أخرجه الحاكم في "المستدرك" (٢/ ٥٩٥) من طريق:
يعلى بن عبيد، حدثنا محمد بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن عطاء مولى أم صُبيَّة، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله - ﷺ -:
"ليهبطن عيسى بن مريم حكمًا عدلًا، وإمامًا مُقسطًا، وليسلكن فجًّا حاجًّا أو معتمرًا أو ثنتيهما، وليأتين قبري حتى يُسَلِّم عليّ ولأردنَّ عليه".
قال الحاكم:
"هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه بهذه السياقة".
قلت: لم يخرجاه لأنه معلول بهذا الإسناد، وبهذه الزيادة.
آفته محمد بن إسحاق، وهو صدوق، إلا أنه أفسد حديثه بالتدليس، فما لم يصرح فيه بالسماع فهو مردود، وهذا الخبر عنعنه كما ترى، وعطاء مولى أم صُبيَّة هذا في حيز الجهالة، تفرد بالرواية عنه سعيد بن أبي سعيد المقبري، وأورده ابن أبي حازم في "الجرح والتعديل" (١/ ٣/ ٣٣٩)، ولم يذكر فيه جرحًا، ولا تعديلًا، وقال
[ ٣١٩ ]
الذهبي: "لا يعرف، تفرد عنه المقبري".
والحديث قد رُوي من وجوه أخرى صحيحة دون هذه الزيادة عند البخاري (٢/ ٤٩٠)، ومسلم (١/ ١٣٥ - ١٣٧).
بل أخرج مسلم (٢/ ٩١٥) من طريق:
الزهري، عن حنظلة الأسلمي، قال: سمعت أبا هريرة - ﵁ - يحدِّث عن النبي - ﷺ - قال:
"والذي نفسي بيده، ليهلن ابن مريم بفجِّ الروحاء حاجًّا أو معتمرًا، أو ليثنيهما".
وليس فيه ذكر تلك الزيادة المنكرة، التي تفرد بها ذلك المجهول.
وأما المؤلف، فقد تعصب لتصحيح هذا الحديث، فقال عقب نقل حكم الحاكم على الحديث بالصحة (ص: ٣٥٧):
(وسلَّمه الذهبي).
وهذا خطأ بيِّن، فإنما الذهبي ملخِّص للمستدرك، وإنما يختصر طرقه، ومثلها عبارة الحاكم، وقد ينشط فيتعقب بعض الأحاديث بالتعليل، وقد لا ينشط، وإنما لخص قول الحاكم المتقدِّم، فقال: "صحيح"، ولا يُستفاد من ذلك أنه قد أقرَّه على هذا الحكم، لا سيما وقد حكم على راويه بالجهالة.
ثم قال المؤلف في سبيل توثيق هذا المجهول (ص: ٣١٥):
[ ٣٢٠ ]
(وعطاء مولى أم حبيبة، تابعي روى عنه إمام ثقة حافظ هو سعيد بن أبي سعيد المقبري، فإذا ضممت له ذكر ابن حبان له في "الثقات" (٥/ ٢٠١)، وتصحيح الحاكم له، ورواية النسائي له (٤/ ١٦٤) فهو كاف لقبول حديثه، إذ إنه لم يأت بما يُنكر عليه.
وتذكَّر كلمة الذهبي في "الموقظة" (ص: ٨١): ومن الثقات الذين لم يخرَّج لهم في الصحيحين خلق، منهم: من صحح له الترمذي، وابن خزيمة، ثم من روى لهم النسائي ).
قلت: أما رواية سعيد المقبري عنه، فلا تثبت، فقد تفرد بها محمد بن إسحاق بالعنعنة.
إلا أن المؤلف قال:
(ولا يضر هنا عدم تصريح محمد بن إسحاق بالسماع لأنه توبع، فللحديث طرق متعددة).
قلت: وهذه مغالطة واضحة، وتدليس بيِّن، فتلك الطرق التي يشير إليها المؤلف هي على ثلاثة أنواع:
الأول: الطرق التي اختلف فيها على محمد بن إسحاق التي ذكرها ابن أبي حاتم في "العلل" (٢٧٤٧) عن أبي زرعة الرازي، وعنه نقل المؤلف في كتابه (ص: ٣٥٧)، فكلها من رواية ابن إسحاق بالعنعنة.
الثاني: الطرق التي وردت في الصحيحين ومسند أحمد وغيرها
[ ٣٢١ ]
من كتب الحديث، فهذه الطرق وإن كانت متابعة لطريق ابن إسحاق إلا أنها قد تابعته على أصل الحديث فقط، دون الزيادة الأخيرة المنكرة التي هي محل الشاهد، وقد تقدَّم ذكر بعض هذه المتابعات عن أبي هريرة - ﵁ -.
الثالث: وهي رواية أبي يعلى في "المسند" (١١/ ٤٦٢/ ٦٥٨٤):
حدثنا أحمد بن عيسى، حدثنا ابن وهب، عن أبي صخر، أن سعيدًا المقبري أخبره، أنه سمع أبا هريرة يقول:
سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "والذي نفس أبي القاسم بيده لينزلنَّ عيسى بن مريم إمامًا مقسطًا، وحكمًا عدلًا، فليكسرن الصليب، وليقتُلن الخنزير، وليصلحن ذات البين، وليذهبن الشحناء، وليُعرضن عليه المال فلا يقبله، ثم لئن قام على قبري فقال: يا محمد، لأجيبنه".
وقد تقعقع المؤلف بهذه الرواية مصححًا لرواية الحاكم، فقال (ص: ٣٥٩):
(فالحاصل أن الحديث حسن على الأقل، خاصة مع وجود الطريق الذي في مسند أبي يعلى).
قلت: بل هذه الطريق ضعيفة، بل واهية، والآفة فيها من شيخ أبي يعلى أحمد بن عيسى وهو المصري، قال أبو داود: كان ابن معين يحلف إنه كذاب، وقال أبو حاتم: "تكلم فيه الناس،
[ ٣٢٢ ]
قيل لي بمصر: إنه قدمها، واشترى كتب ابن وهب، وكتاب المفضل بن فضالة، ثم قدمت بغداد، فسألت هل يحدِّث عن المفضل، فقالوا: نعم، فأنكرت ذلك، وذلك أن الرواية عن ابن وهب والرواية عن المفضل لا يستويان، وأما أبو زرعة فأنكر على مسلم إخراج حديثه في الصحيح، وقال: "ما رأيت أهل مصر يشكون في أنه .. " وأشار إلى لسانه، كأنه يقول الكذب.
وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان ممن سمعوا منه، فهم أعلم به من غيرهم، بل الحكاية التي ذكرها أبو حاتم تقع موقع الجرح المفسَّر، ثم يمين ابن معين المغلَّظة أنه يكذب، لا تجعل ثمة احتمالًا بأن هؤلاء جميعًا تواردوا على الطعن في الرجل بمثل هذا الطعن الشديد دون حجة، وأما الخطيب فتمسَّك بقول النسائي فيه: "ليس به بأس"، فقال: "ما رأيت لمن تكلم فيه حجة توجب ترك الاحتجاج بحديثه".
قلت: ما ذكرناه مما تقدَّم يوجب ذلك ولا شك، والظاهر أن النسائي لم يظهر له من أمره ما ظهر لهؤلاء الجهابذة.
وأما الحافظ ابن حجر، فقال:
"إنما أنكروا عليه ادعاء السماع، ولم يُتهم بالوضع، وليس في حديثه شيء من المناكير".
قلت: هو وإن لم يُتهم بالوضع، فادعاؤه للسماع سرقة، وهذا جرح شديد ولا شك، وأما المناكير، فيكفي جمعه في الرواية
[ ٣٢٣ ]
بين المفضل بن فضالة، وابن وهب.
فإن قال قائل: قد أخرج له الشيخان.
قيل له: إخراجهما عنه إما متابعة وإقرانًا كما عند البخاري كما في "هدي الساري" (ص: ٣٨٤)، أو ما وافق فيه الثقات، كما عند مسلم، فإنه لما أنكر أبو زرعة إخراج مسلم لحديثه، قال مسلم كما في "تاريخ بغداد" (٤/ ٢٧٤) بسند صحيح:
إنما قلت صحيح، وإنما اْدخلت من حديث أسباط وقطن وأحمد ما قد رواه الثقات عن شيوخهم، إِلا أنه ربما وقع إليَّ عنهم بارتفاع ويكون عندي من رواية من هو أوثق منهم بنزول، فأقتصر على أولئك، وأصل الحديث معروف من رواية الثقات.
وإن سلَّمنا للمؤلف بصحة السند أو حسنه، فلا بد من اعتبار الاختلاف في الحديث على سعيد المقبري، فقد خالف حميد بن زياد محمد بن إسحاق، وكلاهما صدوق، فيبقى الترجيح بينهما بأمر آخر بخلاف الضبط، وهو العنعنة، فأما ابن إسحاق فقد عنعنه وهو مدلِّس، وأما حميد فقد سمعه من سعيد، فروايته ولا شك مقدَّمة على رواية ابن إسحاق، وعليه فالذي يثبت تبعًا لهذا التسليم رواية حميد، ولفظ الشطر الأخير فيها:
"ثم لئن قام على قبري فقال: يا محمد لأجبته".
وهذا لا يدل على أن عيسى ﵇ سوف يقوم على قبره ولابد، ولو كان فلا يُثبت أنه سوف يشد إليه الرحل لأجل هذا،
[ ٣٢٤ ]
ومن ثمَّ فوجه الدلالة من هذا الحديث ضعيف.
وعلى ما تقدَّم يتبين أن رواية سعيد المقبري عن عطاء مولى أم صبيَّة غير محفوظة، فلا تُعتمد في التوثيق، وحتى لو كانت محفوظة فالمستقر عند جماهير العلماء أن رواية الثقة عن غيره لا تُعدُّ توثيقًا له كما ذكره الخطيب في "الكفاية" (ص: ١١٢)، وقد أورد فيه بابًا في ذكر الحجة على أن رواية الثقة عن غيره ليست تعديلًا له.
وأما توثيق ابن حبان، وتصحيح الحاكم فقد تقدَّم بحثه وأنه لا يعتبر بهما، لا سيما الحاكم، فإنه أشد تساهلًا من ابن حبان، وابن حبان لم يذكر من أمره ما يدل على أنه قد سبر حاله، وتتبع حديثه، وهو قليل الحديث، لا يُعرف له إلا حديثه عن أبي هريرة الذي هو قيد البحث، وحديث آخر عن أبي هريرة في فضل السواك عند النسائي في "السنن الكبرى" كما في "التحفة" (١٠/ ٢٨٠) من طريق: محمد بن إسحاق أيضًا، عن سعيد المقبري، عن عطاء، عن أبي هريرة.
وهذا الخبر أيضًا غير محفوظ، والوهم فيه من ابن إسحاق، فقد خالفه عبيد الله بن عمر العمري، وهو إمام حافظ ثقة مقدَّم، ولا يُقارن به محمد بن إسحاق.
وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن ابن إسحاق قد وهم في رواية هذين الحديثين، وأن عطاء هذا لا يُعرف إلا من هذا الوجه
[ ٣٢٥ ]
المنكر، فهو مجهول العين ولا ريب.
وأما تصحيح الحاكم، فزيادة على ما تقدَّم بيانه، من عدم الاعتداد به، فقد أقر المؤلف نفسه أنه قد تساهل في تصحيحه الأحاديث في المستدرك.
قال المؤلف (ص: ١٥٣):
(تساهل الحاكم خاص بالحكم على الأحاديث في المستدرك، فإنه - رحمه الله تعالى - أدركته المنية قبل أن ينقحه كُلَّه كما هو معلوم في مكانه).
قلت: قد بيَّن الذهبي ما في ذلك، فقال في ترجمة الحاكم من "السير" (١٧/ ١٧٥):
"في المستدرك شيء كثير على شرطهما، وشيء كثير على شرط أحدهما، ولعل مجموع ذلك ثلث الكتاب، بل أقل، فإن في كثير من ذلك أحاديث في الظاهر على شرط أحدهما أو كليهما، وفي الباطن لها علل خفية، وقطعة من الكتاب إسنادها صالح وحسن وجيد، وذلك نحو ربعه، وباقي الكتاب مناكير وعجائب، وفي غضون ذلك أحاديث نحو المئة يشهد القلب ببطلانها".
وقال في ترجمته من "الميزان" (٣/ ٦٠٩):
"إمام صدوق، لكنه يصحح في مستدركه أحاديث ساقطة، ويُكثر من ذلك، فما أدري هل خفيت عليه، فما هو ممن يجهل
[ ٣٢٦ ]
ذلك".
وقال الحافظ ابن حجر في "اللسان" (٥/ ٢٦٤) معتذرًا عن ذلك:
"قيل في الاعتذار عنه: إنه عند تصنيفه للمستدرك كان في أواخر عمره، وذكر بعضهم أنه حصل له تغير وغفلة في آخر عمره، ويدل على ذلك أنه ذكر جماعة في كتاب الضعفاء له، وقطع بترك الرواية عنهم، ومنع من الاحتجاج بهم، ثم أخرج أحاديث بعضهم في مستدركه وصححها".
قلت: فلأجل ذلك كله لا يجب الاحتجاج بتصحيح الحاكم إذا انفرد، لا سيما أيضًا مع شهرته بالتساهل في التوثيق عمومًا داخل المستدرك وخارجه، وقد تقدَّم بيان ذلك بالأدلة الجليَّة.
وأما تلك القاعدة التي نقلها المؤلف عن الذهبي، فلا تعني بأن كل من خرَّج له النسائي فهو محتج به عنده، فإنه إن كان كذلك فلا شك أن عبارة ابن السكن في وصف كتابه بالصحة لها وجه! ! وليس كذلك، بل قد أنكر العلماء عليه ذلك، وقد تقدَّم بيانه بما يُغني عن الإعادة هنا.
وإنما غاية ما ذكره الذهبي أن البخاري ومسلمًا قد خرَّجا لجملة من الثقات، لا لكلهم، فعدم ذكر الراوي في الصحيح لا يقدح في توثيقه، بل في جامع الترمذي جملة من الثقات ممن وصف الترمذي حديثهم بالصحة، بقوله: "حديث صحيح"، وليس من قال فيهم:
[ ٣٢٧ ]
"حديث حسن صحيح"، فإن هذا مختص بالأحاديث التي ورد عمل أهل العلم بمدلولها، أو من صحح لهم ابن خزيمة، أو من روى لهم النسائي وهم من الثقات، وهذا قول مجمل، وإلا فهذا القول لا ينافي أن بعض الرواة قد صحح لهم ابن خزيمة وضعفهم الجمهور، ومثله الترمذي، وكذا النسائي، فكم خرَّج عن رواة ضعفاء ومجاهيل.
ومما يدل على أن عبارة الذهبي تخرج هذا المخرج الذي ذكرناه أنه هو نفسه قال في عطاء هذا: "لا يُعرف"، فإن كانت هذه القرائن التي ذكرها في كتابه "الموقظة" ونقلها عنه المؤلف تخرج المخرج الذي أوهم به المؤلف فلماذا لم يوثقه الذهبي؟ ! !
بل غاية ما ذكره فيه في "الكاشف" أنه قال: "وُثِّق"، وقد تقدَّم بيان ما في هذا اللفظ من التمريض المانع من الاعتبار بتوثيق من وثقه، وهو غالبًا ما يشير به إلى من وثقه ابن حبان، أو بعض المتساهلين، أو من وثقه بعض من يطلق وصف التوثيق على العدالة كابن معين - رحمه الله تعالى - إذا لم يتابعه غيره من المعتبرين.
وفي ختام تحقيق القول في هذا الحديث أقول: قد وقع للمؤلف وهم قبيح ثبت عليه طيلة الترجمة، وهو أنه قال: "عطاء مولى أم حبيبة" جريًا على ما وقع من خطا وتصحيف في رواية الحاكم، والصواب كما في غالب كتب التخريج والرجال والعلل: عطاء مولى أم صُبَيَّة، وكذا ضبطه الحافظ في "التقريب"، وقبله الدارقطني في "العلل".
[ ٣٢٨ ]