إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
صلى الله عليه، وعلى آله، وصحبه وسلم.
"أما بعد":
فإن من أعظم القربات إلى الله تعالى إسداء المسلمين النصح لبعضهم البعض، بعيدًا عن الفجاجة والتعيير، والشتم والتنفير، إعمالًا لحديث النبي - ﷺ -: "الدين النصيحة"، قيل: لمن؟ قال: "لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم". (١)
فإذا كان هذا واجبًا بين عموم المسلمين باعتبار نصوص أخرى تفيد هذا الحكم، فهو أوجب بين المنتسبين إلى العلم، والباحثين في أبوابه ومسائله.
إلا أننا نرى اليوم العجب العجاب من تطاول ناشئة الطلاب على
_________________
(١) أخرجه مسلم (١/ ٧٤)، وأبو داود (٤٩٤٤)، والنسائي (٧/ ١٥٧) من حديث تميم الداري - ﵁ -.
[ ٥ ]
كبار الأئمة والعلماء والحفاظ، ووصفهم بأوصاف الازدراء، ورميهم بالجهل والضلال، وتتبع زلاتهم، لأجل التشنيع عليهم، والحط من قدرهم، بعبارات أساسها التحريف، وقوامها التدليس.
مع أن كتب العلم الذي يَنْسِبُون أنفسهم إليه لا تخلو من مباحث في فقه الخلاف، وأدب الاعتراض.
وقد شاعت اليوم وانتشرت ظاهرة التضليل، والتجهيل، والتطاول على أهل العلم، لا سيما أهل السنة والجماعة، ويا ليتها تكون بحوثًا علمية يُنتفع بها، أو مساجلات فقهية أو عقدية يُرجع إليها، ولكنها لا تعدوا كونها نقولًا محرَّفة، أو مذاهب مرجوحة، أو أقوالًا مطروحة، يُحشد لها خيول الأحاديث الساقطة، وركاب الأخبار الواهية.
وبعد
فقد رأيت كتابًا لأحد الباحثين (١) تناول فيه مسألة التوسل
_________________
(١) وهذا الباحث المشار إليه هو ذاك المدعو: محمود سعيد ممدوح، وكتابه المومأ إليه هو كتاب: "رفع المنارة لتخريج أحاديث التوسل والزيارة"، وله عدة مصنفات أخرى سار فيها على نفس منهجه في هذا الكتاب، من كيل السباب للأئمة الأعلام، لا سيما الشيخ الألباني حفظه الله، فبعد أن كان متخرجًا على كتبه، واصفًا له بالعلم والإمامة والتقدُّم، عاد ذامًا له، لا يخلو كتاب من كتبه من التعرض للشيخ حفظه الله، وانظر ما خطه هو بيمينه في الثناء عليه، والتقديم له على غيره في مقدمة كتاب "آداب الزفاف" للشيخ الألباني.
[ ٦ ]
والزيارة بالدراسة، من تخريج الأحاديث والآثار التي وردت فيهما بالجواز، وتقرير مذهب بعض أهل العلم ممن يقولون بجواز ذلك.
ويا ليت مؤلفه أراد الإنصاف والمساجلة العلمية، وإنما كان ديدنه كيل السباب والاتهام لأئمة أهل السنة والجماعة وعلمائهم، لا سيما المعاصرين منهم.
فأطلق اللسان في شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن عبد الهادي، ومجدد عصره الشيخ محمد بن عبد الوهاب - ﵏ أجمعين -.
وزاد فأطلق اللسان في الشيخ الجليل، والعالم الرباني، علَّامة العصر الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز - رحمه الله تعالى -، ومحدِّث المدينة النبوية والديار السعودية الشيخ حماد الأنصاري - ﵀ -، والشيخ الرباني محمد الصالح العثيمين، ومحدِّث العصر الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، والشيخ صالح الفوزان، وأبي بكر الجزائري - حفظهم الله أجمعين -.
بل زاد في التحريف: أن نسب إلى بعضهم القول بتكفير المسلمين والعياذ بالله.
ومع أن الباحث المومأ إليه قد قرر في أول كتابه أن مسألة التوسل من مسائل الفقه، وأنها من المسائل المختلف فيها، وعبارته التي نقضها باتهام العلماء، كما وردت في كتابه:
[ ٧ ]
"أن الخلاف في مسألة التوسل هو خلاف في الفروع، ومثله لا يصح أن يُشَنع به أخ على أخيه، أو يعيبه به".
إلا أنه لم يلتزم بهذا القول في كتابه، بل التزم فيه خلاف ما سطره العلماء في أدب الخلاف.
فلم يكن من أمره في حق العلماء إلا ما ذكرت، بل زاد في الأمر ووصف جماعة من أئمة أهل السنة كالإمام أحمد وغيره بأنهم نواصب، وذلك لأنهم اتفقوا على جرح عطية العوفي.
هذا بخلاف ما تبناه من الغالطة والتدليس، وليِّ ألفاظ الجرح والتعديل الواردة عن العلماء أئمة الدين بما يتناسب مع ما يؤيد هواه من تعديل أو تجريح.
فكم من راوٍ اتفقت كلمات العلماء على تجريحه، وإسقاط الاحتجاج بحديثه كعطية العوفي، وعبد الله العمري، وروح بن صلاح، فيبادر هو بالاحتجاج بما لا يحسن الاحتجاج به عند أهل العلم من توثيق المتساهلين في التعديل كابن حبان، وابن عدي، والعجلي، ويرد الجروح المفسرة بمثل هذه التعديلات.
بل تراه يبتدع ويُحدث منهاجًا جديدًا في التوثيق، فكلما وردت عبارة عن إمام في المقارنة بين ثقة وضعيف، احتج بهذه المقارنة على توثيق الضعيف.
وأما بتر عبارات العلماء في الجرح والتعديل فلن تخفى عن
[ ٨ ]
القاريء الكرريم، ولها أمثلة كثيرة قد ذكرناها في ثنايا الكتاب.
وكذلك اضطرابه في وصف العلماء تارة بالتحقيق إن ورد عن أحدهم ما يؤيد قوله، وإن كان مخالفًا لقول الجمهور، وتارة بالسرف والمبالغة والتشنيع، إن خالف حكمهم حكمه.
ومن ذلك أيضًا مخالفته لذهب الأئمة المتأخرين في التقوية، وخروجه في ذلك عن تقوية الحديث الحتمل الضعف بمثيله، إلى التقوية بالأحاديث شديدة الضعف بعضها ببعض.
فتراه يُقَوِّي الشاذ بالمرسل، وقد اشترط العلماء في التحسين بمجموع الطرق أن لا يكون الحديث أو المتابع أو الشاهد شاذًا ولا منكرًا، ولا معللًا، ويقوِّي الحديث الذي فيه إبهام في السند، أو إعضال، أو فيه مجهول عين بمثيله، وكل هذه الأنواع شديدة الضعف لا تُقَوِّي، ولا تَتَقَوَّى.
ومن ذلك أيضًا اعتماده على عمل أحد الأئمة بحديث ضعيف للحكم عليه بالقبول، وهذه مسألة شائكة، وقد تساهل فيها كثير من المتأخرين، وإنما الحجة في إجماع أهل العلم، لا في ذات الحديث الضعيف.
وغيرها من المخالفات العلمية التي سوف تمر بالقاريء في هذا الكتاب.
هذا بالإضافة إلى أنه لما ذكر كلام أهل العلم في هذه المسألة،
[ ٩ ]
ذكر عنهم ما يؤيد قوله، ولم ينقل عن غيرهم من أهل العلم المعتبرين ما يخالف قولهم، وموَّه على القراء الكرام بأن هذه المسألة مما تفرد به شيخ الإسلام، وأنها من شواذه! ! .
ولما كان الأمر على هذا النحو المذكور، من التطاول في أعراض العلماء المعتبرين، والتعدي عليهم بما لا يصح عنهم، وإطلاق اللسان فيهم، بالإضافة إلى تلك المغالطات العلمية، وعدم النزاهة في النقل والتحقيق والترجيح، فقد استخرت الله تعالى في تناول هذا الباب، أقصد التوسل والزيارة بالبيان والتوضيح والتحقيق لأخباره الواردة بالمنع والإباحة، والترجيح لين المذهبين طبقًا للقواعد العلمية، ثم التعريج على ذِكْرِ ما ورد في الكتاب المومأ إليه من الشبهات والمغالطات والطعن في العلماء، والاعتراضات على تضعيف الأحاديث الضعيفة والواهية، وبيان ما يخالف ذلك من حقائق الأمور، بكل إنصاف وتجرد، وأسميته:
"هدم المنارة لمن صحح أحاديث التوسل والزيارة".
* وقد جعلته أبوابًا:
* الباب الأول:
في بيان موقف شيخ الإسلام - ﵀ - من مسألة التوسل، وشد الرحال بالزيارة، وإثبات أنه قد وافق بقوله في منع التوسل جماعة من العلماء الذين سبقوه، وأن فتواه في منع شد الرحال إلى
[ ١٠ ]