من تتبع مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -، وفتاويه، لا سيما ما صنَّفه في هاتين المسألتين، ككتاب: "التوسل والوسيلة"، و"اقتضاء الصراط المستقيم"، يجد أنه لم يمنع من عموم التوسل، وإنما ذهب إلى جواز التوسل إلى الله، وجعله ثلاثة أنواع:
الأول: التوسل إليه بأسمائه وصفاته.
الثاني: التوسل إليه بصالح الأعمال والطاعات والإيمان.
الثالث: التوسل إليه بدعاء الصالحين.
وأما النوع الذي ذهب شيخ الإسلام - ﵀ - إلى حرمته وعدم جوازه: السؤال على الله أو التوسل بذاته - ﷺ -.
قال - ﵀ -: (١)
"فهذا هو الذي لم تكن الصحابة يفعلونه في الاستسقاء ونحوه، لا في حياته، ولا بعد مماته، ولا عند قبره، ولا غير قبره، ولا يُعرف هذا في شيء من الأدعية المشهورة بينهم، وإنما يُنقل شيء من ذلك في
_________________
(١) انظر "التوسل والوسيلة": (ص: ٥٠).
[ ١٥ ]
أحاديث ضعيفة مرفوعة وموقوفة، أو عن من ليس قوله حجة".
قلت: وهذا هو الصحيح الراجح في هذه المسألة، فإنه لا يدل دليل صحيح قط على جواز التوسل بالذات أو الإقسام بذات النبي - ﷺ - على الله فضلًا عن غيره - ﷺ - من سائر الأنبياء والصالحين، بل الذي صح في السنة تحريم القسم بغير الله، كما سوف يأتي بيانه قريبًا.
وأما المؤلف فقد حرص أشد الحرص على إقناع القراء بأن هذا القول مما استأثر به شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -، وأنه من جملة شذوذه! ! .
بل زاد في ذلك فأتى ببعض العبارات عن شيخ الإسلام الوهمة بأن هذا النوع من التوسل قد أجازه جماعة من السلف، فقال (ص: ١٨):
(ولم يقع هذا التشدد إلا في القرن السابع وما بعده، وقد نُقل عن السلف توسل من هذا القبيل.
قال ابن تيمية في "التوسل والوسيلة" (ص: ٩٨):
هذا الدعاء -[أي الذي فيه توسل بالنبي - ﷺ -] ونحوه قد روي أنه دعا به السلف، ونقل عن أحمد بن حنبل في منسك المرُّوذي التوسل بالنبي - ﷺ - في الدعاء.
وقال (ص: ٦٥):
[ ١٦ ]
والسؤال به -[أي بالمخلوق]- فهذا يجوِّزه طائفة من الناس، ونقل في ذلك آثار عن بعض السلف، وهو موجود في دعاء كثير من الناس).
قلت: وهذا الكلام لا يناقض ما رجحه شيخ الإسلام - ﵀ - من أن هذا النوع من التوسل غير جائز، لا سيما وأن المؤلف نفسه قد أثبت أن هذه المسائل من مسائل الخلاف، فقال (ص: ٧):
(الخلاف في مسألة التوسل خلاف في الفروع، ومثله لا يصح أن يشنع به أخ على أخيه أو يعيبه به).
وما كان من خلاف الفروع، فهو محتمل، فلا أدري لماذا شنَّع بها المؤلف على شيخ الإسلام ابن تيمية، وعلماء العصر في الديار السعودية - حرسها الله - والشيخ الألباني - رعاه الله وأيده ونصره -.
وأما ما أورده المؤلف نقلًا عن شيخ الإسلام من قوله:
"قد روي أنه دعا به السلف".
و: "ونقل في ذلك آثار عن بعض السلف".
لإثبات ذلك عن السلف غير مُسلم له، فإن قوله "رُوي"، وقوله: "نُقل" لا يقتضيان صحة ذلك، بل قد صرح شيخ الإسلام بأن هذه الآثار لا تثبت، بعد أن نقل جملة منها من كتاب "مجابي الدعوة" لابن أبي الدنيا، ونقدها.
قال (ص: ٩٦) من "التوسل":
[ ١٧ ]
"وفي الباب آثار عن السلف أكثرها ضعيفة".
قد تقدَّم النقل عنه - ﵀ - أنه قال:
"وإنما يُنقل شيء من ذلك في أحاديث ضعيفة مرفوعة وموقوفة، أو عن من ليس قوله حجة".
بل قد أورد المؤلف بعض الآثار في ذلك، وقد بينا ما فيها من ضعف، كما سوف يأتي ذكره وبيانه. (١)
وأما ما نقله عن أحمد، فهذا مجمل، ولم يُفصل بأي شيء يتوسل به، هل بذاته أو بالإيمان به، وبطاعته، واتباعه.
قال شيخ الإسلام (ص: ٩٨):
"ونقل عن أحمد بن حنبل في منسك المروذي التوسل بالنبي - ﷺ - في الدعاء، ونهى عنه آخرون، فإن كان مقصود المتوسلين التوسل بالإيمان به وبمحبته وبموالاته وبطاعته فلا نزاع بين الطائفتين، وإن كان مقصودهم التوسل بذاته فهو محل النزاع، وما تنازعوا فيه يُردُّ إلى الله والرسول".
قلت: وهذا هو الحق المبين، والنور الأبلج، فإن المسلمين لا
_________________
(١) ثم وجدت أنه من المناسب جدًّا أن أعقد فصلًا في هذا الباب أورد فيه جملة مما روي عن السلف والأئمة في جواز التوسل والتلوذ بالقبر النبوي، وأبين ما فيها من الضعف والنكارة، تدليلًا على صحة مقولة شيخ الإسلام - ﵀ - في ضعف الآثار الواردة في ذلك.
[ ١٨ ]
يتعبدون الله بأقوال العلماء وأحكامهم، وإنما يتعبدونه بنصوص الكتاب، وصحيح السنة، مما ثبت عن النبي - ﷺ -، وما أجمعوا عليه مما لا خلاف فيه.
والتوسل بأحد المخلوقات في الدعاء من الأمور التعبدية التي لا تحل إلا بتوقيف يجيزها، وليس ثمة ما يدل على ذلك، بل الذي علُم بالضرورة من نصوص السنة أن الصحابة - ﵃ أجمعين - كانوا يتوسلون إلى الله تعالى في حياة النبي - ﷺ - بدعائه، لا بذاته، وهذا ظاهر مما ورد في طلب الاستسقاء، واستشفاع الضرير بالنبي - ﷺ -، وهما حديثان صحيحان، وسوف يرد ذكرها ضمن الأدلة التي احتج بها المؤلف على جواز التوسل.
ثم بعد موته فقد كانوا يتوسلون بدعاء أهل الخير والصلاح، لا سيما إن كانوا من آل بيت النبي - ﷺ -، كما توسل عمر بن الخطاب - ﵁ - بدعاء عم النبي - ﷺ - العباس بن عبد الطلب - ﵁ -، فلو كان التوسل بجاه النبي - ﷺ - جائزًا، لكان توسل عمر به أولى من توسله بالعباس - ﵁ -.
وهذا الأثر من أقوى ما يتمسك به. المتوسلون، وهو عمدتهم في الاحتجاج على جواز التوسل بالذوات، مع أن أهل العلم الذين تقدَّموا شيخ الإسلام قد حملوا هذا الأثر على أنه توسل بالدعاء لا بالذات، فأنا أذكر أقوالهم، بيانًا على ما ذكرناه من أن شيخ الإسلام
[ ١٩ ]
لم يتفرد بمثل هذه الفتوى أو المذهب، فمن هؤلاء:
الإمام البيهقي، فقد حمل هذا الأثر على ما ذكرناه، فبوَّب له في "السنن الكبرى" (٣/ ٣٥٢):