وهو ما أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٢٤/ ٣٥٢) قال:
حدثنا أحمد بن حماد بن زغبة، حدثنا روح بن صلاح، حدثنا سفيان الثوري، عن عاصم الأحول، عن أنس بن مالك، قال: لما ماتت فاطمة بنت أسد بن هاشم أم علي بن أبي طالب، دخل عليها رسول الله - ﷺ -، فجلس عند رأسها، فقال:
"رحمك الله يا أمي، كنت أمي بعد أمي، وتشبعيني، وتعرين وتكسيني، وتمنعين نفسك طيبًا وتطعميني، تريدين بذلك وجه الله والدار الآخرة".
ثم أمر أن تغسل ثلاثًا، فلما بلغ الماء الذي فيه الكافور، سكبه رسول الله - ﷺ - بيده، ثم خلع رسول الله - ﷺ - قميصه، فألبسها إياه، وكفنها ببرد فوقه، ثم دعا رسول الله - ﷺ - أسامة بن زيد، وأبا أيوب الأنصاري، وعمر بن الخطاب، وغلامًا أسود يحفرون، فحفروا قبرها، فلما بلغوا اللحد حفره رسول الله - ﷺ - بيده، وأخرج ترابه بيده، فلما فرغ دخل رسول الله - ﷺ - فاضطجع فيه، ثم قال:
"الله الذي يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، اغفر لأمي فاطمة بنت أسد، ولقنها حجتها، ووسع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء
[ ١٢٦ ]
الذين من قبلي، فإنك أرحم الراحمين".
وكبَّر عليها أربعًا، وأدخلوها اللحد، هو والعباس، وأبو بكر الصديق ﵃.
ومن طريقه أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٣/ ١٢١)، وقال:
"غريب من حديث عاصم والثوري لم نكتبه إلا من حديث روح بن صلاح، تفرد به".
ومن طريق أبي نعيم أخرجه ابن الجوزي في "العلل التناهية" (١/ ٢٦٩).
قال المؤلف (ص: ١٤٨):
(وهو حديث حسن).
قلت: هذا الحكم فيه مجازفة كبيرة، فقد تفرد روح بن صلاح بهذا الحديث عن سفيان الثوري، ولم يشاركه أحد من أصحاب سفيان الثقات الحفاظ فيه، وعلى التسليم للمؤلف أن روح هذا صدوق حسن الحديث فلا يُقبل منه مثل هذا التفرد عن الثوري، بل عد مسلم مثل هذا التفرد منكرًا، فقال في مقدمة "الصحيح" (١/ ٧):
"فأما من تراه يعمد لمثل الزهري في جلالته وكثرة أصحابه الحفاظ المتقنين لحديثه، وحديث غيره، أو لمثل هشام بن عروة، وحديثهما عند أهل العلم مبسوط مشترك، قد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على الاتفاق منهم في أكثره، فيروي عنهما أو عن أحدهما
[ ١٢٧ ]
العدد من الحديث، مما لا يعرفه أحد من أصحابهما، وليس ممن قد شاركهم في الصحيح مما عندهم، فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس".
فهذا على فرض التسليم للمؤلف بان روح هذا صدوق، وأما على التحقيق، فهو ضعيف الحديث، لا يقوم بما تفرد به حجة، لا سيما إن كان فيه مثل هذه النكارة اللائحة على السند والمتن.
وروح هذا ضعفه ابن عدي في "الكامل" (٣/ ١٠٠٥) وأورد له حديثين منكرين، وقال: "في بعض حديثه نكرة".
وقال الدارقطني: "ضعيف في الحديث"، وقال ابن ماكولا: "ضعفوه"، وقال ابن يونس: "رويت عنه مناكير".
وأما ابن حبان فأورده في الثقات جريًا على قاعدته، وقال الحاكم: "ثقة مأمون".
وقد تمسك المؤلف بقول الحاكم، وبذكر ابن حبان له في "الثقات"، وبرواية يعقوب بن سفيان الفسوي عنه استدلالًا على ثقته وضبطه، بل اعتبر ما ورد فيه من جرح مبهمًا، ولا يعتد بالجرح المبهم إذا خالفه التوثيق.
وهذه مغالطات مجتمعة، وتدليسات مجموعة لا تنطلي على من اشتغل بعلم الحديث الشريف.
بل أقول: إن طريقته هذه في تقوية المناكير ليس فيها شيء من
[ ١٢٨ ]
النزاهة التي يجب على طالب العلم - فضلًا عن طالب الحديث - أن يتحلى بها، والإنصاف من أهم ما يجب على طالب الحديث أن يترسمه في خطاه في التصحيح والتضعيف، فإن الأمر صعب، ويُخشى على مثل هذا أن يندرج تحت قول النبي - ﷺ -:
"من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار".
فمن هذه المغالطات:
اعتداده بذكر ابن حبان له في الثقات، وابن حبان من المشهورين بالتساهل، إلا أن يرد في عبارته ما يدل على أنه قد سبر حال الراوي، وهذا منتف في ترجمته لروح بن صلاح، فقد قال في "الثقات" (٨/ ٢٤٤):
"روح بن صلاح: من أهل مصر، يروي عن: يحيى بن أيوب، وأهل بلده، روى عنه محمد بن إبراهيم البوشنجي، وأهل مصر".
فهذا لا يدل بحال على أنه قد سبر حاله، بل في هذه الترجمة ما يدل على أن حديثه هذا من جملة مناكيره، وهو أنه قد روى عن أهل مصر، وروى عنه أهل مصر، وهذا الحديث إنما يرويه عن الثوري، وفي هذا غرابة ظاهرة، وقد أشار إلى ذلك أبو نعيم في "الحلية" كما تقدَّم.
وأما الحاكم فهو أشد تساهلًا من ابن حبان.
[ ١٢٩ ]
وقد نقل السيوطي في "التدريب" (١/ ١٠٨) عن الحافظ الراقي قوله: "الحاكم أشد تساهلًا منه".
وقد عقد الحافظ ابن حجر - ﵀ - فصلًا في مقدمة "اللسان" (١/ ٢٥) في بيان تساهل ابن حبان في مذهبه في التعديل، وأن ذلك قائم عنده بمجرد ارتفاع جهالة العين، وقال الحافظ:
"والجمهور على خلافه، وهذا هو مساك ابن حبان في كتاب الثقات الذي ألفه".
إلا أن المؤلف قد حاول جاهدًا على إعمال توثيق ابن حبان ومثله توثيق الحاكم، فقال (ص: ١٥١):
(فتوثيق ابن حبان على قسمين نص عليهما في مقدمة ثقاته:
فالأول: من اختلف فيه علماء الجرح والتعديل، فإذا ثبت عنده أنه ثقة أدخله في ثقاته، وإلا فأودعه كتابه الآخر.
الثاني: من لم يُعرف بجرح ولا تعديل، وكان كل من شيخه، والراوي عنه ثقة، ولم يأت بحديث منكر، فهو ثقة عنده، ولم ينفرد ابن حبان بذلك المذهب، ولكن هذا النوع من الرواة عند الجمهور يكون مجهول الحال.
وأما نسبة التساهل إليه فبالنظر للنوع الثاني فقط، فإهدار توثيق ابن حبان مطلقًا خطأ، ولا تصح نسبة التساهل إليه مطلقًا
إذا علم ذلك، فإن رد توثيق ابن حبان لروح بن صلاح بدعوى
[ ١٣٠ ]
تساهله فيه نظر، فروح بن صلاح روى عنه يعقوب بن سفيان الحافظ، ومحمد بن إبراهيم البوشنجي الفقيه الحافظ، وأحمد بن حماد بن زغبة صاحب النسائي الثقة، وأحمد بن رشدين، وابنه عبد الرحمن، وعيسى بن صالح المؤذن، وفيه جرح وتعديل، وبعضهم سبق ابن حبان في الكلام عليه، كابن يونس).
قلت: وهذا الكلام المذكور منتقض في حق روح بن صلاح، فكون أن ابن يونس أو ابن عدي قد تقدَّما ابن حبان بجرحه، فليس بالضرورة أنه قد وقف على جرحهما له، ولم يرد ما يدل على ذلك ألبتة، ولو صح أنه قد وقف على جرحهما له، فلا يمنع هذا أن جرحهما مقدَّم على توثيقه، ولا يدفع عنه الوصف بالتساهل في التعديل، وجَعْلُ ما تقدَّم نقله عن المؤلف قاعدة مطردة فيه نظر كبير.
وأما توثيق الحاكم، فقال المؤلف (ص: ١٥٣):
(تساهل الحاكم خاص بالحكم على الأحاديث في المستدرك أما كلامه في غير المستدرك فكغيره من الأئمة النقاد).
قلت: وهذا أيضًا منازع فيه، وهي دعوى مجردة، ويدرؤها قول الحازمي: "ابن حبان أمكن في الحديث من الحاكم".
وهذا على العموم، لا على خصوص كتابيهما في الحديث.
وبتتبع سؤالات مسعود بن علي السجزي للحاكم، والتي ورد فيها توثيق روح بن صلاح يظهر تساهل الحاكم - ﵀ -.
[ ١٣١ ]
وأنا أضرب على ذلك بعض الأمثلة:
(١) أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي، قال الحاكم (٢٠):
"كثير السماع والطلب، متقن فيه، من بيت الحديث والزهد والتصوف".
قلت: هو متكلم فيه، قال محمد بن يوسف القطان: "كان يضع الحديث للصوفية"، وقال الذهبي: "ليس بعمدة".
٢ - محمد بن ثابت البناني، قال الحاكم (٣٣):
"لا بأس به، فإنه لم يأت بحديث منكر، لكن الشيخين لم يخرجاه، وهو عزيز الحديث، أسند خمسة عشر حديثًا".
قلت: عامة أهل العلم على ضعفه، بل قال ابن معين: "ليس بشيء"، وقال أبو حاتم: "منكر الحديث، يكتب حديثه ولا يحتج به"، وقال البخاري: "فيه نظر".
٣ - عبد العزيز بن يحيى المدني، قال الحاكم (١٢٧):
"صدوق لم يُتهم في رواياته عن مالك".
وقد أنكر عليه الذهبي - ﵀ - هذا القول، فقال في "الميزان" (٢/ ٦٣٦):
"كذا قال بسلامة باطن".
قلت: قد كذبه إبراهيم بن المنذر الحزامي، وقال أبو حاتم:
[ ١٣٢ ]
"ضعيف"، وقال البخاري: "يضع الحديث".
٤ - حسين بن قيس الرحبي، قال الحاكم (١٨٧):
"بصري ثقة".
قلت: هو متفق على وهائه وسقوطه، وانظر ترجمته من "التهذيب" (٢/ ٣١٣ - ٣١٤).
وبعد؛ فهذه الأمثلة تدل ولا شك على تساهل الحاكم - ﵀ - في التوثيق، ومخالفته للجمهور في مواضع كثيرة.
وعلى فرض التسليم للمؤلف بأن ما وقع للحاكم من التساهل إنما هو في "المستدرك" وحده، فهذا لا يمنع من تأخير قوله بتوثيق روح بن صلاح، لكونه خالف الأكثر ممن جرحوه، بل هذا الحديث الذي هو قيد البحث لأدل دليل على قلة ضبط روح لا سيما وقد تفرد به عن الثوري دون باقي أصحابه، وتفرد بمتن فيه نكارة ظاهرة.
وأما احتجاج المؤلف على توثيق روح بن صلاح برواية الفسوي عنه فهذا من باب الجازفة، والحشد بغير تحقيق.
قال المؤلف (ص: ١٤٨):
(وروى عنه يعقوب بن سفيان الفسوي في المعرفة والتاريخ، فهو ثقة عنده، قال الفسوي: كتبت عن ألف شيخ وكسر كلهم ثقات).
قلت: هذا التنصيص فيه نظر، لأن الرواية في ذلك منكرة.
[ ١٣٣ ]
وقد أوردها الحافظ المزي - ﵀ - في "تهذيب الكمال" (٣٢/ ٣٢٤) من رواية:
عبد الله بن عمر بن عبد الله بن الهيثم الأصبهاني، حدثنا أبو بكر الحافظ، قال: سمعت أبا عبد الرحمن النهاوندي الحافظ يقول: سمعت يعقوب بن سفيان، يقول: كتبت عن ألف شيخ وكسر كلهم ثقات.
وقد استنكر الحافظ الذهبي هذه القصة، فقال في "السير" (١٣/ ١٨١):
"قلت: ليس في مشيخته إلا نحو من ثلاث مئة شيخ، فأين الباقي، ثم في المذكورين جماعة قد ضُعِّفوا".
قلت: الحمل فيها على عبد الله بن عمر الأصبهاني، فإنه في عداد مجهولي الحال، وقد ترجمه الذهبي في "السير" (٢٠/ ٥٧٦)، ولم يورد فيه جرحًا ولا تعديلًا، فلا يصح الاحتجاج برواية الفسوي عن روح بن صلاح على توثيقه له.
وبهذا يظهر للقارئ الكريم ما يغالط به المؤلف القراء حتى يتسنى له إثبات مذهبه في هذه المسألة.
[ ١٣٤ ]