حكم زيارة قبر النبي - ﷺ - ومذهب شيخ الإسلام في هذه المسألة وذكر من وافقه من أهل العلم المتقدِّمين
هذه المسألة من أعظم المسائل التي شُنِّع بها على شيخ الإسلام - ﵀ - من أعدائه، ليس في عصره فحسب، بل وفي كل عصر أتى بعده، ولكن سبحان من أقر فتواه في هذه المسألة في قلوب العلماء وطلاب العلم وعوام المسلمين ممن يلتزم بالسنة والصلاح، في كل عصر ومِصر، لا سيما في هذا العصر، كما أقر فتواه في تعليق الطلاق بشرط في أقضية المسلمين اليوم، بحيث جُعلت حكمًا ثابتًا يتحاكم إليه المفتون في غالب دول الإسلام.
وكما قيل: فإن الحق منصور وممتحن.
فلا يلزم من امتحان شيخ الإسلام في حياته، وحبسه، ووفاته - ﵀ - وهو على هذه الحال أن يكون قد مات مخذولًا، كلا بل قد أعلى الله شأنه وكلمته وفتاويه وعلمه بما لم يُعل به شأن من عاداه وناوأه من أهل الباطل، فإن الباطل وإن علا واستفحل ممحوق.
وأما هذه المسألة التي نحن بصدد تحقيق القول فيها؛
فإن شيخ الإسلام - ﵀ - لم يمنع من زيارة القبر النبي
[ ٣٠ ]
- ﷺ - كما يروِّج له أعداؤه، بل هو - ﵀ - يرى أن قبره الشريف - ﷺ - أفضل القبور على وجه الأرض وأشرفها، ويرى جواز زيارة القبر النبوي الشريف، وأن يتخلق في ذلك بأفضل الأخلاق، ويتأدب بأحسن الأدب وأرفعه، إلا أنه - ﵀ - إنما أجاز ذلك بشرط أن لا تُعمل المطي، ولا تُشد الرحال بنية زيارة القبر، بل تُشد الرحال بنية الذهاب إلى المدينة النبوية وزيارة المسجد النبوي الشريف، وكذلك فلا تكون زيارة القبر لأجل العبادة عنده، أو اعتقاد أن الدعاء عنده مستجاب، أو أن العبادة عنده أفضل من العبادة عند غيره.
وقد بيَّن ذلك جليًّا، فقال - ﵀ - في "اقتضاء الصراط المستقيم" (٢/ ٦٦٢):
"قبر رسول الله - ﷺ - أفضل قبر على وجه الأرض، وقد نهي عن اتخاذه عيدًا، فقبر غيره أولى بالنهي كائنًا من كان".
وقال (٢/ ٧٧٢):
"ولم يثبت عن النبي - ﷺ - حديث واحد في زيارة قبر مخصوص ولا روى أحد في ذلك شيئًا، لا أهل الصحيح، ولا السنن، ولا الأئمة المصنفون في المسند كالإمام أحمد، وغيره، وإنما روى ذلك من جمع الموضوع وغيره".
قلت: وقوله هذا - ﵀ - لم يقصد به العيب على هؤلاء الأنبياء والصالحين كما ادعى أعداؤه، ولا قصد به نفي كرامة الله
[ ٣١ ]
ورحمته عن قبورهم، وإنما قصد به بيان أن حصول الكرامة لا يقتضي تعظيم الخلق لها بما هو خارج عن الشريعة من شد الرحال إليها، وقصدها لأجل عبادة الله تعالى عندها.
قال - ﵀ - (٢/ ٧٣٦):
"وما في قبور الأنبياء والصالحين من كرامة الله ورحمته، وما لها عند الله من الحرمة والكرامة فوق ما يتوهمه أكثر الخلق، لكن ليس هذا موضع تفصيل ذلك، وكل هذا لا يقتضي استحباب الصلاة، أو قصد الدعاء أو النسك عندها، لما في قصد العبادات عندها من المفاسد التي علمها الشارع".
قلت: وشيخ الإسلام - ﵀ - لم يخالف بذلك أئمة أهل العلم ممن تقدَّمه بل وافق كثيرًا منهم، وقد أكثر من ذكرهم في مصنفاته، تنبيهًا على أنه لم يتفرد بمثل هذا الرأي، وبيَّن أن الخلاف إنما اشتهر في هذه المسألة من قِبل المتأخرين أمثال الغزَّالي، وأبو الحسن بن عبدوس الحرَّاني، وأبو محمد المقدسي - ﵏ -.
قال شيخ الإسلام (٢/ ٦٧٢):
"وما علمته منقولًا عن أحد من المتقدمين".
قلت: بل الظاهر من مذهب مالك - ﵀ - يؤيد قول شيخ الإسلام من المنع من شد الرحل بالزيارة.
قال القاضي عياض - ﵀ - في "الشفا" (٢/ ٦٦٧):
[ ٣٢ ]
"وكره مالك أن يُقال: زُرنا قبر النبي - ﷺ -
والأولى عندي أنه منعه وكراهة مالك له لإضافته إلى قبر النبي - ﷺ -، وأنه لو قال: زُرت النبي - ﷺ - لم يكرهه، لقوله - ﷺ -: اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد بعدي، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، فحمى إضافة هذا اللفظ إلى القبر والتشبه بفعل أولئك، قطعًا للذريعة".
قلت: فإن أضيف إلى ذلك شد الرحال إلى القبر كانت الكراهة عنده أشد بلا شك.
وقد نقل عن إسحاق بن إبراهيم الفقيه ما يؤيد ذلك.
قال (٢/ ٦٦٩):
"قال إسحاق بن إبراهيم الفقيه: ومما لم يزل من شأن من حج المرور بالمدينة، والقصد إلى الصلاة في مسجد رسول الله - ﷺ -، والتبرك برؤية روضته ومنبره وقبره ومجلسه وملامس يديه ومواطئ قدمه، والعمود الذي كان يستند إليه، وينزل جبريل بالوحي فيه عليه، وبمن عمَّره وقصده من الصحابة وأئمة المسلمين، والاعتبار بذلك كله".
فانظر كيف أنه كان مستقرًا عند أهل العلم تقديم شد الرحل إلى المدينة لزيارة المسجد والصلاة فيه، ثم التسليم على النبي - ﷺ -.
وهذا يؤيده ما نقله القاضي عياض (٢/ ٦٧٧) عن العتبية:
[ ٣٣ ]
"يبدأ بالركوع قبل السلام في مسجد النبي - ﷺ -".
وذلك لأن المستقر عندهم هو قصد المسجد لا القبر، فقُدِّمت تحية المسجد، ثم قُرن بزيارة القبر، فورد بعدها الصلاة والتسليم على النبي - ﷺ -.
فهذا هو عين الاعتدال، لا الابتداع في دين الله والتشدد.
ونقل القاضي إسماعيل في "المبسوط" - كما في "مجموع الفتاوى" (١/ ٣٠٤):
أن الإمام مالك - ﵀ - سئل عن رجل نذر أن يأتي قبر النبي - ﷺ -، فقال:
إن كان أراد القبر فلا يأته، وإن أراد المسجد فليأته، ثم ذكر الحديث:
"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ".
ثم وجدت عن الإمام أحمد - ﵀ - ما يدل على ذلك.
فقد نقل ابن عبد الهادي - ﵀ - (ص: ١٢٦) من منسك المرُّوذي، عن الإمام أحمد، قال:
"ثم ائت الروضة، وهي بين القبر والمنبر، فصلِّ فيها وادع بما شئت، ثم ائت قبر النبي - ﷺ -، فقل: السلام عليك يا رسول الله - ﷺ - ورحمة الله وبركاته ".
فهذا يؤيد ما تِقدَّم من استقرار العمل عندهم على أن القصد
[ ٣٤ ]
يكون للمسجد، ثم يُقرن به زيارة القبر النبوي الشريف (١).
قلت: وهذا هو قول إمام السنة في عصره أبو عبد الله بن بطة وقد صرح بأن شد الرحل لأجل القبور بدعة - رحمه الله تعالى -.
ففي صورة لجواب شيخ الإسلام عن فتوى في مسألة شد الرحال للزيارة - نقلها ابن عبد الهادي في "العقود الدرية" (ص: ٢٢٢) - قال:
"وأما السفر إلى بقعة غير المساجد الثلاثة، فلم يوجب أحد من العلماء السفر إليه إذا نذره، حتى نص العلماء على أنه لا يُسافر إلى مسجد قباء لأنه ليس من المساجد الثلاثة، مع أن مسجد قباء يُستحب زيارته لمن كان في المدينة، لأن ذلك ليس بشد رحل، كما في الحديث الصحيح:
"من تطهَّر في بيته، ثم أتى مسجد قباء، لا يريد إلا الصلاة فيه كان كعمرة".
قالوا: ولأن السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعة، لم يفعلها أحد من الصحابة ولا التابعين، ولا أمر بها رسول الله - ﷺ -، ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين، فمن اعتقد ذلك عبادة وفعله، فهو مخالف للسنة ولإجماع الأئمة.
_________________
(١) ومنسك المرُّوذي وإن كان في نسبته إلي الإمام أحمد نظر كما سوف يأتي بيانه في آخر الكتاب، إلا أن المؤلف قد احتج بما ورد فيه لإثبات إجازة التوسل عن الإمام أحمد، فهذا من باب إلزامه بما احتج به.
[ ٣٥ ]
وهذا مما ذكره أبو عبد الله بن بطة في "الإبانة" الصغرى من البدع المخالفة للسنة والإجماع".
قلت: وهذا القول أيضًا هو قول أبو محمد الجويني من الشافعية، وأبو الوفاء ابن عقيل من كبار الحنابلة، والقاضي عياض من المالكية.
فقد نقل ابن عبد الهادي في "العقود الدرية" (ص: ٢٣٣) عن صورة من فتوى العلامة جمال الدين يوسف بن عبد المحمود بن عبد السلام ابن البتي الحنبلي، ما نصه:
"وممن قال بحرمته: المثميخ الإمام أبو محمد الجويني من الشافعية، والشيخ أبو الوفاء ابن عقيل من الحنابلة، وهو الذي أشار القاضي عياض من المالكية إلي اختياره، وما جاء من الأحاديث في استحباب زيارة القبور فمحمول على ما لم يكن فيه شد رحل، وإعمال مطيٍّ، جمعًا بينهما".
وقال النووي في "شرح صحيح مسلم" (٥/ ١١٠):
"اختلف العلماء في شد الرحال وإعمال المطي إلى غير المساجد الثلاثة، كالذهاب إلى قبور الصالحين، وإلى المواضع الفاضلة، ونحو ذلك، فقال الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا: هو حرام، وهو الذي أشار القاضي عياض إلى اختياره".
قلت: عبارة القاضي عياض في "إكمال المعلم شرح مسلم"
[ ٣٦ ]
(٤/ ٤٤٩):
"وقوله: (لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) الحديث: فيه تعظيم هذه المساجد، وخصوصها بشد الرحال إليها، لأنها مساجد الأنبياء، ولفضل الصلاة فيها، وتضعيف أجرها، ولزوم ذلك لمن نذره، بخلاف غيرها مما لا يلزم ولا يُباح بشد الرحال إليها إلا لناذر، ولا لمتطوع لهذا النهي".
قلت: وهذا هو ظاهر كلام الإمام علاء الدين بن العطار - ﵀ - قال في كتابه "زيارة القبور" (ص: ١٨):
"هذه الأحاديث من فعله - ﷺ - وأمره وتعليله دالة على زيارة قبر المفضول، فكيف بزيارة قبر الفاضل، فكيف بزيارة قبره - ﷺ -، لكن للاعتبار والتذكار، لا للتآله والإكبار، ولهذا قال: (لا تجعلوا قبري وثنًا)، و(لا تجعلوا قبري عيدًا) ".
ثم وجدت ما يدل أيضًا على أنه ظاهر مذهب الشافعي - ﵀ -.
فقد نقل النووي في "شرح مسلم" (٢/ ٦٣٢) عن الإمام الشافعي قوله:
"وأكره أن يُعظَّم مخلوق حتى يُجعل قبره مسجدًا مخافة الفتنة عليه، وعلى من بعده من الناس".
وقد خالف ابن كج الشافعي فألزم الناذر لزيارة قبر النبي - ﷺ -
[ ٣٧ ]
بالوفاء بنذره، وقد تمسك المؤلف بهذا القول المخالف للمذهب، واحتج به كعادته في الاحتجاج بالغرائب (ص: ١٠٧) الحاشية.
وقد أُنكر على ابن كج هذا القول، فقال ابن الكتبي الشافعي -
فيما نقله ابن عبد الهادي في "العقود الدرية" (ص: ٢٢٩) -:
"لكن القاضي ابن كج - من متأخري أصحابنا - ذكر أن نذر هه الزيارة عنده قربة تلزم ناذرها.
وهو منفرد به، لا يساعده في ذلك نقل صريح ولا قياس صحيح".
فإذا علمت ما تقدَّم فلا يهولنك عبارة المؤلف التي قدَّم بها لكتابه (ص: ٧) حيث قال:
(وأما المقصود في مسألة الزيارة فهو إثبات إطباق علماء الأمة على استحباب أو وجوب زيارة المصطفى - ﷺ - بشد رحل أو بدونه، وأن من قال بتحريم الزيارة المستوجبة لشد الرحل قد ابتدع وخالف النصوص الصريحة، وإطباق فقهاء مذهبه فضلًا عن المذاهب الأخرى).
فهي دعوى عارية عن الصحة بالنقل الذي تقدَّم، وبالنقل الذي أورده، وإنما أورد المؤلف تفاريقًا من النقول عن بعض المتأخرين، وأنا أذكرها للقارئ الكريم حتى يتبين أي إطباق هذا الذي عناه به المؤلف.
فمن نقل عنهم جواز ذلك، هم:
[ ٣٨ ]
(١) الإمام النووي.
(٢) الكمال ابن الهمام.
(٣) الملا علي القاري.
(٤) القاضي عياض.
وقد عمَّى المؤلف بكلام مجمل على أن هذا مذهبه، وقد تقدَّم النقل عنه بنصه أنه لا يباح، وأيده نقل النووي عنه.
(٥) العلامة الدردير.
وكلامه - أيضًا - مجمل، وعبارته التي نقلها عنه:
"وندب زيارة النبي - ﷺ - وهي من أعظم القربات".
ولا نحن ولا شيخ الإسلام نخالف في ذلك، وإنما الخلاف في شد الرحل بالزيارة، فلا يجوز اعتبار مثل هذه العبارة الموهمة لإثبات إطباق الأمة المزعوم! !
(٦) أبو محمد بن قدامة المقدسي.
(٧) أبو الفرج ابن قدامة الحنبلي.
وكلاهما احتجا ببعض الأحاديث الضعيفة التي سوف يأتي تخريجها في الباب الثاني.
ومنها: "من زار قبري وجبت له شفاعتي"، و"من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي".
(٨) الشيخ منصور ألبهوتي.
[ ٣٩ ]
(٩) أبو الحسن المرداوي.
ونقل عنه قوله:
"قوله: فإذا فرغ من الحج استحب له زيارة قبر النبي - ﷺ - وقبر صاحبيه، هذا المذهب وعليه الأصحاب قاطبة متقدمهم ومتأخرهم".
قلت: إن قصد بشد الزيارة إليه ففيه خلاف، لا سيما وقد تقدَّم عن ابن بطة وهو من المعتمدين عند الحنابلة أيما اعتماد خلاف ذلك، وعد ذلك بدعة، وإن قصد زيارته لن قصد المدينة لأجل فضل شد الرحال إلى المسجد النبوي فصحيح، لا خلاف فيه.
فهؤلاء هم من ذكرهم المؤلف وعنى بهم إطباق الأمة، مع أن النووي قد أثبت الخلاف في المسألة، وهو أول من نقل عنه المؤلف، إلا أنه لم يعتبر بذلك، بل ادعى الإطباق المزعوم، وقد تقدَّم عن مالك، وعن الشافعي، وعن علاء الدين بن العطار، وعن أبي محمد الجويني، وعن القاضي عياض، وعن ابن عقيل ما يؤيد قول شيخ الإسلام - ﵀ -.
وغالب ما أورده من العبارات في حق مطلق الزيارة كما تقدَّم، ولا منع منها، وإنما المنع من شد الرحال بنية قصد القبر، بخلاف ما أوهم به المؤلف، وما توهمه جماعة من الفقهاء على ابن تيمية - ﵀ -، وقد تنبه لمثل هذا ابن عابدين، فقال في "رد المحتار" (٤/ ٥٣):
[ ٤٠ ]
"وما نُسب إلى الحافظ ابن تيمية الحنبلي من أنه يقول بالنهي عنها، فقد قال بعض العلماء: إنه لا أصل له، وإنما يقول بالنهي عن شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة، أما نفس الزيارة فلا يخالف فيها كزيارة سائر القبور".
وقد صرَّح ابن عابدين في موضع آخر أنه ليس لكبار الحنفية في هذه المسألة كلام، فقال (٣/ ١٥٠) عقب أن ذكر الرواية: أن النبي - ﷺ - كان يأتي قبور الشهداء بأحد على رأس كل حول :
"استفيد منه ندب الزيارة وإن بعد محلها، وهل تُندب الرحلة لها كما اعتيد من الرحلة إلى زيارة خليل الرحمن وأهله وأولاده، وزيارة السيد البدوي وغيره من الأكابر الكرام؟ لم أر من صرَّح به من أئمتنا، ومنع منه بعض أثمة الشافعية إلا لزيارته - ﷺ -".
فلا أدري أي إجماع عناه المؤلف؟ ! !
وأمر أخير ينبغي التنبيه عليه، وهو:
أن شيخ الإسلام - ﵀ - لم يذهب إلى مطلق تحريم الدعاء عند قبر النبي - ﷺ -، وإنما ذهب إلى أن تحري الدعاء عند القبر مع اعتقاد استحباب ذلك، لم يرد به دليل صحيح.
قال - ﵀ - في "الاقتضاء" (٢/ ٧٢١):
"الدعاء عند القبر لا يُكره مطلقًا، بل يؤمر به، كما جاءت به السنة فيما تقدَّم ضمنًا وتبعًا، وإنما المكروه أن يُتحرى المجيء إلى القبر
[ ٤١ ]
للدعاء عنده".
وقال (٢/ ٧٢٨):
"وما أحفظ - لا عن صاحب، ولا عن تابع، ولا عن إمام معروف - أنه استحب قصد شيء من القبور للدعاء عنده، ولا روى أحد في ذلك شيئًا، لا عن النبي - ﷺ -، ولا عن الصحابة، ولا عن أحد من الأئمة المعروفين.
وقد صنَّف الناس في الدعاء وأوقاته وأمكنته، فما ذكر أحد منهم في فضل الدعاء عند شيء من القبور حرفًا واحدًا - فيما أعلم - فكيف يجوز والحالة هذه أن يكون الدعاء عندها أجوب وأفضل، والسلف تنكره ولا تعرفه، وتنهى عنه، ولا تأمر به.
نعم صار من نحو المائة الثالثة يوجد متفرقًا في كلام بعض الناس: فلان تُرجى الإجابة عند قبره، وفلان يُدعى عند قبره، ونحو ذلك.
والإنكار على من يقول ويأمر به كائنًا من كان، فإن أحسن أحواله أن يكون مجتهدًا في هذه المسألة، أو مقلدًا فيعفو الله عنه، أما أن هذا الذي قاله يقتضي استحباب ذلك، فلا".
قلت: لأن التوقيف لم يرد بمثل هذا، بل ورد بخلافه، ولا يُعرف عن أحد من السلف أنه دعا الله أو عبده سبحانه عند قبر نبي أو صالح، ولو كان ذلك كذلك، لكان النبي - ﷺ - أولى الناس بذلك،
[ ٤٢ ]
ولما لم يرد عن الصحابة ما يدل على ذلك تبين أنه لا يصح، وأنه غير جائز، بل هو من المحدثات والبدع في الدين التي قد تكون ذريعة إلى الإشراك بالله تعالى كما حدث مع قوم نوح ﵇.
[ ٤٣ ]