حديث أبي هريرة - ﵁ -:
عن النَّبِيّ - ﷺ -، قال:
"لا تُشد الرحال إلَّا إلى ثلاثة مساجد، مسجدي هذا، ومسجد الحرام، ومسجد الأقصى".
أخرجه البخاري (١/ ٢٠٦)، ومسلم (٢/ ١٠١٤)، وأبو داود (٢٠٣٣)، والنسائي (٢/ ٣٧) من طريق:
الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة - ﵁ - به.
وقد حاول المؤلف جاهدًا صرف الاحتجاج بهذا الحديث على المنع من شد الرحال إلى القبور، فنقل عن بعض الفقهاء أن هذا الاستثناء مفرغ، وعليه حمل الاستثناء هنا على أنَّه: لا تُشد الرحال إلى مسجد إلَّا إلى ثلاثة مساجد، واستدل على ذلك بحديث أبي سعيد الخدري عند أحمد (٣/ ٦٤) بسند حسن:
أنه ذُكرت عنده الصَّلاة في الطور، فقال:
سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:
[ ٨٨ ]
"لا ينبغي للمطي أن تُشد رحاله إلى مسجد ينبغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا".
وهذا الاستثناء عندي لا غبار عليه، إلَّا أن الشارع إن كان منع من إعمال المطي وشد الرحال إلى أي مسجد يُصلى فيه إلَّا هذه الثلاثة، مع بيانه في نصوص أخرى ثابتة فضل عموم المساجد، فالمنع من شد الرحال إلى قبور الأنبياء والأولياء والصالحين أولى، لأنَّ مقتضى شد الرحال وإعمال المطي تعظيم المكان الذي يُشد إليه، وهذا مخالف للعلة التي لأجلها أبيحت زيارة القبور، وهي التذكير والاعتبار.
وقد تنبه الإِمام علاء الدين بن العطار - ﵀ - إلى هذه العلة، فقال في كتابه "زيارة القبور" (ص: ١٨):
"هذه الأحاديث من فعله - ﷺ -، وأمره، وتعليله دالة على زيارة قبر المفضول، فكيف بزيارة قبر الفاضل، فكيف بزيارة قبره - ﷺ -، لكن للاعتبار والتذكار، لا للتآله والإكبار، ولهذا قال: (لا تجعلوا قبري وثنًا) و(لا تجعلوا قبري عيدًا) ".
وثمة أمر آخر وهو أن القبر قد يُتخذ مسجدًا كما وقع من اليهود والنصاري، ونبه عليه النَّبِيّ - ﷺ -، ونهى عنه أشد النهي،
[ ٨٩ ]
ومتى اتخذ القبر مسجدًا، شُهر باسم المسجد لا باسم القبر، فكأنه - ﷺ -، لما نهى عن شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة دخل في عمومها ما كان على هذه الصفة، ويؤيده احتجاج الإِمام مالك بهذا الحديث على عدم وفاء الناذر لزيارة القبر النبوي بنذره، ويؤيده كذلك عموم استدلال من تقدَّم ذكرهم من أهل العلم بهذا الحديث على المنع من شد الرحال إلى قبور الأنبياء والأولياء وما في معناها.
بل يدخل في عمومها كلّ بقعة يُعتقد فيها الفضل، ويأتيها النّاس تقربًا، ويؤيد ذلك معنى كلمة "مسجد".
فقد ذكر ابن منظور في "لسان العرب" (٣/ ١٩٤٠) عن الزجاج: أن كلّ موضع يُتعبد فيه فهو مسجد، وأطلقه بعضهم على البيت.
فيدخل في عمومه القبور التي هي بيوت الموتى.
وإتيان بقعة من البقاع، أو موضعًا من المواضع مقتضاه اعتقاد فضله وخصوصيته، وهو نوع من العبادة، ومن ثمَّ فالقبور تندرج تحت هذا النهي أيضًا، وهو ما أيده فهم بصرة بن أبي بصرة الغفاري أحد الصحابة، وسوف يأتي النقل عنه قريبًا.
ويؤيده أيضًا ما ذكره الله تعالى في سورة الكهف:
﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾.
فاتخذوا مكانًا للعبادة عند قبورهم، وسموه مسجدًا.
وسؤال أوجهه للمؤلف: ما حكم مسجد البدوي، أو مسجد
[ ٩٠ ]
الدسوقي، ونحوها من المساجد التي أقيمت على القبور؟
هل إذا أراد الرجل شد الرحال إليها لأجل الصلاة فيها تحرم لأجل هذا النهي، ولا يحرم شد الرحل إلى صاحب القبر لزيارته؟
فإن قال نعم: فقد قدَّم زيارة القبر التي غايته الشرعية التذكير والاعتبار على الصلاة وشهود الجماعة، والثانية مقدّمة ولا شك على الأولى في الفضل والأجر والثواب.
وإن قال: لا، فقد وافق قول من قال بالمنع من شد الرحال.
وأما ادعاء المؤلف أن الناهي - باعتبار هذا الحديث - عن شد الرحال إلى القبور يلزمه النهي عن شد الرحال للتجارة، ولصلة الأرحام، ولطلب الِعلم، فهذا لا يُقره عاقل، لأمرين:
أحدهما: لأنَّ هذه الأعمال تختلف عن تلك المنهي عنها، فالأولى مقتضاها تعظيم المكان والمقبور، وهذا لا يكون إلَّا بتوقيف، بالإضافة إلى سد الذريعة بالمنع من شد الرحال إلى القبور لأنَّها من الأسباب المفضية إلى الشرك والعياذ بالله، وقد تقدَّم ذكر قصة أصحاب نوح، وأما الثانية فغايتها تحصيل المنافع الدنيوية أو الأخروية من ورائها، ولا تعلق لها بالاعتقاد، ولا فيها من الأسباب التي قد تؤدي إلى الشرك ما يصحح القول بمنعها.
[ ٩١ ]
والآخر: أن هذه الأعمال قد ورد في الشرع نصوص صحيحة صريحة ثابتة تجيزها وإن شُدت لها الرحال، بخلاف الأولى، فإن الأحاديث تدل دلالة قوية على حرمة ذلك ووجوب منعه.