وهو ما أخرجه أحمد (٣/ ٢١)، وابن ماجة (٧٧٨)، وابن خزيمة في "التوحيد" (١/ ٤٢)، والطبراني في "الدعاء" (٤٢١) من طريق: فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -:
"من خرج من بيته إلى الصلاة، فقال: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وأسألك بحق ممشاي هذا، فإني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا ولا رياءً ولا سمعة، وخرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، فأسألك أن تعيذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت؛ أقبل الله عليه بوجهه، واستغفر له سبعون ألف ملك".
وقد حسَّن المؤلف إسناد هذا الخبر، موافقة للحافظ الدمياطي، وأبو الحسن القدسي شيخ المنذري، والعراقي، والحافظ ابن حجر.
قلت: وهذه مجازفة، وقد حاول الحافظ ابن حجر - ﵀ - دفع الضعف عن عطية العوفي في "نتائج الأفكار" (١/ ٢٧١)، فقال:
"ضعف عطية إنما جاء من قبل التشيع ومن قبل التدليس، وهو في نفسه صدوق، وقد أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، وأخرج
[ ١٤٠ ]
له أبو داود أحاديث ساكتًا عليها، وحسَّن له الترمذي عدة أحاديث بعضها في أفراده".
قلت: وهذ الكلام منتقض من وجوه:
أولها: أن الحافظ نفسه قد وصفه في "التقريب" بقلة الضبط، فقال: "صدوق يخطى كثيرًا".
والخطأ الكثير لا تعلق له بالتدليس، ولا بالتشيع، بل هو متعلق بالضبط ولا شك.
ثانيها: أن تعليق ضعفه بالتشيع وبالتدليس تنقضه أقوال أهل العلم فيه.
ثالثها: أن إخراج أبي داود لأحاديثه وسكوته عليها لا يرقي أمره، لأنه قد تكلم عليه بما يغني عن الإعادة في "السنن"، فقد قال فيه: "ليس بالذي يُعتمد عليه".
رابعها: أن تحسين الترمذي لحديثه لا يعني تقوية أمره، فالترمذي قد يحسن أحاديث جماعة من الضعفاء، وقد أشار إلى ذلك الحافظ في "النكت"، بل إخراجه لأفراده وتحسينه لها يدل دلالة قوية على أنه أراد بذلك المعنى اللغوي، لا الاصطلاحي، إذ لو كان الاصطلاحي للزم توفر شروطه التي اشترطها الترمذي، ومنها أن يرد من غير وجه، فلما كان من أفراده دل على أنه أراد بذلك معنى آخر غير الاصطلاح.
[ ١٤١ ]
وقد دلت كلمات الحفاظ الكبار وأئمة الشأن على ضعف ووهاء العوفي، أما المؤلف فقد تناولها بالتأويل تارة، وبالطعن فيها أخرى، وبلي عنقها ثالثة حتى يتسنى له توثيق العوفي.
وأنا أذكر هنا - إن شاء الله تعالى - أقوال أهل العلم في تجريح عطية العوفي، وما تناولها به المؤلف، والرد عليه في ذلك.
١ - قال البخاري في "التاريخ الأوسط" (١/ ٤١٢):
قال علي: عن يحيى: عطية، وأبو هارون العبدي، وبشر بن حرب عندي سواء، وكان هُشيم يتكلم فيه يعني عطية.
قلت: علي هو ابن المديني، ويحيى هو ابن سعيد القطان، وليس ابن معين كما ظنه المؤلف.
قال المؤلف (ص: ٢٠٨):
(معناه - والله أعلم - أنهم سواء في الطبقة والمذهب، فهم من شيعة التابعين، ويشتركون في الرواية عن أبي سعيد الخدري ﵁، وكيف يسوي يحيى بن معين بين أبي هارون العبدي، وعطية العوفي، وقد قال عن "أولهما: غير ثقة، وكان يكذب، بينما وثق الثاني ورفع شأنه).
قلت: المؤلف أحق بكلمته التي شان نفسه بها في كتابه (ص: ٢٢٠):
"لا أدري لماذا يسارع هؤلاء بالتصنيف؟ للدعاوي الفارغة، أم
[ ١٤٢ ]
للتجارة البائرة".
وكان ينبغي للمؤلف قبل أن ينسب هذا القول أن يتأكد من نسبة يحيى الوارد في هذا الأثر، لا سيما مع وروده في "التاريخ" مهملًا.
وابن المديني إنما يروي عن يحيى بن سعيد القطان، ولم يذكر في الرواة عن ابن معين، ولا ذكر ابن معين في شيوخه، وإن كانا متعاصرين.
ومما يدل على أن يحيى هذا هو ابن سعيد ما نقله الحافظ في "التهذيب" (٧/ ٣٦١) في ترجمة عمارة بن جوين أبي هارون العبدي: "قال ابن المديني: عن يحيى بن سعيد، ضعفه شعبة".
فإذا علمت ذلك تبين لك أن التسوية بينهم في الضعف لا في الرواية عن أبي سعيد، فإنه لا وجه لمساواتهم في ذلك جميعًا، بل كلمة القطان أن هشيم كان يتكلم في عطية يدل على أن ذلك مختص بالرواية والأداء لا التشيع، ولذلك فقد بتر المؤلف هذه العبارة الأخيرة لكي لا يستبين القارئ الفَهِم حيلته وتدليسه.
٢ - وعن عبد الله بن أحمد، عن أبيه، قال: كان سفيان الثوري يضعف حديث عطية، وسمعت أبي وذكر حديث عطية العوفي، قال: هو ضعيف الحديث.
وقد روى عبد الله في "العلل" (١٣٠٧) عن أبيه، عن أبي أحمد الزبيري، قال: سمعت الثوري، قال: سمعت الكلبي قال:
[ ١٤٣ ]
كناني عطية " أبا سعيد".
وقال الإمام أحمد: بلغني أن عطية كان يأتي الكلبي، يأخذ عنه التفسير، وكان يكنيه بأبي سعيد.
قلت: وهذا الطعن مفسر، وهو كاف كما قال العلامة الألباني لتهمة العوفي، لا سيما فيما يرويه عن أبي سعيد الخدري.
إلا أن المؤلف قد نحا منحىً عجيبًا في رد هذا التضعيف، فقال (ص: ١٨٤):
(أنت أيها القارئ المنصف إذا نظرت بعين الناقد المتجرد تجد أن أحمد قد ضعف عطية العوفي، ثم ذكر مستنده في تضعيفه وهي حكاية الكلبي، وهي سبب كلام هشيم في عطية، وحكى أحمد تضعيف الثوري لعطية بعد أن أسند البلاغ من طريق الثوري، فحكاية الكلبي هي أصل مستند الثوري أيضًا في تضعيفه عطية العوفي
وهذا الذي اعتمدوا عليه فيه نظر، ولا يصح سنده، لأن مداره على محمد بن السائب الكلبي، وحاله معروف، فهو تالف متهم بالكذب، فالسند الذي يكون فيه ذلك الرجل لا يُنظر إليه ولا يُعتمد عليه في شيء، ومع ذلك فقد سارت الركبان بمقولته التالفة، وتوارد البعض على حكايتها ).
قلت: ثمة فرق بين حكاية المتهم حكاية تقع موقع السرد والأداء، وبين حكايته ما يقع موقع الإقرار.
[ ١٤٤ ]
فكم من راو من الكذابين، قد تركه العلماء، ووهنوا أمره باعترافه بوضع الحديث، فهل ردوا اعترافه هذا بسبب كذبه لا؟ ! !
لا، لأن ذلك يقع موقع الإقرار، وإنما اعتمدوا قوله في إقراره هذا، لأن رده بجواز كذبه فيه؛ فيه فتح لأبواب السفسطة.
وقد أنكر الحافظ الذهبي - ﵀ - في "الموقظة" (ص: ٣٧) على شيخه ابن دقيق العيد في قوله:
"إقرار الراوي بالوضع، في رده ليس بقاطع في كونه موضوعًا، لجواز أن يكذب في الإقرار".
قال الحافظ الذهبي:
"هذا فيه بعض ما فيه، ونحن لو افتتحنا باب التجويز والاحتمال البعيد لوقعنا في الوسوسة والسفسطة".
قلت: هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الثوري يستحيل عليه، وكذا على من تبعه من علماء الأمة أن يتواطؤوا على الخطأ في الاحتجاج بهذه الحكاية كما يزعم المؤلف، وإنما كان يعلم الثوري بصدق ما يرويه الكلبي من كذبه.
فقد أخرج ابن حبان في "المجروحين" (٢/ ٢٥٦) قال: قال لنا الثوري: اتقوا الكلبي، فقيل له: إنك تروي عنه؟ قال: أنا أعرف صدقه من كذبه.
ومن جهة ثالثة فإن اعتماد أهل الشأن لهذه الحكاية يؤكد صدقها
[ ١٤٥ ]
لا سيما وأن الكلبي والعوفي على دين واحد تقريبًا، فليس ثمة داع يدعوه إلى الافتراء عليه، لا سيما وأن الافتراء عليه في هذا الباب سوف يكون سببًا لهدر روايات العوفي عن أبي سعيد، والتي منها روايات الكلبي المدلَّسة.
ثم إن أهل الحديث قد اتفق عامتهم على جرحه وإن كان بمثل هذه الحكاية، واتفاقهم على الشيء حجة.
قال الحافظ ابن حجر في "التهذيب" (٢/ ١٥٦) في سماع حبيب بن أبي ثابت من عروة بن الزبير:
"قال ابن أبي حاتم في كتاب "المراسيل": أهل الحديث اتفقوا على ذلك، قال: واتفاقهم على الشيء يكون حجة".
قلت: وأما المؤلف فقد رمى أئمة الحديث على مدى العصور بالخطأ، والتتابع على تضعيف حديث العوفي بغير حجة! ! قال (ص: ١٨٥):
(ولم أجد من تنبه لهذا الخطأ من أهل الحديث إلا اثنين:
أولهما: الحافظ البارع أبو الفرج عبد الرحمن بن رجب الحنبلي
ثانيهما: الحافظ السيد أحمد بن الصديق الغماري ).
وكأن علماء الأمة اعتمدوا هذه الحكاية وحدها دون سبر حديثه، وتتبع رواياته، فوقع الثوري، والقطان، وأحمد، وهشيم، وابن
[ ١٤٦ ]
معين، وأبو زرعة، وأبو حازم، وكل من ضعفه في هذا الخطأ وتابعهم عليه أئمة الحديث ممن جاءوا بعدهم، فكأن الأمة اجتمعت على ضلالة والعياذ بالله، حتى أتى من لا يفرق بين يحيى القطان ويحيى بن معين فأزال عنهم الغمة! !
أقول: ومما يدل على أن هؤلاء العلماء إنما ضعفوا أحاديثه من قبل حفظه - أيضًا - بعد السبر:
٣ - أن الإمام البخاري - ﵀ - قال في "الأوسط" (١/ ٤١٢):
وقال أحمد في حديث عبد الملك، عن عطية، عن أبي سعيد، قال النبي - ﷺ -: "تركت فيكم الثقلين" أحاديث الكوفيين هذه مناكير.
قلت: وهذا ظاهر على أن الإمام أحمد قد سبر حديثه، ولم يضعفه اعتمادًا على رواية الكلبي وحدها.
إلا أن هذا النقل لم يسلم من تأويلات المؤلف، ولو سلمت نصوص الكتاب والسنة من تأويلاته وتأويلات مشايخه لسلم هذا النقل.
قال المؤلف (ص: ١٩٦) بعد أن أورد عبارة الإمام أحمد - ﵀ - المتقدّمة:
(قلت: النكارة لها معان: أحدها: مرادفة الشاذ، ثانيها: مخالفة الضعيف لمن هو أوثق منه، ثالثها: تفرد الضعيف الذي لا
[ ١٤٧ ]
يُحتمل تفرده، ولا يوجد من يتابعه أو يشهد له، رابعها: كون المتن غريبًا ومخالفًا للأصول مع ركاكة الألفاظ، خامسها: مطلق التفرد ولو بوجه من الوجوه.
أما عن الأول: وهو مرادفته للشاذ، فلم يخالف عطية العوفي أحدًا لا في متن ولا في إسناد، وعن الثاني: فمثله، وعن الثالث: فالحديث ليس فردًا فلا ينطبق عليه، وعن الرابع: فإنه منتف تمامًا هنا فلا تعارض بينه وبين غيره، بل هو مفيد للعلم، فلم يبق إلا الوجه الخامس: وهو مطلق التفرد من جهة عطية، عن أبي سعيد الخدري، وهذا الوجه يجب أن يحمل عليه قول الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى).
قلت: هذا الترجيح الذي رجحه المؤلف لا وزن له، لأن عطية قد تفرد بهذا الحديث عن أبي سعيد، وهو ضعيف عند الإمام أحمد كما تقدَّم النقل عنه، فالنكارة هنا بمعناها الاصطلاحي، وهو تفرد الضعيف بما لا يحتمل منه التفرد به.
وأما ذلك القيد الذي وضعه المؤلف في حد النكارة:
(ولا يوجد من يتابعه أو يشهد له).
ليس على إطلاقه، فليس كل متابعة تفيد، وأما الشاهد فقد يفيد من في حفظه ضعف يسير، وأما من في حال العوفي، فلا تقويه الشواهد.
[ ١٤٨ ]
وقد أعل غير واحد من أهل العلم أحاديثه التي يرويها، وليس الإمام أحمد وحده، أو ابن عدي وحده كما يروج المؤلف لتقوية حال العوفي هذا، وأنا أورد بعض ما حضرني في ذلك.