حديث معاذ بن جبل - ﵁ - قال:
كنت ردف النَّبِيّ - ﷺ -، ليس بيني وبينه إلَّا مؤخرة الرحل، فقال:
"يا معاذ بن جبل"، قلت: لبيك رسول الله وسعديك، ثم سار ساعة، ثم قال: "يا معاذ بن جبل"، قلت: لبيك رسول الله وسعديك، ثم سار ساعة، ثم قال: "يا معاذ بن جبل"، قال: قلت: لبيك رسول الله وسعديك، قال: "هل تدري ما حق الله على العباد؟ "، قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا"، ثم سار ساعة، ثم
[ ٨١ ]
قال: "يا معاذ بن جبل"، قلت: لبيك رسول الله وسعديك، قال: "هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك"، قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "أن لا يُعذبهم".
حديث صحيح متَّفقٌ عليه.
أخرجه البخاري (٤/ ٤٦)، ومسلم (١/ ٥٨) من حديث أنس بن مالك، عن معاذ بن جبل - ﵄ - به.
ووجه الدلالة من هذا الحديث أن التوحيد حق الله تعالى على عباده، فلا يجوز لهم أبدًا الإشراك معه في العبادة.
والتوحيد على نوعين:
توحيد المتابعة: وهو الإيمان بالنبي - ﷺ -، وتجريد متابعته على سنته، ونصرته.
ولم يصح في سنته ما يدلُّ قط على جواز التوسل بالمخلوق إلى الله تعالى، لا بذاته، ولا بجاهه.
وأما النوع الثاني: فهو توحيد العبادة، ومن نواقضها الإشراك فيها بأي صورة كان الإشراك (١)، ومنها التوسل إلى الله تعالى بأحد خلقه في العبادة.
_________________
(١) على أنَّ الشرك نوعان: أكبر، وأصغر.
[ ٨٢ ]
قال الأمير الصنعاني - ﵀ - في "تطهير الاعتقاد" (ص: ٢٩):
"من اعتقد في شجر أو حجر، آو قبر أو ملك أو جني أو حي أو ميت: أنه ينفع أو يضر أو أنَّه يقرب إلى الله، أو يشفع عنده في حاجة من حوائج الدنيا بمجرد التشفع به والتوسل إلى الرب تعالى، إلَّا ما ورد في حديث فيه مقال في حق محمد - ﷺ - أو نحو ذلك، فإنه قد أشرك معه غيره، واعتقد ما لا يحل اعتقاده، كما اعتقد المشركون في الأوثان فضلًا عمن ينذر بماله وولده لميت أو حي، أو يطلب من ذلك الميت ما لا يطلب إلَّا من الله تعالى من الحاجات: من عافية مريضه، أو قدوم غائبه، أو نيله لأي مطلب من المطالب، فإن هذا هو الشرك بعينه، الذي كان ويكون عليه عبَّاد الأصنام.
والنذر بالمال على الميت ونحوه، والنحر على القبر، والتوسل به، وطلب الحاجات منه هو بعينه الذي كانت تفعله الجاهلية، وإنما كانوا يفعلونه لما يسمونه وثنًا وصنمًا، وفعله القبوريون لما يسمونه وليًا وقبرًا ومشهدًا، والأسماء لا أثر لها، ولا تغير المعاني ضرورة لغوية وعقلية وشرعية".
قلت: وهذا حقيقة اعتقاد القبوريين، وأما ما لبَّس به المؤلف،
[ ٨٣ ]
من أن توسلهم بالنبي - ﷺ - لا يطعن في توحيدهم لله، فإنما يسألون الله تعالى، وعبارته كما ذكرها (ص: ٤٥):
(المتوسل بالعالم لَمْ يدع إلَّا الله، ولم يدع غيره دونه، ولا دعا غيره معه).
فهذا كله تمويه، بل مشايخه يجيزون الاستغاثة بالنبي - ﷺ -، وبالولي، وبالرجل الصالح، والدليل على ذلك:
ما قدَّم به سقَّاف الأردن كتاب شيخه عبد الله بن الصديق الغماري "إرغام المبتدع الغبي بجواز التوسل بالنبي" (ص: ٣)، فقال:
"التوسل والاستغاثة والتشفع بسيد الأنام نبينا محمد - ﷺ - مصباح الظلام من الأمور المندوبات المؤكدات، وخصوصًا عند المدلهمات".
وذكر كثيرًا من هذا الهراء في المقدمة وفي تعليقاته على الرسالة، وهي نفس اعتقاد الغماري شيخ السقَّاف وشيخ المؤلف، فانظروا عبَّاد الله إلى ما يترامى إليه القوم برسائلهم هذه من دعاء الأموات والاستغاثة بهم، فإن لم يكن دعاء غير الله تعالى والاستغاثة بالمخلوقين هو الشرك، فما في الدنيا من شرك! ! نسأل الله السلامة.
[ ٨٤ ]