أخرجه يحيى بن الحسن بن جعفر في "أخبار المدينة":
حدثنا محمد بن يعقوب، حدثنا عبد الله بن وهب، عن رجل، عن بكر بن عبد الله، عن النبي - ﷺ -، قال: "من أتى المدينة زائرًا لي وجبت له شفاعتي يوم القيامة، ومن مات في أحد الحرمين بُعث آمنًا".
كذا أورده المؤلف في كتابه (ص: ٣٢٧) نقلًا عن "شفاء السقام" للسبكي (ص: ٤٠)، وقال منافحًا عن سنده (ص: ٣٢٨):
(الحديث ضعيف الإسناد فقط، فمن مجانبة قواعد الحديث قول ابن عبد الهادي في الصارم ص: ٢٤٣: وهو حديث باطل لا أصل له، وخبر معضل لا يُعتمد على مثله، وهو من أضعف المراسيل وأوهى المنقطعات ا. هـ.
قلت: تزيَّد الرجل جدًّا، وبالغ، وتعنت، وتشدد كعادته، فإسناد الحديث ليس فيه إلا الرجل المبهم، وإمامه أحمد بن حنبل وغيره من أئمة الفقه والحديث يحتجون بالمرسل، ولم يذكر ابن عبد الهادي دليل مقولته لأن قواعد الحديث لا توافقه).
قلت: وهذا تساهل، فإن هذا السند شديد الضعف.
[ ٢٨٢ ]
وبكر بن عبد الله الوارد في السند كذا ورد في "شفاء السقام" مكبرًا، وورد في "الصارم المنكي" لابن عبد الهادي - ﵀ - مصغرًا: (بكير).
فأما المؤلف، فقد رجح الأول، وقال (ص: ٣٢٨):
(ووقع في الصارم المنكي ع: ٢٤٣ بكير بن عبد الله بالياء، وهو تصحيف من الناسخ، وإن لم يكن تصحيفًا - وهو بعيد - فإن عبد الله بن وهب يروي في جامعه عن بكير بن عبد الله الأشج المدني ثم المصري بواسطة واحدة، وبكير بن عبد الله الأشج من تابعي التابعين، والأرجح فيما سبق والله أعلم أن بكر بن عبد الله هو المزني التابعي الثقة، ومع الاحتمالات الثلاثة المذكورة فالحديث ضعيف الإسناد فقط).
قلت: كون ابن وهب يروي عن بكير بواسطة يقوي الظن أن المذكور في هذا السند هنا هو بكير بن عبد الله، فإنما روى عنه ابن وهب بواسطة ذلك الرجل، بل هو الأليق والأقوى، لأنه لا يعلم لابن وهب رواية عن بكر بن عبد الله المزني لا بواسطة، ولا بغير واسطة، كما يظهر لمن تتبع جامعه، وترجمته التي في "تهذيب الكمال".
والأشج هذا من طبقة بكر بن عبد الله المزني، وغالب روايتهما عن التابعين، بل المزني هذا قد تقدَّم الكلام على مرسلاته، وبيان أنها
[ ٢٨٣ ]
معضلات، فكذلك هي رواية بكير بن الأشج، والمعضل شديد الضعف كما تقدَّم، لسقوط راويين منه على التوالي.
ونكارة المتن إذا أضيف إليها الإعضال، والجهالة بالإبهام لم يكن مبالغًا في الحكم بها على الحديث بأنه باطل لا أصل له، كما فعل ابن عبد الهادي - ﵀ -.
وأما ادعاء المؤلف بأن المرسل حجة عند الإمام أحمد وأئمة الفقه والحديث، فليس بصحيح على إطلاقه.
بل المنقول عن المتقدمين من أهل العلم من المحدثين والفقهاء بخلاف ذلك.
قال الإمام مسلم - ﵀ - في مقدمة الصحيح (١/ ٣٠):
"المرسل من الروايات في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة".
وقال ابن أبي حازم الرازي ﵀ في "المراسيل" (ص: ٧):
"سمعت أبي وأبي زرعة يقولون: لا يحتج بالمراسيل، ولا تقوم الحجة إلا بالأسانيد الصحاح المتصلة".
وقال ابن الصلاح في "علوم الحديث" (ص: ٥٣):
"حكم المرسل حكم الحديث الضعيف"، وقال:
"وما ذكرناه من سقوط الاحتجاج بالمرسل، والحكم بضعفه هو المذهب الذي استقر عليه آراء جماهير حفاظ الحديث، ونقاد الأثر،
[ ٢٨٤ ]
وتداولوه في تصانيفهم".
قلت: وهذا الذي نقله ابن الصلاح عن جماهير أهل العلم سبقه إليه ابن عبد البر، فقال في "التمهيد" (١/ ٥) بعد أن نقل مذهب مالك وأبي حنيفة في الاحتجاج بالمرسل:
"وقال سائر أهل الفقه، وجماعة أصحاب الحديث في كل الأمصار فيما علمت: الانقطاع في الأثر يمنع من وجوب العمل به".
قلت: قد ذهب الإمام الشافعي - ﵀ - إلى الاحتجاج بالمرسل بشروط ذكرها في كتابه "الرسالة" (ص: ٤٦١)، إلا أنه خص ذلك بمرسل كبار التابعين، ولم يطرده في غيرهم، فهذا المرسل لا يدخل ضمن ما احتج به الشافعي.
وأما أحمد - ﵀ - فلا يصح عنه الاحتجاج بالمرسل، بل هو يقدم قول الصحابي على المرسل.
ففي "مسائل إسحاق بن إبراهيم بن هانى النيسابوري" (١٩١٤):
قلت لأبي عبد الله: حديث مرسل برجال ثبت أحب إليك، أو حديث عن الصحابة، أو عن التابعين متصل برجال ثبت؟
قاله أبو عبد الله: عن الصحابة أعجب إليَّ.
ونقل ابن رجب في "شرح العلل" (ص: ١٨١) عن أبي داود السجستاني في "رسالته إلى أهل مكة" أنه قال:
"وأما المراسيل فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى مثل سفيان
[ ٢٨٥ ]
الثوري، ومالك بن أنس، والأوزاعي، حتى جاء الشافعي فتكلم فيه، وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل وغيره".
فهذا كاف لنقض كلام المؤلف.
وثمة نكتة هنا، وهي أن مذهب مالك كما أثبته أبو داود السجستاني وابن عبد البر الاحتجاج بالمرسل، فلو كان هذا المرسل عنده صحيح السند إلى مرسله، أو أنه قد تقوم به الحجة لأجاز شد الرحل للزيارة والقصد للقبر، والمنقول عنه بخلاف ذلك.
[ ٢٨٦ ]