أخرجه العقيلي في "الضعفاء" (٣/ ٤٥٧):
حدثنا سعيد بن محمد الحضرمي، حدثنا فضالة بن سعيد بن زميل المأربي، حدثنا محمد بن يحيى المأربي، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله - ﷺ -:
"من زارني في مماتي كان كمن زارني في حياثي، ومن زارني حتى ينتهى إلى قبري كنت له شهيدًا يوم القيامة، أو قال: شفيعًا".
قلت: المتن منكر بمرة، والسند فيه فضالة بن سعيد وشيخه.
فأما فضالة بن سعيد، فقال العقيلي: "حديثه غير محفوظ، ولا يُعرف إلا به".
وقال عقب رواية حديثه هذا:
"وهذا يروى بغير هذا الإسناد من طريق أيضًا فيه لين".
وقال الذهبي في "الميزان" (٣/ ٣٤٩) عقب إيراد هذا الحديث في ترجمة فضالة:
"هذا موضوع على ابن جريج، ويروى في هذا شيء أمثل من هذا".
وأما المؤلف، فنافح عن الحديث كعادته، ودفع أقوال المحققين
[ ٢٦٤ ]
بتوهماته ومغالطاته، فقال (ص: ٣٢٠):
(دل كلام العقيلي على أمور:
الأول: أن حديث فضالة بن سعيد المأربي غير محفوظ.
الثاني: أنه فرد.
الثالث: أن هذا الإسناد فيه لين.
والأمر الثالث: هو خلاصة نظر العقيلي في هذا الإسناد أنه فيه لين، واللين هو أقل الضعف.
وإن تعجب، فعجب من الحافظ الذهبي - رحمه الله تعالى - ففي ترجمته لفضالة بن سعيد بن زميل المأربي ذكر الحديث موضع البحث ثم قال (٣/ ٣٤٩): هذا موضوع على ابن جريج. ا. هـ.
ولا يوجد في الإسناد أو المتن ما يساعده على دعواه، فهي دعوى لا برهان عليها، ولا ذكر الذهبي دليلًا يشهد لها، وكلام العقيلي هنا أقوى وأقعد).
قلت: هذا كلام من لا يفهم ألفاظ العلماء والمحققين.
فإن الأمر الأول والثاني من كلام العقيلي يدل على أن الحديث عنده منكر، وهذا يدل عليه قوله: "غير محفوظ"، وأما الأمر الثالث وهو وصف السند بأن فيه لينًا، فهذا مغلوط على العقيلي، فعبارته في "الضعفاء":
"وهذا -[أي المتن]- يروى بغير هذا الإسناد من طريق أيضًا
[ ٢٦٥ ]
فيه لين".
فوصف السند الثاني بأن فيه لينًا، لا السند الأول.
وعلى فرض التسليم للمؤلف بأنه وصف السند الأول بأن فيه لينًا، فلا بد من تفسير اللين هنا بما وقع في عبارته: "حديثه غير محفوظ".
وهذا يلاحظه من يدمن النظر في كتاب العقيلي، أنه قد يصف الأسانيد باللين، لا يريد به الضعف المحتمل كما يوهم المؤلف، وإنما يريد به التعبير عن الضعف الشديد، فيستخدم لذلك عبارة لطيفة كما كان يفعل البخاري - ﵀ -، فإنه إذا كان الراوي متروكًا يقول فيه: "سكتوا عنه"، وإذا كان متهمًا قال فيه.: "فيه نظر".
ومن ثم فلابد من تفسير آخر كلام العقيلي بأوله، لا بتدليس النقل، والإيهام بأن له قولين في الحديث.
ثم عجب المؤلف من حكم الحافظ الذهبي على الحديث بالوضع ليس في محله، وقوله: (لا يوجد في الإسناد أو المتن ما يساعده على دعواه) فغير صحيح، فأين نكارة المتن الظاهرة، وأين راويه المجهول.
فهذا الحديث قد خالف قول النبي - ﷺ -:
"قاتل الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
أخرجه الشيخان (١/ ٨٧، ١/ ٣٧٦) من حديث عائشة.
[ ٢٦٦ ]
وخالف قوله - ﷺ -:
"لا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم".
أخرجه أبو داود (٢٠٤٢) بسند حسن من حديث أبي هريرة.
وليس من حد الموضوع أن يكون رواته أو أحد رواته من الكذابين أو الوضاعين فقط، فإذا خلا عن ذلك لم يكن موضوعًا، بل من حده أيضًا أن يكون مخالفًا للأصول الشرعية العامة، أو أن يكون في متنه نكارة ظاهرة.
وهذه الأخيرة من أهم ما يعتمد عليه المحققون في معرفة الموضوع.
قال الإمام ابن الصلاح في "علوم الحديث" (ص: ٩٩):
"وإنما يُعرف كون الحديث موضوعًا بإقرار واضعه، أو ما يتنزل منزلة إقراره، وقد يفهمون الوضع من قرينة حال الراوي أو المروي، فقد وضعت أحاديث طويلة يشهد بوضعها ركاكة ألفاظها ومعانيها".
وقال الإمام ابن دقيق العيد في "الاقتراح" (ص: ٢٣١):
"الموضوع من الحديث: أي المختلق، وأهل الحديث كثيرًا ما يحكمون بذلك باعتبار أمور ترجع إِلى المروي وألفاظ الحديث.
وحاصله يرجع إلى أنه حصلت لهم لكثرة محاولة ألفاظ الرسول - ﷺ - هبة نفسانية وملكة يعرفون بها ما يجوز أن يكون من ألفاظ النبي
[ ٢٦٧ ]
- ﷺ - وما لا يجوز أن يكون من ألفاظه، كما سئل بعضهم: كيف تعرف أن الشيخ كذاب؟ فقال: إذا روى لا تأكلوا القرعة حتى تذبحوها علمت أنه كذاب".
قلت: فهذا الكلام دال على أن المتن قد يكون دليلًا لوصف الراوي بالكذب، وأنه لا يشترط في الوضوع أن يكون راويه معروفًا بالكذب، بل ربما كان مجهولًا لا يُعرف، فيكذب بروايته المنكر من الحديث.
وقال الحافظ ابن حجر - ﵀ - في "النكت" (٢/ ٨٤٣):
تعليقًا على قول ابن الصلاح المتقدم:
"وقد يفهمون الوضع من قرينة حال الراوي أو الروي".
"قلت: هذا الثاني هو الغالب، وأما الأول فنادر".
فدل كلامه على أن الطريقة التي اعتمدها الحافظ الذهبي هي الطريقة الصحيحة التي يتبعها الحفاظ في غالب الأحيان في الحكم على الحديث بالوضع.
وقال الحافظ:
"ومن جملة القرائن الدالة على الوضع: الإفراط بالوعيد الشديد على الأمر اليسير، أو بالوعد العظيم على الفعل اليسير، وهذا كثير موجود في حديث القصاص والطرقية".
قلت: بل الغماري شيخ المؤلف قد تعقب ابن حجر في توقفه
[ ٢٦٨ ]
في وصف حديث بالوضع مع نكارة متنه، فقال في تعليقه على "تنزيه الشريعة" (١/ ١٩٣):
"لا معنى للتوقف في الوضع، فإن نكارته توجب ذلك، وقد نص الحفاظ منهم الحافظ نفسه أن الحديث إِذا كان منكرًا في المعنى كان موضوعًا، ولو كان إِسناده على شرط الصحيح".
وأما محمد بن يحيى المأربي، فهو ابن قيس، له ترجمة في "التهذيب"، وقد أورده ابن حبان في "الثقات"، وقال الدارقطني: "ثقة"، وأما ابن حزم فقال: "مجهول"، وفيه نظر، وجرحه ابن عدي في "الكامل" (٦/ ٢٢٣٨) جرحًا مفسرًا، فقال: "منكر الحديث"، ثم أورد له ثلاثة أحاديث، وقال:
"وإنما ذكرت محمد بن قيس لأن أحاديثه مظلمة منكرة".
وبمجموع هذه الأقوال حكم عليه الحافظ في "التقريب" بأنه لين الحديث، وهو حكم فيه تساهل، والله أعلم.
وقد حاول المؤلف الدفاع عن يحيى المأربي فقال (ص: ٣٢١):
(هذا سرف من ابن عدي رحمه الله تعالى، وقد ذكر له حديثين في ترجمته:
أولهما: في مدح وذم بعض المدن، والحمل فيه على من رواه عنه، وهو خطاب بن عمر الهمداني، وقد قال الذهبي في ترجمته من "الميزان": مجهول، وخبره في فضل البلدان كذب.
[ ٢٦٩ ]
وأصاب العقيلي بذكره هذا الحديث الموضوع في ترجمة خطاب ابن عمر الهمداني ٢/ ٢٥).
قلت: قد حرَّف المؤلف عبارة الذهبي في "الميزان"، فإنما هي: "خطاب بن عمر، عن محمد بن يحيى المأربي، مجهول، له خبر كذب في فضل البلدان".
ولعل القارئ الكريم يتلمح السبب في تحريف عبارة الذهبي، فإن العبارة المحرفة تفيد أن خطاب هو المتهم بهذا الحديث عنده، لا غيره، بخلاف العبارة الثابتة عنه، فإنها تفيد أن الخبر الذي رواه وإن كان كذبًا، إلا أنه ليس بالضرورة أن يكون هو المتهم به.
وبالفعل فإن الحافظ الذهبي قد تردد بين خطاب وشيخه في الحمل على أحدهما في هذا الحديث، فأورد هذا الحديث الوضوع في ترجمة محمد بن يحيى بن قيس من "الميزان" (٤/ ٦٢)، وقال: "هذا باطل، فما أدري من افتراه: خطاب أو شيخه".
وأما كون العقيلي قد ذكر هذا الحديث ضمن مناكير خطاب بن عمر فهذا لا يقتضي أن يكون هو المتهم به.
وأما الحديث الثاني، فقال المؤلف (ص: ٣٢١):
(والحديث الآخر الذي ذكره ابن عدي في ترجمة محمد بن يحيى المأربي حديث في الاستقطاع أخرجه أصحاب السنن وغيرهم، وصححه ابن حبان (١٠/ ٣٥١)، والخطب فيه سهل، لا يستحق معه
[ ٢٧٠ ]
أن يُقال في حق الرجل: أحاديثه مظلمة منكرة، وأين هي الأحاديث الكثيرة التي تستحق هذا الوصف؟ ! !).
قلت: هذا الحديث وإن كان ابن حبان قد صححه، فإن الترمذي قد حكم عليه بالغرابة، فقال عقب إخراج هذا الحديث (١٣٨٠): "حديث أبيض حديث غريب".
والغرابة هنا بمعنى النكارة.
فقد تفرد به محمد بن يحيى بن قيس، عن أبيه، عن ثمامة بن شراحيل، عن سمي بن قيس، عن شمير، عن أبيض بن حمال.
وقد خولف في سنده كما في "تحفة الأشراف" (١/ ٧ - ٨):
فأخرجه النسائي فيِ "الكبرى" (٣/ ٤٠٥) من طريق:
بقية بن الوليد، عن ابن المبارك.
ومن طريق: سفيان.
كلاهما عن معمر، عن يحيى بن قيس، عن أبيض بن حمال به.
ورواه عبد السلام بن عتيق، عن محمد بن المبارك، عن إسماعيل بن عياش، وسفيان بن عيينة، كلاهما عن عمرو بن يحيى بن قيس المأربي، عن أبيه، عن أبيض بن حمال به.
قلت: إلا أن عمرو، بن يحيى بن قيس هذا لم أجد من ترجمه، ولكن روى عنه راويان، فهو مجهول الحال، وفي رواية ابن المبارك المتقدمة ومتابعة سفيان ما يكفي لإعلال رواية محمد بن يحيى بن
[ ٢٧١ ]
قيس ومن ثم الحكم عليها بالنكارة.
فإن قيل: ولكنها من رواية بقية بن الوليد عنه.
فالجواب: أنه قد توبع عليها.
فقد أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" كما في "النكت الظراف" لابن حجر (١/ ٨) عن ابن المبارك بسنده إلا أنه زاد فيه رجلًا مبهمًا بين يحيى بن قيس، وبين أبيض بن حمال.
فهذا كاف لتثبيت قول ابن عدي فيه، إلا أن قول المؤلف:
(وأين هي الأحاديث الكثيرة التي تستحق هذا الوصف).
يوهم القارئ أن ابن عدي إنما بنى تضعيفه للراوي على هذين الحديثين فقط، وليس كذلك، بل قد وقع له غيرهما، مما حكم بها عليه بأنه منكر الحديث، وهذا ظاهر من قوله في آخر ترجمته:
"وبهذا الإِسناد غير هذين، وإنما ذكرت محمد بن قيس لأن أحاديثه مظلمة منكرة".
وعجبي لا ينقضي من المؤلف في تناقضه في الاحتجاج بأقوال العلماء، فتارة يجعل الذهبي مقدمًا على غيره، وتارة أخرى يصفه بأنه صاحب دعوى لا برهان لها، وتارة يعتمد قول ابن عدي ويعض عليه بالنواجذ لأنه دليله الوحيد على توثيق الراوي، وتارة أخرى يصفه بأنه صاحب سرف، وتارة يحتج بكلام ابن حجر، وتارة أخرى يوهمه، ويصفه بأنه أخطأ في نقل كلام العلماء واستبق بقلمه،
[ ٢٧٢ ]
فلله الأمر من قبل ومن بعد! !
وأما ما نقله من قول الذهبي في "الكاشف" في محمد بن يحيى بن قيس: "وُثِّق".
فهذا توثيق ممرض، وفيه نوع ضعف، كأنه لا يعتد بمثل هذا التوثيق، وهذا بيِّن من حمله عليه في حديث فضل المدن.
والظاهر عندي أنه قد مرض القول بتوثيقه لأنه قد انفرد به الدارقطني، ومثله ابن حبان، وفيهما تساهل، بل الثاني مشهور بالتساهل، هذا بالإضافة إلى روايته المناكير، ولكلام ابن عدي فيه.
ومما يؤيد ذلك أن الدارقطني لما سئل عن محمد بن يحيى بن قيس المأربي، قال: "ثقة وأبوه كذلك".
فاعتمد الذهبي هذا القول في يحيى بن قيس والد محمد، ووصفه في "الكاشف": بـ "صدوق"، ومثل هذا الوصف عند الذهبي حديثه من قبيل الحسن.
إلا أنه أتى في ترجمة يحيى من "الميزان" (٤/ ٤٠٢)، وقال:
"يحيى بن قيس المأربي، أعرابي، له من حديث ولده محمد عنه، عن ثمامة بن شراحيل، وفيه جهالة، عن سمي بن قيس ، فهذا إسناد لا تنهض به الحجة، وقال فيه الترمذي: غريب".
فدل صنيعه في "الكاشف"، ووصفه السند بأنه لا تقوم به الحجة في "الميزان"، وتمريض القول بتوثيق محمد المأربي، أن محمد
[ ٢٧٣ ]
ابن يحيى المأربي عنده ليس بحجة.
وأما قول المؤلف (ص: ٣٢٢):
(وخلاصة ما قيل في محمد بن يحيى المأربي هو قول الحافظ في التقريب ص: ٥١٣: لين الحديث ا. هـ. والترمذي يحسِّن لمن قيل فيه مثل ذلك).
فمنتقض بأن الترمذي قد وصف حديثه بالغرابة، أي بمعنى النكارة، وقد بيَّنا وجه النكارة فيه، ثم إن الترمذي لم يصح عنه أنه قد حسَّن له.
وبذلك يتبين للقارئ الكرريم أن هذا الحديث موضوع، وأن رواته المتكلم فيهم لا تقوم بهم حجة لا على الانفراد، ولا بالمتابعة، ومن ثم يظهر للقارئ وهاء قول المؤلف (ص: ٣٢٣):
(هذا الإسناد ضعيف فقط بسبب فضالة بن سعيد بن زميل المأربي فقط، ويمكن أن ينجبر بغيره، بل يمكن أن يكون مُشْبَهٌ بالحسن على رأي جماعة من الحفاظ).
[ ٢٧٤ ]