أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٢/ ٤٠٦)، والدارقطني (٢/ ٢٧٨)، والبيهقي في "السن الكبرى" (٥/ ٢٤٦)، وابن عدي في "الكامل" (٢/ ٧٩٠)، وأبو القاسم الأصبهاني في "الترغيب والترهيب" (١٠٨٠) من طريق:
حفص بن سليمان، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد بن جبر، عن ابن عمر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من حجَّ فزار قبري بعد موني كان كمن زارني في حياتي وصحبني".
قلت: وهذا الحديث منكر المتن كما هو ظاهر من لفظه، تالف الإسناد.
فإن فيه حفصًا بن سليمان القارئ، وهو متروك الحديث منسوب إلى الوضع والكذب.
وليث بن أبي سليم ضعيف الحديث، مختلط، ولا أرى الآفة فيه من ليث، بل هو عندي على الأقرب موضوع عليه، وإنما هو من صنعة حفص.
إلا أن تقي الدين السبكي نافح عن هذا السند، ومثله المؤلف
[ ٢٩٥ ]
حتى يتسنى لهما تقويته بمجموع الطرق.
قال المؤلف (ص: ٣٣٧):
(حفص بن سليمان الكوفي القارئ ضعفه جماعة، وقال بعضهم: متروك، وبالغ فيه بعضهم فنسبه إلى الكذب، وقد أجاب على هذه المبالغة تقي الدين السبكي - رحمه الله تعالى -، فقال:
وعندي أن هذا القول سرف، فإن هذا الرجل إمام قراءة، وكيف يعتقد أن يقدم على وضع الحديث والكذب، ويتفق الناس على الأخذ بقراءته، وإنما غايته أنه ليس من أهل الحديث، فلذلك وقعت المنكرات والغلط الكثير في روايته).
قلت: إن تعجب فعجب من المؤلف أن يجعل وصف العلماء له بالكذب مبالغة، ومن السبكي أن يجعله سرف، وهو حكم صادر عن إمامين من أنمة أهل الشأن.
الأول: هو ابن معين - ﵀ -:
قال: كان حفص بن أبي سليمان وأبو بكر بن عياش من أعلم الناس بقراءة عاصم، وكان حفص أقرأ من أبي بكر، وكان أبو بكر صدوقًا، وكان حفص كذَّابًا.
والثاني: هو ابن خراش - ﵀ -:
قال: كذاب، متروك، يضع الحديث.
ثم وجدت لهم ثالثًا وهو أبو حاتم الرازي - ﵀ - قال:
[ ٢٩٦ ]
"ضعيف الحديث، لا يصدق، متروك الحديث".
ويؤكد هذا الحكم قول شعبة - ﵀ - قال:
"أخذ مني حفص بن سليمان كتابًا فلم يرده، وكان يأخذ كتب الناس فينسخها".
قال ابن حبان: "كان يأخذ كتب الناس فينسخها ويرويها من غير سماع".
قلت: فهذا كذب وسرقة ولا شك، وأما احتجاج الناس بقراءته، فلأنه قد تلقاها عن عاصم بن أبي النجود، وثبتت له القراءة عليه، فإنه كان ربيبه، وكان يسكن معه في بيته، ولم يتفرد بها، بخلاف الأحاديث التي رواها، وما ظهر من أمره من رواية ما لم يسمعه أو يُجاز به، ثم إن القراءة شيء، والرواية شيء آخر، فالقراءة مرسومة معلومة، ثابتة معروفة مشهورة، لا تبديل فيها ولا تغيير، وإن شذ فيها ظهرت عورته واكتُشف، لا سيما وقد شاركه غيره فيها، بخلاف الرواية، فالباب فيها واسع، وقد عُلم كذبه ووضعه فيها بالسبر والتتبع.
وأما وصف من وصفه من العلماء بالترك: "بالقلة والبعض" فهو مخالف للحقيقة، بل الأكثر على وصفه بالترك، وأنا أسرد أسماء من ذكره بالترك من العلماء والجهابذة، فمنهم:
أحمد بن حنبل، وابن المديني، والبخاري، ومسلم،
[ ٢٩٧ ]
والنسائي، وأبو حاتم الرازي، وابن خراش.
فهؤلاء سبعة من أئمة الجرح والتعديل وأساطينه، قد اجتمعت كلمتهم على تركه.
وقد وهاه غيرهم، فقال أبو أحمد الحاكم: "ذاهب الحديث"، وقال النسائي: "ليس بثقة"، وقال الساجي: "يحدث عن سماك، وعلقمة بن مرثد، وكذلك عن قيس بن مسلم، وعاصم بن بهدلة أحاديث بواطل".
قلت: وللحديث متابعتان ساقطتان، فأما:
• المتابعة الأولى:
فأخرجها الطبراني في "الأوسط" (٢٨٧):
حدثنا أحمد بن رَشدين، قال: حدثنا علي بن الحسن بن هارون الأنصاري، قال: حدثني الليث ابن ابنة الليث بن أبي سليم، قال: حدثتني عائشة ابنة يونس امرأة ليث بن أبي سليم، عن ليث بن أبي سليم به.
قلت: أحمد بن رشدين موصوف بالكذب، ومن بينه وبين ليث بن أبي سليم لم أقف لهم على تراجم، وأما:
• المتابعة الثانية:
فأخرجه أبو بكر محمد بن السري بن عثمان التمار في "جزئه" - كما في "شفاء السقام" للسبكي (ص: ٢٧) - قال:
[ ٢٩٨ ]
حدثنا نصر بن شعيب مولى العبديين، حدثنا أبي، حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر به.
قلت: وهذا السند تالف كسابقه، بل فيه وهم.
أما آفة السند فهو محمد بن السري هذا، فقد ترجمه الذهبي في "الميزان"، وقال: "يروي المناكير والبلايا، ليس بشيء"، وقال في شيخه نصر بن شعيب: "ضُعف"، وليث بن أبي سليم ضعيف، إلا أنه لا يصح عنه أنه حدَّث به حتى يُعل به.
وأما الوهم، فقد نقل السبكي عن ابن عساكر أنه قال:
"هو وهم، وإنما هو حفص بن سليمان أبو عمر الأسدي الغاضري القاري".
قلت: وهذا متاح.
وعليه فلا يحسن بالمؤلف بعد بيان وهاء الحديث ومتابعاته، وسقوطها أن يقول (ص: ٣٤٠):
(وعلى كل فالحديث ضعيف).
فإن هذا ينصرف إلى الضعف المحتمل، والحديث موضوع لا يُشك في ذلك.
[ ٢٩٩ ]