وكذا فعل الموفق المقدسي - ﵀ - فقال في "المغني" (٢/ ٤٣٩):
"ويُستحب أن يُستسقى بمن ظهر صلاحه، لأنه أقرب إلى إجابة الدعاء، فإن عمر ﵁ استسقى بالعباس عم النبي - ﷺ -، قال ابن عمر: استسقى عمر عام الرمادة بالعباس، فقال: اللهم إن هذا عم نبيك - ﷺ -، نتوجه إليك به، فاسقنا، فما برحوا حتى سقاهم الله ﷿، وروي أن معاوية خرج يستسقي فلما جلس على المنبر، قال: أين يزيد بن الأسود الجرشي؟ فقام يزيد، فدعاه معاوية، فأجلسه عند رجليه، ثم قال: اللهم إنا نستشفع إليك بخيرنا وأفضلنا يزيد بن الأسود، يا يزيد، ارفع يديك، فرفع يديه ودعا الله تعالى، فثارت إلى الغرب سحابة مثل الترس، وهب لها ريح، فسقوا حتى كادوا لا يبلغون منازلهم، واستسقى به الضحاك مرة أخرى".
وهو ظاهر قول الشيرازي في "المهذب"، قال:
"ويُستسقى بالخيار من أقرباء رسول الله - ﷺ - لأن عمر رضي الله
[ ٢٠ ]
عنه استسقى بالعباس ، ويُستسقى بأهل الصلاح، لما روي أن
معاوية استسقى بيزيد بن الأسود ، ويُستسقى بالشيوخ
والصبيان لقوله - ﷺ -: لولا صبيان رضع، وبهائم رتع، وعباد لله ركع لصب عليهم العذاب صبًّا".
فتبين أن ذلك مرده إلى الصلاح، والإخلاص في الدعاء، والضعف لأهل الضعف، ولم يقل أحد بجواز التوسل بجاه الشيوخ أو الصبيان.
وقد نقل النووي في "المجموع شرح المهذب" ما يؤيد ذلك عن القاضي حسين، والروياني، والرافعي، قال (٥/ ٧٣):
"يستحب أن يستسقى بالخيار من أقارب رسول الله - ﷺ - قال القاضي حسن، والروياني، والرافعي وآخرون من أصحابنا: ويستحب أن يذكر كل واحد من القوم في نفسه ما فعله من الطاعة الجليلة، ويتشفع به ويتوسل ".
وعلى فرض التسليم للمؤلف بجواز التوسل بالنبي - ﷺ -، فهو حكم خاص به - ﷺ -، لا يتعداه إلى غيره من الصالحين، وهو ما رجحه العز بن عبد السلام.
فقد سئل في فتاويه (رقم: ١٠٢):
عن الداعي يُقسم على الله تعالى بمُعَظَّم من خلقه في دعائه كالنبي - ﷺ -، والولي، والملك، هل يُكره له ذلك أم لا؟
[ ٢١ ]
فأجاب - ﵀ -:
"أما مسألة الدعاء، فقد جاء في بعض الأحاديث أن رسول الله - ﷺ - علَّم بعض الناس الدعاء في أقواله: "اللهم إني أقسم عليك بنبيك محمد - ﷺ -، نبي الرحمة"، وهذا الحديث إن صح، فينبغي أن يكون مقصورًا على رسول الله - ﷺ -، لأنه سيد ولد آدم، وأن لا يُقسم على الله بغيره من الأنبياء والملائكة والأولياء لأنهم ليسوا في درجته، وأن يكون هذا مما خُصَّ به، تنبيهًا على عُلو درجته ومرتبته".
فإذا تدبرت هذه الفتوى تبين لك أمران هامان:
الأول: أنه علَّق حكمه على ثبوت الحديث، فقال: "إن صحَّ"، فالأمر المتنازع فيه إنما يُرد حكمه إلى الله والرسول، كما قال شيخ الإسلام - ﵀ -.
الثاني: أنه حكم بجواز ذلك في حق النبي - ﷺ - إن صح الحديث، ولم يتعده إلى باقي الأنبياء، أو الأولياء، أو الملائكة أو الصالحين، ونحوهم، وهذا مخالف لما يروَج له جمهور المتوسلين اليوم.
ولكن لابد من التنبيه هنا أن الحديث الذي ذكره العز، لم أقف عليه بهذا اللفظ، وإنما هو بلفظ الاستشفاع، وفيه ما يدل على أن هذا الاستشفاع هو استشفاع بدعاء النبي - ﷺ -، وسوف يأتي تخريجه قريبًا ضمن الأحاديث التي احتج بها المؤلف.
[ ٢٢ ]
قلت: وقد أفتى بحرمة ذلك - أي القسم بالذوات على الله - الأحناف، وقد قرر شيخ الإسلام ذلك، فقال في "التوسل والوسيلة" (ص: ٥٠):
"وهذا هو الذي قاله أبو حنيفة وأصحابه: إنه لا يجوز، ونهوا عنه، حيث قالوا: لا يُسأل بمخلوق، ولا يقول أحد: أسألك بحق أنبيائك، قال أبو الحسين القدوري في كتابه الكبير في الفقه المسمى بـ "شرح الكرخي" في باب الكراهة: وقد ذكر هذا غير واحد من أصحاب أبي حنيفة، قال بشر بن الوليد، حدثنا أبو يوسف، قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، وأكره أن يقول: "بمعاقد العز من عرشك"، أو "بحق خلقك"، وهو قول أبي يوسف، قال أبو يوسف: بمعقد العز من عرشه هو الله، فلا أكره هذا، وأكره أن يقول بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت الحرام والمشعر الحرام، قال القدوري: المسألة بخلقه لا تجوز لأنه لا حق للخلق على الخالق، فلا تجوز وفاقًا".
وعودة إلى ما نقل في منسك المرُّوذي عن الإمام أحمد - ﵀ - أنه قال:
وسل الله حاجتك متوسلًا إليه بنبيه - ﷺ - تُقض من الله ﷿.
فهذا لفظ مُجمل، فإنه - ﵀ - لم يذكر صفة هذا التوسل، فقد يكون توسلًا بالطاعة له، وبمتابعته - ﷺ -، وهذا عندي
[ ٢٣ ]
هو الظاهر لأن أحمد - ﵀ - قد منع من الاستعاذة بالمخلوقين، كما ذكره ابن مفلح في "الفروع" (٢/ ١٢٧)، قال:
"قال أحمد في منسكه الذي كتبه للمرُّوذي: إنه يتوسل بالنبي - ﷺ - في دعائه، وجزم به في المستوعِب وغيره، وجعلها شيخنا كمسألة اليمين به، قال: والتوسل بالإيمان به، وطاعته ومحبته، والصلاة والسلام عليه - ﷺ -، وبدعائه وشفاعته، ونحوه وقال أحمد وغيره في قوله ﵇: "أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق": الا ستعاذة لا تكون بمخلوق".
قلت: فما أشبه هذا بالدعاء، فإنه لا يكون بمخلوق أيضًا، إذ إنه لم يدل دليل صحيح على ذلك.
فمما تقدَّم يتبين للقارئ الكريم أن شيخ الإسلام - ﵀ - لم ينفرد بالمنع من التوسل بالجاه، بل سبقه إلى ذلك أبو حنيفة النعمان، وصاحبه أبو يوسف.
إلا أن المؤلف حاول جاهدًا أن يعدل بهذا القول من أبي حنيفة من التحرريم إلى الكراهة، فقال (ص: ٤٨):
(وهذا الإمام أبو حنيفة يقول: ويُكره أن يقول الرجل في دعائه: أسألك بمعقد العز من عرشك. ا. هـ الجامع الصغير للإمام محمد ص: ٣٩٥ مع النافع الكبير.
فعبر الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى بقوله: يُكره، فدار الأمر بين الكراهية التنزيهية أو التحريمية، كما قرره أصحابه في كتاب
[ ٢٤ ]
الكراهية، أو الحظر والإباحة من مصنفاتهم الفقهية).
قلت: الكراهة هنا تحريمية، كما يظهر مما تقدَّم نقله، فإنهم عبروا عن ذلك بعدم الجواز، وبقولهم: "لا ينبغي"، فتنبه إلى ذلك.
[ ٢٥ ]