وهو ما أخرجه البزار (كشف الأستار: ٨٤٥):
حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، عن سفيان، عن عبد الله بن السائب، عن زاذان، عن عبد الله، عن النبي - ﷺ -، قال:
"إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام".
قال: وقال رسول الله - ﷺ -:
"حياتي خير لكم، تُحدثون، ويحدث لكم، ووفاتي خير لكم، يُعرض عليَّ أعمالكم، فما رأيت من خير حمدت الله عليه، وما رأيت من شر استغفرت الله لكم".
قال البزار:
"لا نعلمه يُروى عن عبد الله إلا بهذا الإسناد".
قلت: قد أورد المؤلف هذا الحديث في كتابه، مدافعًا عن صحته، وابتدأ كلامه عليه ببتر الجزء الأول من الحديث، وهو قوله - ﷺ -: "إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام".
وذلك ليروج على القراء الكرام بأن هذا حديث مستقل بذاته، ومن ثم فلا يجوز إعلاله بالمخالفة.
[ ١٣٥ ]
فهذا الحديث قد أخرجه النسائي في "اليوم والليل" (٦٦) من طريق: عبد الله بن المبارك، عن الثوري، بسنده بالشطر الأول فقط دون الشطر الثاني من الحديث، الذي هو محل الشاهد عند المؤلف.
وتابع ابن المبارك وكيع وعبد الرزاق ومعاذ بن معاذ عند النسائي في "المجتبى" (٣/ ٤٣) باللفظ الناقص.
وتابعهم أبو إسحاق الفزاري عنده في "الكبرى" كما في "التحفة" (٧/ ٢١).
وهؤلاء من الحفاظ الأثبات الثقات، ومن كبار أصحاب الثوري، وقد خالفهم عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، وهو وإن كان ثقة إلا أنه قد روى بعض الأحاديث التي غلط فيها، وخالف الثقات، منها الحديث الفرد المعروف الصحيح: "إنما الأعمال بالنيات .. ".
وهو لا يُقارن بهؤلاء في الحفظ والتثبت والتقدم في الثوري، فهذا يدل دلالة قوية على شذوذ هذا الحرف.
إلا أن المؤلف قد ساغ له اعتبار أن هذا المتن حديث آخر، لا زيادة من زيادات الحديث، والجواب عن ذلك:
بأن عبد المجيد وسائر أصحاب الثوري لا يروون عنه صحيفة، فيقال: إن بعضهم قد روى هذا الحديث، ولم يرو الآخر، ورواهما عبد المجيد معًا، كما هو الحال مثلًا في صحيفة همام بن منبه عن أبي هريرة، وإنما هذا الحديث مما تلقوه عنه سماعًا، وهمم
[ ١٣٦ ]
الأصحاب متوافرة على رواية حديث الشيخ، ولا يظن بأن عبد المجيد بن أبي رواد تعلو همته فيروي هذا الحديث بهذا اللفظ الزائد، وتفتر همم أصحاب الثوري في روايته.
وحتى على تسليم الأمر للمؤلف بأن هذه الزيادة حديث مستقل، فهو أيضًا معلول بتفرد عبد المجيد به دون باقي أصحاب الثوري، وقد تقدَّم النقل عن الإمام مسلم - ﵀ - ما يدل على هذه القاعدة.
وكذلك فالحديث من هذا الوجه بهذه الزيادة قد تفرد بها البزار - ﵀ -، وهو وإن كان من الحفاظ العارفين بالعلل والرجال، إلا أنه متكلم في حفظه وضبطه بما لا يجوز رده، وقد حدَّث بالسند بمصر من حفظه فأخطأ في أحاديث كثيرة.
قال أبو أحمد الحاكم: "يخطئ في الإسناد والمتن"، وقال الدارقطني: "يخطئ في الإسناد والمتن، حدَّث بالسند بمصر حفظًا، ينظر في كتب الناس، ويحدِّث من حفظه، ولم يكن معه كتب، فأخطأ في أحاديث كثيرة، جرحه النسائي، وهو ثقة يخطى كثيرًا".
وللحديث شواهد ثلاثة ذكرها المؤلف، وهي:
الأول: مرسل بكر بن عبد الله المزني.
أخرجه إسماعيل القاضي في "فضل الصلاة على النبي - ﷺ -" (ص: ٣٨ و٣٩) بسند صحيح.
[ ١٣٧ ]
الثاني: عن أنس بن مالك - ﵁ -:
أخرجه المخلص في "الفوائد" بسند ساقط عن مالك بن دينار، عنه له.
وأخرجه ابن عدي في "الكامل" (٣/ ٩٤٥) من وجه آخر من طريق: أبي سعيد العدوي، عن خراش بن عبد الله، عن أنس به.
وقد أغفل المؤلف الكلام على علة ضعف هذا السند، وهو وهاء خراش هذا، قال الذهبي:
"ساقط عدم، ما أتى به غير أبي سعيد العدوي الكذاب".
الثالث: عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين، بنحوه.
وقد عزاه المؤلف إلى أبي جعفر الطوسي في أماليه تبعًا لشيخه أحمد بن الصديق الغماري في "الاكتفاء في تخريج أحاديث الشفاء"، وأعله بوهاء أحد رواته.
فمما سبق يتبين أن الحديث لا يصح من أي وجه من الوجوه، كما لا يصح تقوية طرقه بعضها ببعض، وإن كان مرسل بكر المزني صحيحًا لأن باقي الطرق ما بين ساقطة، أو ملفقة، أو شاذة.
إلا أن المؤلف قد خالف القواعد الحديثية، وأبعد القول بإلزام الشيخ الألباني - حفظه الله - بتقوية مرسل بكر المزني بحديث ابن مسعود - ﵁ - فقال (ص: ١٦٨):
(قد تقرر أن الحديث المرسل يتقوى بأمور، منها إذا ورد هذا
[ ١٣٨ ]
المرسل من طريق آخر موصول ضعيف تقوى المرسل به، وصار من باب الحسن لغيره، وبه تقوم الحجة، ويلزم العمل به، وإذا كان الموصول الذي فيه عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد من قسم الضعيف كما ارتآه الألباني - دفعًا بالمصدر! - فإن المرسل الصحيح إذا ضُمَّ إليه صار من قسم الحسن المقبول الذي يجب العمل به اتفاقًا.
ولم أجد مبررًا عند الألباني يبعده عن اتباع القواعد الحديثية هنا إلا التعنت، واتباع الهوى في رد مثل هذه الأحاديث).
قلت: هذه مغالطة بيِّنة أراد بها المؤلف النيل من العلَّامة الألباني - حفظه الله -، فإن خبر ابن مسعود من رواية عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد ضعفه غير محتمل، بل ضعفه شديد، لأنه شاذ، ومن شروط التقوية التي وضعها الترمذي وتبعه عليها أكثر أهل العلم أن لا يكون الحديث شاذًا ولا معللًا.
ومن ثم فهذا يُظهر دقة نظر الألباني - حفظه الله - في عدم تقوية المرسل بخبر ابن أبي رواد من رواية ابن مسعود، والله أعلم.
هذا من جهة.
ومن جهة أخرى؛ فليس ثمة دلالة من هذا الحديث على جواز التوسل بجاه النبي - ﷺ -، وإنما غايته إثبات فضل حياته - ﷺ -، وفضل مماته على المسلمين.
[ ١٣٩ ]