قد أكثر المؤلف في مقدمة كتابه من الجدال حول نسبة هاتين المسألتين إلى أبواب الفقه، وإثبات أنهما لا يندرجان تحت أبواب الاعتقاد، وأن ذلك مسوِّغ لتبني الخلاف فيهما، ومدعاة إلى اختيار ما يوافق الهوى.
قال (ص: ٥):
(ومما زاد الطين بلة أن سبكهما المتشددون في مسائل الاعتقاد).
ثم ناقض نفسه فقال (ص: ٧):
(فيا قومنا الله الله في إسلامكم لا تُفسدوه لهوى شيطان مريد، أو جاهل مغرض مسكين).
فجعل هذا الخلاف مفسدًا للإسلام!!
ثم تناقض ثالثة!!
فقال (ص: ٧) عقب ما تقدَّم بعدة سطور:
(والغرض من هذا المصنّف بعد بيان الصواب في نظري في
[ ٧٣ ]
الأحاديث، هو أن الخلاف في مسألة التوسل هو خلاف في الفروع، ومثله لا يصح أن يشنع به أخ على أخيه، أو يعيبه).
ثم عاد أخرى فبدَّع، فقال في نفس الصفحة:
(وأن من قال بتحريم الزيارة المستوجبة لشد الرحل قد ابتدع وخالف النصوص الصريحة، وإطباق فقهاء مذهبه! ! فضلًا عن المذاهب الأخرى! !).
أقول: هاتان المسألتان وإن ذُكرتا في أبواب الفقه، إلَّا أن لهما تعلق عقدي متين، فكلاهما متعلق بتوحيد العبادة لله تعالى، وهو المسمى بـ "توحيد الألوهية"، وهذا ولا شك من أهم أبواب الاعتقاد.
ويدل على ذلك أن الأصل الذي كانت عليه زيارة القبور التحريم، كما تقدَّم في حديث النَّبِيّ - ﷺ -، وكان هذا متعلقًا بأهم مسائل العقيدة، وهي الاستعانة بغير الله تعالى، أو الاعتقاد في الموتى، ولذلك - ولأجل أن المسلمين آنذاك كانوا حديثي إسلام - نهى النَّبِيّ - ﷺ - عن زيارة القبور سدًّا للذرائع المفضية إلى ما كانوا عليه في الجاهلية، أو ما وقع لقوم نوح من عبادة الصالحين، واتخاذ النصارى قبور أنبيائهم مساجد، فلما تمكَّن الإسلام في قلوبهم،
[ ٧٤ ]
وصفت نفوسهم بصفاء العقيدة الصحيحة، نُسخ النهي واستقر الأمر على الإباحة، ولكن للتذكير والاعتبار، لا للدعاء عندها أو العبادة، أو للتاليه والإكبار كما يروِّج له المؤلف.
ومن هنا إذا قيل: إن هذه المسألة - أي مسألة شد الرحال للزيارة - مسألة عقدية، لَمْ يكن ثمة مبالغة، بل كان سبكها ضمن مسائل الاعتقاد أولى.
ونزيد فنقول:
إن هذه المسألة، لَمْ تُبحث ضمن أبواب الاعتقاد في القرون المتقدمة لأنها لَمْ يكن لها واقع يُعرف، ولا عمل بها مُبْتَدعَ كما هو الحال في القرون المتأخرة، ولذلك لا تجد كبير كلام للأئمة المتقدمين فيها، وإنما كان البحث جاريًا بينهم في زيارة القبور وحكمها، والتفريق فيها بين الرجال والنساء، ولذلك أوردوها ضمن أبواب الفقه، وأما المسألة المتكلم فيها الآن، والتي هي قيد البحث إنما هي مسألة شد الرحل وإعمال المطي للزيارة، فليُعلم أنه لا يُشد رحل، ولا تُعمل المطي لزيارة شيء إلَّا لتعظيمه وتاليهه، وهذا هو ما ورد النهي عنه كما سوف يأتي ذكره في الأدلة إن شاء الله تعالى.
وأما مسألة التوسل؛ كان كان ثمة خلاف فيها، إلَّا أن الخلاف
[ ٧٥ ]
الوارد فيها ليس بمدعاة لالتزام ما يوافق الهوي، بل قد تكون المسألة مما اختلف فيها الصحابة، إلَّا أنَّها ثابتة على أصل واحد صحيح، فمتى ترجح هذا الأصل، فلا يجوز الحياد عنه بحجة ورود الخلاف فيه، فثبوت الخلاف لا يقتضي الاختلاف.
وأما التوسل؛ فالمستقر عند الصحابة أنه يكون بالدعاء، كما سوف يأتي بيانه في قسم الأدلة، وأما الإقسام على الله بجاه المخلوقين فمما لا يسوغ القول به، ولا صدر عن أحد من السلف ما يؤيده، فإنه لا يجوز الحلف بغير الله تعالى مطلقًا، لورود الزجر عن ذلك.
فلما أصبحت هاتان المسألتان من متعلقات بعض أهل الأهواء والبدع كالقبوريين وجهلة الصوفية، فتزيَّدوا فيهما أيما تزيد، حتى بلغ بهم تقبيل أعتاب القبور، والتزام مقامات الأولياء، والاستغائة بهم، والنذر لهم، والذبح لهم وعندهم، كما هو مشاهد في كثير من المواطن والبلاد، لما أصبح الأمر كذلك أدرج العلماء هاتين المسألتين في مسائل الاعتقاد لتعلقهما بها، وليس هذا ببدعة من الفعل.
فقد أورد علماء السلف وأئمة الدين ذكر تحريم نكاح المتعة، والمسح على الخفين ضمن مسائل الاعتقاد لما أصبحت هاتان المسألتان
[ ٧٦ ]
من شعار بعض الفرق المبتدعة الضالة، مع أن ثمة خلافًا في مسألة المتعة مشهور غير خاف على المشتغلين بالعلم، إلَّا أن ورود الخلاف لا محل له في العذر بمخالفة ما ثبت عن النَّبِيّ - ﷺ -.
فسبب الخلاف في القدريم عدم وصول الدليل إلى من خالفه، وأما اليوم فمثل هذا السبب غالبًا ما يكون منقطعًا، لأنَّ مسائل الدين قد بُسط فيها البحث أيما بسط، وأدلة الأحكام قد جُمعت جمعًا لا يُبقي حجة للجاهل، والترجيح في مسائل الخلاف مبسوط في كتب الفقه على المذاهب الأربعة، وغير الأربعة.
ثم إن ابن بطة وهو من أئمة العلماء، ومن المقدَّمين في الفتوى عند الحنابلة قد نبَّه على بدعية شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة في كتابه "الإبانة الصغرى" كما تقدَّم الإشارة إليه في فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -، وهذا مقتضاه أنَّها من مسائل الاعتقاد عنده، والله أعلم.
* * *
[ ٧٧ ]