أخرجه العقيلي في "الضعفاء" (٤/ ١٣٧)، والبيهقي في "حياة الأنبياء" (١٩)، وفي "الشعب" (٢/ ٢١٨)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (٣/ ٢٩١)، وابن الجوزي في "الموضوعات" (٥٦٢) من طريق: محمد بن مروان السُّدي، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -:
"من صلَّى عليّ عند قبري سمعته، ومن صلَّى عليّ نائيًا أُبلغته".
قال العقيلي:
"لا أصل له من حديث الأعمش، وليس بمحفوظ، ولا يتابعه إلا من هو دونه".
وروى الخطيب بسنده إلى عبد الله بن قتيبة، قال: سألت ابن نمير عن هذا الحديث؟ فقال:
"دع ذا محمد بن مروان ليس بشيء".
وقال ابن الجوزي:
"لا يصح، محمد بن مروان هو السُّدي الصغير، كذاب".
قلت: كذبه جرير بن حازم، وروى الخطيب بسنده إلى صالح
[ ٣١١ ]
ابن محمد الحافظ أنه قال: كان ضعيفًا، وكان يضع الحديث أيضًا.
وأما المؤلف فقد هوَّن من ضعف السُّدي هذا، فقال (ص: ٣٥٣): (محمد بن مروان السدي متروك الحديث، وكُذِّب).
وهذا مشعر أن الرجل وان كان ضعيف الحال جدًّا إلا أنه لا يتهم بوضع، لا سيما وقد مرَّض المؤلف تكذيبه بقوله: (كُذِّب)، وهي صيغة تدل على ضعف القول، ومن ثم التشكيك في هذا التكذيب، مع أن تكذيبه قد ورد عن إمام حافظ كبير، وكذلك فقد غضَّ الطرف عن نسبته إلى الوضع، وقد ورد هذا عن إمام آخر مقدَّم في الرجال والحديث، وهو صالح بن محمد - ﵀ -.
وقد توبع السُّدي هذا على هذه الرواية.
فقد أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "الثواب" كما في "اللآلئ" (١/ ٢٨٣):
حدثنا عبد الرحمن بن أحمد الأعرج، حدثنا الحسن بن الصباح، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة به مرفوعًا.
قلت: عبد الرحمن بن أحمد الأعرج هذا هو ابن أبي يحيى الزهري، ترجمه أبو الشيخ في "طبقات المحدثين بأصبهان" (٤/ ٢٢٧)، ولم يورد فيه جرحًا، ولا تعديلًا، وتابعه على ذلك الحافظ الذهبي في "تاريخ الإسلام" وفيات سنة (٣٠٠) هـ.
[ ٣١٢ ]
ومثله لا يَحتمل منه مثل هذا الحديث على ما فيه من نكارة المتن ونظافة السند، وليس له متابع عليه يعضده، أو ينفي النكارة عنه.
وأما المؤلف، فقال (ص: ٣٥١):
(قال الحافظ السخاوي في القول البديع: وسنده جيد كما أفاده شيخنا، أي الحافظ ابن حجر.
وقد أصاب الحافظ في حكمه، فإسناد الحديث رجاله رجال الصحيح ما خلا شيخ أبي الشيخ فغاية ما في الرجل إنه مستور، وهو على شرط ابن حبان، لكن لم أجده في ثقاته.
ومثل هذا الصنف من الرواة يقبل الجمهور حديثه ما لم يخالف كما صرح الذهبي بذلك في ترجمة مالك بن الخير الزيادي.
وقال الذهبي في ترجمة زياد بن مليك: شيخ مستور، ما وُثق ولا ضُعِّف، فهو جائز الحديث.
وقال في ترجمة الربيع بن زياد الهمداني: ما رأيت فيه تضعيفًا، فهو جائز الحديث
الحاصل أن رواية من كان هذا شأنه مقبولة، ما لم يخالف، أو يأت بمتن منكر، ولا تجد هنا مخالفة، ومتن الحديث ليس فيه نكارة).
قلت: أما قول المؤلف: "ومثل هذا الصنف من الرواة يقبل الجمهور حديثه ما لم يخالف"، فغير مقبول، لأنه معكوس مغلوط.
[ ٣١٣ ]
وقد بين الحافظ ابن حجر ما وقع في هذه المسألة من الخلاف، والراجح فيها، فقال في "نزهة النظر" (ص: ٤٦):
"مجهول الحال، وهو المستور، وقد قبل روايته جماعة بغير قيد، وردها الجمهور.
والتحقيق: أن رواية المستور ونحوه مما فيه الاحتمال لا يطلق القول بردها ولا بقبولها، بل هي موقوفة إلى استبانة حاله كما جزم به إمام الحرمين".
قلت: وهذا هو الراجح، ويؤيده صنيع الشيخين، فإنهما أخرجا حديث بعض هذا النوع من الرواة، وهذا محمول على أنهما قد تخيرا من حديثهم ما وافقهم فيه الثقات، لا أنهما يذهبان إلى قبول حديث هذا النوع بغير قيد.
وأما ما استدل به المؤلف من صنيع الذهبي، فلا يلزم منه أن يُجعل قاعدة، لا سيما وقد خالف بهذه الجزئية مذهب الجمهور، فإن قيل: هو مذهب الذهبي، فقريب.
ولكن كان يلزم المؤلف كما استدل بمذهب الذهبي في هذه المسألة أن يلتزم بباقي مذهبه، وهو مذهب الجمهور فيما تفرد به الراوي.
قال الذهبي - ﵀ - في "الموقظة" (ص: ٧٧ - ٧٨):
"فإن كان المنفرد من طبقة مشيخة الأئمة، أطلقوا النكارة على ما
[ ٣١٤ ]
انفرد به مثل عثمان بن أبي شيبة، وأبي سلمة التبوذكي، وقالوا: هذا منكر.
فإن روى أحاديث من الأفراد المنكرة، غمزوه وليَّنوا حديثه، وتوقفوا في توثيقه".
قلت: فهذا حكم أهل العلم فيما تفرد به الثقات من طبقة مشيخة الأئمة، فكيف بتفرد من لم يُجرح ولم يوثق، وكان أنزل من مشيخة الأئمة في الرواية؟ ! .
ولو قال قائل - فيما تقدَّم ذكره عن الذهبي -: إن هذا الحكم فيما لو توبع الراوي من الثقات لكان قريبًا.
وأما هذه الرواية فكما ترى قد تفرد بها هذا المستور، ولم يتابع عليها، والسند فيه نكارة من جهة تفرد هذا المستور بهذا السند المروي عن أئمة حفاظ.
وقول العقيلي الذي نقلناه يدل على أن الحديث لا يُحفظ أصلًا من حديث الأعمش، ليس من طريق السدي فقط، بل وغير السدي، ويدل على ذلك أنه قال:
"لا أصل له من حديث الأعمش، ، ولا يتابعه -[أي السدي]- إلا من هو دونه".
وأما قول المؤلف في أخر كلامه المتقدِّم:
"الحاصل أن رواية من كان هذا شأنه مقبولة، ما لم يخالف، أو
[ ٣١٥ ]
يأت بمتن منكر، ولا تجد هنا مخالفة".
فيه نظر، فالتفرد في نفسه نوع مخالفة، من جهة أن هذا الراوي قد تفرد برواية ما لا يُحتمل منه، ولم يتابعه أحد ممن يجوز الاعتبار بهم أو الاحتجاج بحديثهم.
ومن ثمَّ فإن هذا الحديث منكر من هذا الطريق الثاني، وإن تساهلنا تساهل المؤلف! ! فغايته أن يكون ضعيفًا جريًا على قول الجمهور في رد رواية المستور، وليس ثمة ما يؤيده.
هذا من جهة الصناعة الحديثية.
وأما من جهة الاستدلال فليس فيه ما يدل على جواز شد الرحال للزيارة، وإنما فيه فضل الصلاة عليه - ﷺ - عند قبره، ولم يمنع أحد الزيارة للقبر النبوي الشريف، وإنما منع شيخ الإسلام ومن تقدَّمه من العلماء شد الرحل لأجل الزيارة، لا ذات الزيارة للمقيم في المدينة، أو للقادم إليها في تجارة أو طلب أو منفعة دنيوية أو لالتماس الأجر بشد الرحل إلى المسجد النبوي الشريف، فهذا الحديث محمول على فضل ذلك لمثل هؤلاء.
ومن ثم فالاحتجاج بهذا الحديث ساقط جملة وتفصيلًا.
[ ٣١٦ ]