِّج لها المؤلف، من التوسل بالجاه، وإنما كانت بالتوسل بدعائه - ﷺ -، وهذا ظاهر جدًّا من مجموع الأحاديث الواردة في الاستسقاء.
[ ١٠٣ ]
وقد أخرج البخاري في "الصحيح" (١/ ٢٩٥)، ومسلم (٢/ ٦١٤)، والنسائي (٣/ ١٦٦) من طريق: الأوزاعي، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس - ﵁ - قال:
أصابت الناس سنة على عهد النبي - ﷺ -، فبينا النبي - ﷺ - يخطب في يوم جمعة، قام أعرابي، فقال: يا رسول الله، هلك المال، وجاع العيال، فادع الله لنا، فرفع يديه، وما نرى في السماء قزعة، فوالذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته - ﷺ -، فمطرنا يومنا ذلك، ومن الغد، وبعد الغد، والذي يليه حتى الجمعة الأخرى، وقام ذلك الأعرابي - أو قال: غيره - فقال: يا رسول الله تهدَّم البناء، وغرق المال، فادع الله لنا، فرفع يديه، فقال:
"اللهم حوالينا ولا علينا" الحديث.
فدل هذا الحديث دلالة قوية ظاهرة على أن توسلهم به - ﷺ - كان توسلًا بدعائه، لا بجاهه، وهذا ظاهر من قوله: "فادع الله لنا"، ولوكان التوسل بجاهه - ﷺ - مشروعًا لما تاخروا في ذلك لا سيما مع عظم المصيبة أولًا بالقحط، وآخرًا بالهدم والغرق.
فكان توسل الصحابة بعده ﵇ في حادثة القحط بدعاء العباس، لا بجاهه، كما سوف يأتي تقريره بدليله.
وأما استدلال المؤلف بقول الحافظ ابن حجر السابق ذكره فهو من
[ ١٠٤ ]
باب التدليس، فإن الحافظ لم يستدل بهذا الحديث على جواز التوسل بالجاه، وإنما استدل به على جواز الاستشفاع بأهل الخير، والاستشفاع لا يأتي بمعنى التوسل بالجاه، وإنما يأتي بمعنى التوسل بالدعاء كما سوف يأتي تقريره قريبًا إن شاء الله تعالى.
ثم إن قصة عمر في توسله بالعباس - ﵄ - لا تدل بحال أنه كان توسلًا بجاهه، بل هو على اليقين توسلًا بدعائه جريًا على ما كانوا يفعلونه مع النبي - ﷺ -، من التوسل بدعائه.
وقد نقل الحافظ في الفتح ما يدل على ذلك، فقال (٢/ ٥٧٧):
"وقد بيَّن الزبير بن بكار في الأنساب صفة ما دعا به العباس في هذه الواقعة، والوقت الذي وقع فيه ذلك، فأخرج بإسناد له أن العباس لما استسقى به عمر، قال: اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة، وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة، فاسقنا الغيث، فأرخت السماء مثل الجبال، حتى أخصبت الأرض، وعاش الناس".
قلت: فهذا دليل ظاهر على ما ذكرنا وتؤيد هذه الرواية ما أخرجه عبد الرزاق في "المصنف " (٣/ ٩٢) من حديث ابن عباس: أن عمر استسقى بالمصلى، فقال للعباس: قم فاستسق، فقام العباس، فقال: . فذكر فيه دعاءً آخر.
إلا أن سنده ضعيف جدًّا، فهو من رواية إبراهيم الأسلمي، وهو واه.
[ ١٠٥ ]
وقد حمل البيهقي هذا الأثر على ما حملناه عليه، - فبوَّب له في "السن الكبرى" (٣/ ٣٥٢):