أخرجه أحمد في "مسنده" (٥/ ٤٢٢):
حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا كثير بن زيد، عن داود بن أبي صالح، قال: أقبل مروان يومًا فوجد رجلًا واضعًا وجهه على القبر، فقال: أتدري ما تصنع؟ فأقبل عليه، فإذا هو أبو أيوب، فقال: نعم، جئت رسول الله، ولم آت الحجر، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:
"لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله، ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله".
ومن هذا الوجه أخرجه الحاكم (٤/ ٥١٥) وصححه.
قلت: وهذا سند منكر بمرة، غير معروف، بل هو من أوهام كثير بن زيد، فهو وإن كان صدوقًا في نفسه، إلا أنه قد تُكُلِّم في حفظه، قال أبو زرعة: "صدوق فيه لين"، وقال النسائي: "ضعيف"، وقال أبو حاتم: "صالح، ليس بالقوي، يُكتب حديثه"، وقال ابن معين في رواية: "ليس بشيء"، وفي رواية: "ليس بذاك"، وفي رواية ثالثة: "ليس به بأس"، وقال أحمد: "ما أرى به بأسًا".
وأما المؤلف فخلط خلطًا عجيبًا في تقوية هذا الحديث، ودلَّس
[ ١٩٥ ]
تدليسًا عريضًا لأجل الوصول إلى غرضه، فقال (ص: ٢٣٤ - ٢٣٥):
(داود بن أبي صالح قال عنه الذهبي في "الميزان" (٢/ ٩): "لا يُعرف"، وسكت عنه ابن أبي حاتم الرازي (الجرح ٣/ ٤١٦).
وذكره الحافظ ابن حجر تمييزًا، وقال في "التقريب": مقبول.
فإذا تشددت وأعرضت عن تصحيح الحاكم وموافقة الذهبي له لأن التصحيح هو توثيق للراوي، فهذا الإسناد فيه ضعف يسير يزول بالمتابعة، وداود بن أبي صالح قد تابعه المطلب بن عبد الله بن حنطب فيما أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٤/ ١٨٩)، والأوسط (١/ ١٩٩)، وأبو الحسين يحيى بن الحسن في أخبار المدينة كما في شفاء السقام ص: ١٥٢.
والمطلب بن عبد الله بن حنطب صدوق يدلس، ومثله يصلح للمتابعة، صرح بالسماع أو لم يصرح، أدرك أبا أيوب أو لم يدركه.
فغاية هذا الإسناد أن فيه انقطاعًا يسيرًا قد زال بالمتابعة المتقدِّمة.
وبهذه المتابعة يثبت الحديث ويصير من قسم الحسن لغيره).
وهذا الكلام فيه مغالطات ومناقشات:
أولها: أن داود بن أبي صالح هذا مجهول، لم يرو عنه إلا كثير بن زيد، ولم يوثقه معتبر، إلا تصحيح الحاكم لحديثه، والحاكم متساهل كما تقدَّم بيانه، وأما ما ادعاه المؤلف من موافقة الذهبي له فغير صحيح، وإنما غاية أمر الذهبي أنه يذكر في تلخيصه
[ ١٩٦ ]
حكاية حكم الحاكم على الحديث، وإن أراد التعقيب قال: "قلت: "، ومن ثم فليس ذكره لحكم الحاكم على الحديث موافقة له، لا سيما وأنه قال فيه في الميزان: "حجازي، لا يُعرف، له عن أبي أيوب الأنصاري، روى عنه الوليد بن كثير".
وهذا وهم من الحافظ الذهبي، كما بينه الحافظ في "التهذيب"، فإنما روى عنه كثير بن زيد، فانقلب الاسم على الذهبي ووهم فيه.
وأما قول الحافظ فيه: "مقبول" فغير مقبول، لأنه لم يرو عنه غير واحد، ولا وثق ولا ضعف، فالذي تقرر في المصطلح أن مثل هذا يكون مجهول العين، ومثله لا يحتج بحديثه، ولا تنفعه المتابعة، ولا يتقوى بها.
ثانيها: أن الراجح أن ذكر هذا الراوي بهذا الاسم وهم من كثير ابن زيد كما تقدَّم ذكره، وذلك أن الرواية قد اختلفت على كثير في تسمية شيخه، فرواه الطبراني في "الأوسط" (٢٨٤ و٩٣٦٦)، وفي "الكبير" (٤/ ١٥٨) من طريق: سفيان بن بشر، حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن كثير بن زيد، عن المطلب بن عبد الله، قال: قال أبو أيوب لمروان فذكره دون ذكر القصة التي هي محل الشاهد من الحديث، والتي يحتج بها المؤلف على جواز إتيان القبر، والتوسل بالجاه، وإن كان بميت.
وهذا إن دل على شيء فيدل على أن كثيرًا قد اضطرب في رواية
[ ١٩٧ ]
هذا الحديث، على هذين الوجهين، ولا يُقال: إن له فيه شيخين، فليس هو من الحفاظ المكثرين الذين يجوز تعدد الأسانيد عنهم، وهذا الوجه الأخير هو الراجح، لأن الوجه الأول لا سمى فيه شيخه سمى شيخًا مجهولًا تفرد بالرواية عنه، ولا يُعرف عند أهل العلم، وقد رجح الطبراني هذا الوجه الثاني، فقال:
"لا يُروى هذا الحديث عن أبي أيوب إلا بهذا الإسناد، تفرد به حاتم".
أي أنه لا يُعرف - بمعنى لا يُحفظ - إلا من هذا الوجه، ذلك لأن الوجه الأخر غير معروف، بل هو من أوهام كثير بن زيد.
ثالثها: على تقدير أن الروايتين محفوظتان، فإن الرواية الأولى التي قد تفرد بها داود بن أبي صالح المجهول هي التي حوت محل الشاهد، وأما الرواية الثانية فقد خلت من محل الشاهد، فيكون داود قد تفرد بهذه القصة، فهي ضعيفة ولا شك.
رابعها: أن الرواية الأولى تفرد بها مجهول عين، والرواية الثانية منقطعة، ومجهول العين لا تتقوى روايته، ولا تقوي غيرها كما تقرر في المصطلح.
[ ١٩٨ ]