قال المؤلف (ص: ٥٩):
(إِن أبا بكر الجزائري قد اعتمد على نفسه، فزاد الطين بلة، وكفَّر قسطًا وافرًا من المسلمين، فقال ما نصه:
"إن دعاء الصالحين، والاستغاثة بهم، والتوسل بجاههم لم يكن في دين الله تعالى قربة ولا عملًا صالحًا فيتوسل به أبدًا، وإنما كان شركًا في عبادة الله محرمًا يخرج فاعله من الدين، ويوجب له الخلود
[ ٣٣٣ ]
في جهنم" انتهى بحروفه من كتابه "عقيدة المؤمن" (ص: ١٤٤).
والصحيح أن المؤمن لا يعتقد ذلك في إخوانه المؤمنين الذين يعتقدون ألا مؤثر إلا الله جل وعز، وغاية عملهم أنهم علموا منزلة النبي - ﷺ - عند ربه فتوسلوا به، واتبعوا الأدلة الصحيحة، وقد تأسوا في ذلك بالصحابة رضوان الله عليهم.
وقد أخطأ أبو بكر الجزائري، فكفَّر عباد الله الصالحين، وهذا التكفير الجزاف لا ارتباط له بكتاب أو سنة، ولا بما عليه السواد الأعظم، ولم يقل ذو عقل ودين بمقولته الفاسدة إِلا من كان على رأي الخوارج، نسأل الله العافية.
وللأسف قد طبعَ كتابه مرات، وليتأمل القارئ المنصف كم من المسلمين فُتنوا بهذا الباطل).
قلت: هذا تمويه واضح من المؤلف، فإن الشيخ الجزائري حفظه الله تعالى إنما خص الحكم بالتكفير بمن أشرك مع الله تعالى في الدعاء والاستغاثة، أو بمن دعا غير الله تعالى، أو استغاث بغير الله تعالى، وهذا كله عند أهل العلم من الشرك البيِّن، وهو منتشر انتشارًا كبيرًا لا سيما عند قبور الصالحين والأولياء ومن يعتقد فيهم العامة وإن كانوا من أهل الفساد والريب، بل ومنهم من يعتقد في هؤلاء أن لهم القدرة على تسيير بعض شئون الكون، فضلًا عن إبراء
[ ٣٣٤ ]
المرضى، وإعادة الضائع، وإرشاد الضال، وغيرها من الأمور.
وكلام الجزائري - حفظه الله - مختص بهؤلاء، وأما ذكره التوسل ضمن كلامه، فلا يدل على أنه يذهب إلى وصف من يعتقد جواز التوسل بالصالحين من غير دعاء لهم أو استغاثة بهم إلى الكفر من وجهين:
الأول: أنه عطف التوسل بـ "واو العطف" على ما قبلها من دعاء الصالحين، والاستغاثة بهم، فهذا ظاهر أنه أراد بذلك مجموع تلك الأفعال معًا، لا كل فعل على وجه الخصوص، ومن ثمَّ فهذا محمول على دعاء غير الله تعالى المشوب بالتوسل الذي يعتقد فيه صاحبه تأثير المتوسل به في الأسباب، وأنه قادر على النفع والضر.
ثم وجدت عنه - حفظه الله - ما يؤيد ذلك، فقد بيَّن في كتاب آخر أن التوسل عنده الذي يُحكم على صاحبه بالكفر هو دعاء غير الله تعالى، والاستغاثة بهم، ولا خلاف بين أهل العلم على كفر من عبد غير الله، أو صرف أي نوع من العبادة إلى غيره تعالى.
قال الشيخ أبو بكر الجزائري في كتابه "وجاءوا يركضون مهلًا يا دعاة الضلالة" (ص: ٧٤):
"كان سلف الأمة الصالح، نبيها وصحابته وتابعوهم وتابعو تابعيهم بإحسان كل يتوسل إلى الله تعالى في قضاء حوائجه من جلب خير، أو دفع ضر بإيمانه، وعمله الصالح، وذلك إلى أن
[ ٣٣٥ ]
جاء عصر الفتن، ونجم قرن التصوف، يحمل رايته غلاة الباطنية والزنادقة، ومشايخ الطرق، فأحدثوا في التوسل إِلى الله تعالى بدعًا وضلالات كادوا يقضون بها على روح الإسلام، فعبدوا الأولياء بذبح القربات، والنذر لهم والاستغاثة بهم، والاستشفاع والتبرك بأضرحتهم".
فأطلق التوسل على هذه العبادات الشركية، وهو محتمل، لعموم لفظ التوسل، فهو يُطلق على كل ما يتقرَّب به العبد إلى ربه.
الثاني: باعتبار أن هذه الأشياء الثلاثة قد ذكرها الشيخ أبو بكر الجزائري كلًّا على وجه الخصوص، منفردًا، فلا يلزم أن يكون كل هذه الثلاثة قد أُشربت هذا الحكم، بل يجوز أن لا يُشرب أحدها هذا الحكم.
كما في قوله تعالى:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠].
والجمهور قد استدلوا بهذه الآية على نجاسة الخمر، مع أن ثمة أنواع أخرى قد ذُكرت معها، ليس لها نفس الحكم من حيث الطهورية والنجاسة، وإنما تنصرف النجاسة في حقها إلى النجاسة المعنوية، وروى ابن جرير في "التفسير" (١٠/ ٥٦٥) بسند صحيح
[ ٣٣٦ ]
عن ابن زيد - ﵀ - قال:
﴿رِجْسٌ﴾: الشر.
وليعلم القارئ الكريم أن صنيع المؤلف من كيل الاتهامات للشيخ أبي بكر الجزائري لم يكن عن غيرةٍ على السنة، وإنما عن حقد دفين قديم، بين شيخه الغماري وبين أبي بكر الجزائري أيده الله، منذ عشرات السنوات لما هب الشيخ أبو بكر الجزائري بالرد على جماعة من القبوريين الذين ألفوا مؤلفًا يروجون به ضلالاتهم على عوام الناس، وقاموا بتوزيعه، وانظر تمام هذه القصة بقلم الشيخ الجزائري - ﵀ - في كتابه:
"وجاءوا يركضون مهلًا يا دعاة الضلالة".
فكان ماذا؟ ! قام الغماري بالأخذ بيد هؤلاء القبوريين، وقدَّم لهم، ومما جاء في تقديمه - كما ورد في الكتاب المذكور (ص: ٨٨) -: "قد وقفت على كتابك "إعلام النبيل بما في شرح الجزائري من التلبيس والتضليل" فوجدته قد أحكم الرد، وأتقن النقض لتلك الوريقات التافهة التي نشرها، وأضاع بها الوقت والمال أبو بكر جابر الجزائري في الرد على فضيل العلَّامة المتقن الشريف الدكتور محمد بن علي المالكي".
هل تعلم أيها القارئ الكريم ماذا حوى هذا الكتاب الذي قرَّظه وقدَّم له الغماري شيخ المؤلف؟ ! !
[ ٣٣٧ ]
قد حوى الدعوة إلى دعاء غير الله، والاستغاثة بالأولياء والصالحين، وطلب الدعاء منهم، والاستغفار لهم.
قد حوى الرد على الشيخ الجزائري في رده لقول البكري: "فأنت باب الله"، وحوى الرد على الجزائري في إنكاره قصيدة البكري التي ورد فيها:
فَلُذْ به من كل ما تشتكي فهو شفيع وأينا يقبل
وناده إن أزمة أنشبت أظـ ـفارها واستحكم المعضل
فلا يهولنك أيها القارئ الكريم ما يروِّجه المؤلف من عبارة أن التوسل فيه خلاف مشهور، فليس هذا التوسل الذي يرومه القوم هو الذي فيه الخلاف، إن صح الخلاف!! فتوسل القوم أصله دعاء غير الله تعالى، والاستغاثة بالأموات، وغيرهم، فالله الله ما أعظم البلية بمثل هذه التدليسات والتمويهات.
ولكن هل اقتصر المؤلف على الطعن في الشيخ الجزائري، لا بل تعداه إلى أئمة مشايخ السلفيين من أهل السنة والجماعة، ووجَّه حرابه المسمومة إليهم، يظن بذلك أن يغتالهم، كلا والله، فإن حراب الباطل زاهقة، وصدور المؤمنين عامرة بالإيمان قوية به لا تنشب فيها رماح الباطل أبدًا.