أخرجه الطبراني في "الكبير" (١٠/ ٢٦٧):
حدثنا إبراهيم بن نائلة الأصبهاني، حدثنا الحسن بن عمر بن شقيق، حدثنا معروف بن حسان السمرقندي، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن عبد الله بن بريدة، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله - ﷺ -:
"إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة، فليناد: يا عباد الله احبسوا عليّ، فإن لله في الأرض حاضرًا سيحبسه عليكم".
وأخرجه أبو يعلى في "المسند" (٩/ ١٧٧): حدثنا الحسن بن عمر بن شقيق به.
ومن طريقه ابن السني (٥٠٨) إلا أنه وقع فيه زيادة عن ابن بريدة، "عن أبيه"، فزاد (عن أبيه).
وأظنه من التحقيق فإن غالب النسخ المطبوعة غير مخدومة الخدمة العلمية اللائقة.
وقد هوَّن المؤلف من ضعف هذا السند، فقال (ص: ٢٢٥):
(قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ١٣٢) بعد أن عزاه لأبي يعلى والطبراني: فيه معروف بن حسان وهو ضعيف، وكذا قال
[ ١٧٧ ]
الحافظ البوصيري في مختصر إتحاف السادة المهرة ، وقال الحافظ في تخريج الأذكار (شرح ابن علان ٥/ ١٥٠) بعد أن عزاه لابن السني والطبراني: وفي السند انقطاع بين ابن بريدة وابن مسعود. ا. هـ.
ومع ذلك فللحديث طرق تقويه وترفعه من الضعف إِلى الحسن المقبول المعمول به).
قلت: هذه العبارة الأخيرة فيها مجازفة كبيرة، وتدليس عريض.
فإنه يوهم القراء الكرام بأن ضعف معروف بن حسان من قبيل الضعف المحتمل الذي يتقوى بمجيء مثله من وجه آخر، وليس كذلك، بل لا أظنه قد خفي عن المؤلف حال معروف هذا، فإنه شديد الضعف.
فقد قال فيه أبو حاتم الرازي: "مجهول"، وقال ابن عدي: "منكر الحديث"، وكلاهما من قبيل التضعيف الشديد، والمؤلف على معرفة تامة بذلك، وقد خطَّ بيده في كتابه ما يدل على ذلك، فقال (ص: ١٤٩):
(قال ابن دقيق العيد في "شرح الإلمام" كما في "نصب الراية" (١/ ١٧٩)، و"فتح المغيث" (١/ ٣٤٧): قولهم: "روى مناكير" لا تقتضي بمجرده ترك روايته حتى تكثر المناكير في روايته، وينتهي أن يُقال فيه: "منكر الحديث"، لأن منكر الحديث وصف في الرجل
[ ١٧٨ ]
يستحق به الترك لحديثه ا. هـ.).
وقال ابن عدي أيضًا: "ومعروف هذا قد روى عن عمر بن ذر نسخة طويلة وكلها غير محفوظة".
وقال الخليلي: "له في الحديث والأدب محل، وروى كتاب العين عن الخليل بن أحمد، روى عن عمر بن ذر نسخة لا يتابعه أحد".
قلت: قد تفرد بهذا الحديث من هذا الوجه، دون باقي أصحاب سعيد بن أبي عروبة، والمتن فيه نكارة ظاهرة، ويكفي ما جُرِّح به الرجل حتى يُردُّ حديثه، ولا يُقوى بالمتابعة، فتنبه.
وأما الشواهد التي ذكرها المؤلف للتقوية فهي:
١ - ما أخرجه الطبراني في "الكبير" (١٧/ ١١٧ - ١١٨):
حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، حدثنا أحمد بن يحيى الصوفي، حدثنا عبد الرحمن بن شريك - وتصحفت في المعجم إلى سهل -، حدثني أبي، عن عبد الله بن عيسى، عن زيد بن علي، عن عتبة بن غزوان، عن نبي الله - ﷺ -، قال: "إذا أضل أحدكم شيئًا، أو أراد أحدكم عونًا وهو بأرض ليس بها أنيس، فليقل: يا عباد الله أغيثوني، يا عباد الله أغيثوني، فإن لله عبادًا لا نراهم". وقد جُرِّب ذلك.
قلت: وهذا إسناد ضعيف، فقد تفرد به من هذا الوجه
[ ١٧٩ ]
عبد الرحمن بن شريك، عن أبيه، وكلاهما متكلم فيه.
وقد صحَّف المؤلف اسم زيد بن علي إلى يزيد بن علي في موضعين، مع أنه قد ورد عند الطبراني على الوجه الصحيح، والظاهر أنه فعل ذلك تعمية لأمر زيد هذا، فإن زيد هذا هو ابن علي بن الحسين، وبين ولادته وبين وفاة عتبة بن غزوان عمرًا طويلًا، فزيد بن علي ولد سنة ثمانين، ووفاة عتبة بن غزوان سنة سبع عشرة، وبينهما بون شاسع من الزمن، فالسند ليس أقل من أن يكون معضلًا، والمعضل شديد الضعف، ولا يتقوى بالمتابعة كما هو معلوم في علم الحديث.
٢ - مرسل أبان بن صالح.
وهو عند ابن أبي شيبة (١٠/ ٤٢٤):
حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، أن رسول الله - ﷺ - قال:
"إذا نفرت دابة أحدكم أو بعيره بفلاة من الأرض لا يرى بها أحدًا، فليقل: أعينوني عباد الله، فإنه سيعان".
قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات، إلا أن محمد بن إسحاق صدوق، موصوف بالتدليس وقد عنعن هذا الخبر.
وأما المؤلف فقد لمز العلَّامة الألباني - حفظه الله - فقال (ص: ٢٢٦):
[ ١٨٠ ]
(وأعله الألباني في "ضعيفته" (٢/ ١٠٩) بالإعضال وهو خطأ لأن أبان بن صالح من صغار التابعين).
قلت: هذه حجة من لا بضاعة له في هذا العلم، فقد وصف - قبل الألباني - مراسيل هذه الطبقة من العلماء بالإعضال جماعة منهم الحافظ الذهبي، فقال في "الموقظة" (ص: ٤٠):
"من أوهى المراسيل عندهم: مراسيل الحسن.
وأوهى من ذلك: مراسيل الزهري، وقتادة، وحميد الطويل من صغار التابعين، وغالب المحققين يعدون مراسيل هؤلاء معضلات ومنقطعات، فإن غالب روايات هؤلاء عن تابعي كبير، عن صحابي، فالظن بمرسله أنه أسقط من إسناده اثنين".
قلت: أبان بن صَالح روى عن الزهري، وعن الحسن، فهما من شيوخه، وقد حكم المحققون على مراسيل هذين الراويين بأنها معضلات، فكيف بمرسل من يروي عنهما؟ ! هذا من جهة.
ومن جهة أخرى فإنه لم يصح له الرواية عن أحد من الصحابة، وإنما ذكروا له حديثًا عن أنس بن مالك عند الترمذي: "الدعاء مخ العبادة"، وهو حديث ضعيف، روي من طريق ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن أبان به، ووصفه الترمذي بالغرابة، فقال: "غريب من هذا الوجه، لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة".
وقد رواه عن ابن لهيعة الوليد بن مسلم، وابن لهيعة حاله
[ ١٨١ ]
مشهورة، فالحديث ليس بحجة على ثبوت رواية أبان بن صالح عن أنس، ومن ثم فوصف مرسله هذا بأنه معضل هو الصواب، والمعضل لا يتقوى بالمتابعة.
٣ - حديث ابن عباس - ﵁ -.
أخرجه البزار (كشف: ٣١٢٨) من طريق:
حاتم بن إسماعيل، عن أسامة بن زيد، عن أبان بن صالح، عن مجاهد، عن ابن عباس، أن رسول الله - ﷺ - قال:
"إن لله ملائكة في الأرض، سوى الحفظة، يكتبون ما يسقط من ورق الشجر، فإذا أصاب أحدكم عرجة بأرض فلاة، فليناد: أعينوا عباد الله".
قلت: وهذا إسناد فيه ضعف، فإن أسامة بن زيد متكلم فيه، وله مناكير، وقد اختلف عليه فيه.
فرواه جعفر بن عون، وروح بن عبادة، وعبد الله بن فروخ، ثلاثتهم عن أسامة بن زيد بسنده موقوفًا.
ولقائل أن يقول: فالأصح على هذا الوقف لأنه قول الأكثر والأوثق؟ !
فالجواب: هذا محتمل إن كان المختلف عليه ثقة، وأما إن كان ضعيفًا فالأولى الحمل عليه فيه، بدلًا من تخطئة الثقات الذين رووه عنه، وحينئذ يوصف بأنه قد اضطرب فيه.
[ ١٨٢ ]
وعلى أي وجه ترجح القول سواء بالرفع أو بالوقف فثمة مخالفة أخرى بين أسامة بن زيد وبين ابن إسحاق، فإن ابن إسحاق أوثق ولابد من أسامة، وقد أرسله، فهو المحفوظ إن شاء الله تعالى.
وأما المؤلف فقد كان له خطبًا جليلًا مع هذا الحديث، فقال (ص: ٢٢٧):
(وأعل الألباني في ضعيفته (٢/ ١١٢) الطريق المرفوعة عن ابن عباس بهذه الموقوفة، فقال: جعفر بن عون أوثق من حاتم بن إسماعيل ولذلك فالحديث عندي معلول بالمخالفة، والأرجح أنه موقوف. اهـ.
قلت: هذا خطأ من وجهين:
أولهما: تقرر في علم الحديث أنه إذا تعارض الرفع والوقف فالحكم فيه للرفع.
ثانيهما: إن حاتم بن إسماعيل لم ينفرد برفع الحديث، بل وافقه على الرفع محمد بن إسحاق كما تقدم بالإضافة إلى شاهد عبد الله بن مسعود المذكور أولًا.
والصواب هنا أن يُقال: إن أبان بن صالح كان يرفعه أحيانًا، وأحيانا أخرى لا ينشط لرفعه، ونظائره كثيرة جدًّا).
قلت: وهذا كلام ساقط كعامة منافحاته عن الأحاديث الساقطة في كتابه.
[ ١٨٣ ]
وقد ناقض نفسه بنفسه، ودل على جهله بقلمه.
فالذي قرره في هذا الموضع أنه عند تعارض الرفع والوقف فالرفع مقدَّم، وقبلها بصفحات قليلة ناقض هذا القول، فقال (ص: ٢١٩) أن للمحدِّثين مسلكين في هذه المسألة، قال:
(فأولهما: إن الرفع زيادة ثقة، وهي مقبولة، إذ إن الحكم لمن أتى بالزيادة، وهو مذهب الخطيب البغدادي وجماعة من أئمة الفقه والحديث والأصول.
وثانيهما: الترجيح باعتبار القرائن ).
فلماذا لم يعتبر بالترجيح بالقرائن هنا كما فعل هناك؟ ! لسبب بسيط، وهو أن الترجيح بالقرائن سوف يفسد عليه حديثه، لا سيما وأن ثلاثة من الرواة قد رووه عن أسامة بن زيد موقوفًا، وخالفهم واحد فقط، فيه كلام من حيث الضبط.
ثم إن الذي قرره هذا من تقديم الرفع على الوقف إنما هو قول الفقهاء لا قول المحققين من أهل الحديث، لا سيما الأئمة المتقدمين من أهل العلم، وقد تقدَّم النقل عن العلماء كابن دقيق العيد، والعلائي، والحافظ ابن حجر ما يدل على ذلك.
وأما ترجيحه المرفوع بتعضيده بالمرسل المرفوع وبالشاهد المنكر عن ابن مسعود فلم أر من أهل العلم من فعلها قبله، أن يعضد الراجح بالمرجوح والمنكر، وإنما أراد بذلك التمويه على من لا علم له بهذه
[ ١٨٤ ]
الصناعة، فإن حديث ابن مسعود لا دخل له بهذا الحديث، ولا اشتراك بينهما في السند ألبتة، والرسل متعارض مع الوصول المرفوع، فلا بد من الترجيح، لا التعضيد.
وأخيرًا: فعلى فرض التسليم له بصحة الحديث الأخير، فهو دال على أن ذلك استعانة بالمخلوقين الأحياء، وقد دلت رواية ابن عباص على أنهم من الملائكة، ولم يمنع أحد أن يستعين الناس بغيرهم من المخلوقين على ما يقدروا على فعله، وليس هو بمجيز للتوسل بالجاه، ولا هو من هذا الباب في شيء، فتنبه إلى ذلك ترشد إن شاء الله.
* * *
[ ١٨٥ ]