يعتقد المسلمون أن الأنبياء كسائر البشر يموتون، وقد يكون موتهم قِتلةَ، ويحكي القرآن عن بني إسرائيل بأنهم كانوا يقتلون الأنبياء بغير حق، وعليه فلا حرج عندنا في موت نبي بأي قتلة قتله بها سفهاء قومه ومجرموهم، فالقتل لا يضير النبي المقتول، بل هو من اصطفاء الله له، إذ هو شهادة في سبيل الله ودينه.
فلماذا ذكر القرآن نجاة المسيح، وأصر على تكذيب النصارى في هذه المسالة؟
إن القرآن الكريم ذكر نجاة المسيح لمجرد إثبات الحقيقة، وإثبات ضعف وعجز اليهود عن بلوغ مرامهم، والمسلمون حين يتحدثون عن نجاة المسيح إنما يريدون إثبات هذه الحقيقة التي بشر بها كتابهم.
وأيضًا أدرك المسلمون الخطر التي تركته حادثة الصلب، والتي تحولت من حدث تاريخي إلى عقيدة عظيمة الشأن عند النصارى، فتقويضها يعني خواء النصرانية عن كل معنى، لذا يؤكد العلامة ديدات أن النصرانية لا تستطيع أن تقدم للناس أي فضيلة، سوى ما تزعمه من الخلاص بدم المسيح، فهي مثلًا لا تستطيع أن تقدم لنا نحن المسلمين الكرم أو النظافة أو فإذا ما بطل صلب المسيح، لم يبق للنصرانية مبرر للدعوة والوجود.
[ ١١ ]
وفي الآثار العقدية السلبية لفكرة الصلب ما يجعلها هدفًا للمسلمين ينبغي التركيز عليه، ومن هذه الآثار الاضطراب في نظرة المسيحية للإله.
فقد ظهر في القرن الثاني الميلادي تلميذ شهير لبولس، اسمه مركيون، وكان يعتقد بأن إله اليهود الذي أعطى الناموس لموسى، وخالق العالم كان شريرًا، وأما إله المحبة فقد ظهر في المسيح، وهو معارض تمامًا لخالق العالم.
ويتصور مركيون محاكمة من المسيح لخالق العالم ورب السماوات والأرض، فيقول: " نزل يسوع إلى رب المخلوقات في هيئة لاهوته، ودخل معه في قصاص بسبب موته على الصليب قتلًا قال له يسوع: إن الدينونة بيني وبينك، لا تدع أي شخص آخر يكون قاضيًا، إنما شرائعك ذاتها تقضي لي ألم تكتب في ناموسك أن من قتل يقتل؟
وعندئذٍ أجاب (إله المخلوقات): لقد كتبت هذا .. قال له يسوع: سلم نفسك إذن ليدي .. قال خالق العالم: لأني قد ذبحتك، فإني أعطيك عوضًا، كل أولئك الذين يؤمنون بك، تستطيع أن تفعل بهم ما يرضيك.
عندئذٍ تركه يسوع، وحمل بولس بعيدًا، وأراه الثمن، وأرسله ليكرز بأننا اشتُرينا بهذا الثمن، وأن كل من يؤمن بيسوع قد بيعوا عن طريق هذا الإله العادل إلى الإله الطيب ". (١)
فهذا الشطط في المعتقد إفراز طبيعي متجدد. يسببه تناقض العدل والرحمة، وأما القول بنجاة المسيح من القتل فيضع الأمور في ميزانها الصحيح، فتعبد البشرية ربها، وهي موقنة بأنها تعبد الرب العفُوّ الرحيم الكريم.
_________________
(١) المسيح في مصادر العقائد المسيحية، أحمد عبد الوهاب، ص (٢٧٩ - ٢٨٠) نقلًا عن أدولف هنكر في كتابه "تاريخ العقيدة "، وانظر: "الإنجيل الرابع" هنري ديلافوس، ص (٣٠ - ٣٦).
[ ١٢ ]
وقصة النصارى في الخطيئة والفداء والشريعة يشبهها الأستاذ محمد حسن عبد الرحمن في كتابه "براهين تحتاج إلى تأمل في ألوهية المسيح"، يشبهها بقصة ملك تمرد عليه شعبه، فأرسل إليهم رسلًا يدعونهم إلى الخير والرجوع لسلطانه والإذعان لقوانين العدل والسلام التي وضعها.
لكن هؤلاء قتلوا رسله واستهزءوا بهم، وزادوا عتوًا، فزاد غضب الملك عليهم، ثم ما لبث الملك أن أصدر قرارًا بأنه سيبعث ابنه الوحيد ليضربوه ويقتلوه ويهينوه كفارة عن معاصيهم، فمن صدق ذلك فهو عنده الكريم المغفور له.
كما أصدر أمرًا آخر بإلغاء كل قوانين العدل والرخاء السابقة.
وأصدر أمرًا باعتبار الرضا بالقرارات السابقة كافيًا للحكم على الراضي بأنه مواطن صالح مهما ارتكب من آثام وموبقات وجرائم.
وقد كانت حيثيات هذا القرار: أن الملك عادل، ومن عدله يقتص من المجرمين المخربين المفسدين في مملكته، ولكنه حبًا لهم، وحتى لا يهلك كل من في المملكة رضي بأن يقتص من ابنه الوحيد البريء، الذي يعدل القصاص منه كل جرائم شعبه، وأمر بأن يعذب ثم يصلب. فما رأي النصارى بهذا الملك؟
ومثل هذا الملك لا يقال في حقه عادل أو ظالم، وإنما الأليق به أن يقال عنه بأنه غبي سفيه معتوه.
هذه كما يرى الأستاذ محمد حسن هي صورة الإله الذي تريد النصرانية المحرفة أن نعبده. (١)
وعقيدة الصلب والخطيئة والفداء وما تعلق بها سبب لنفور الناس من الدين
_________________
(١) انظر: براهين تحتاج إلى تأمل في ألوهية المسيح، محمد حسن عبد الرحمن، ص (١٢٨ - ١٣٠).
[ ١٣ ]
وانتشار الإلحاد، إذ لم يرضَ الناس بعبادة رب ظالم، أو رب مصلوب كالذي تريد الكنيسة من الناس أن يعبدوه.
ولعل من صور هذا الشطط ما نراه من انتشار الإلحاد الذي سببته عقيدة موت الإله بسبب الفداء كما قال نيتشة: " إن كان من شأن فكرة الله أن تسقط ضلال الخطيئة على براءة الأرض، فإنه لابد للمؤمنين بالحس الأرضي أن يهووا بمعاولهم على تلك الفكرة ".
ويقول: " طوبى لأتقياء القلب، لأنهم لا يعاينون الله لقد صرنا بشرًا، ولهذا فإننا لا نريد إلا ملكوت الأرض، إلى أين مضى الله؟ سأقول لكم إلى أين مضى؟ لقد قتلناه، أنتم وأنا، أجل، نحن الذين قتلناه، نحن جميعًا قاتلوه، ألا تشمون رائحة العفن الإلهي؟ إن الآلهة أيضًا تتعفن، لقد مات الله وسيظل ميتًا ". (١)
بل إن سذاجة فكرة الخطيئة والفداء وغرابتها جعلها محلًا للسخرية والهزء كما يقول ج. ر سنوت في كتابه " المسيحية الأصلية": " ومن المدهش أن هذه القضية الخاصة بيسوع ابن الله ليس محبوبًا في العصر الحاضر، ويقال عن حمله خطايانا، ورفعه قصاصها عنا: إنه عمل غير عادل وغير أدبي وغير لائق، ويمكن تحويله إلى سخرية وهزء ". (٢)
_________________
(١) مسيحية بلا مسيح، كامل سعفان، ص (٧٦).
(٢) المسيح في القرآن والتوراة والإنجيل، عبد الكريم الخطيب، ص (٣٧٢).
[ ١٤ ]