ومما يبطل نظرية وراثة الخطيئة الأصلية الإنكار الذي صدر عن النصارى قديمًا وحديثًا، فعبروا عن رفضهم لهذا الظلم وعن تحمل تبعات خطيئة لم يرتكبوها ولم يستشاروا فيها، بل ولم يشهدوها، ومن ذلك:
- أن مخطوطات نجع حمادي المكتشفة بعد الحرب العالمية الثانية خلت من الحديث عن الخطيئة والغفران الذي يتحدث عنه آباء الكنيسة.
- أن ثمة منكرون لهذه العقيدة في النصارى، ومنهم الراهبان الإنجليزيان في مطلع القرن الخامس: بيلاجوس (١) وصديقه الراهب سليتوس وأصحابهما، فقد أنكروا سريان الخطيئة الأصلية إلى ذرية آدم، واعتبروه مما يمنع السعادة الأبدية، وقالوا بأن الإنسان موكول بأعماله، فالراهب بيلاجيوس يؤمن "بحرية الإرادة عند الإنسان في قضايا الخير والشر، وبأن ليست هناك ثمة عوائق تتدخل في حرية الاختيار للبشر، وعلى هذا فإن في مقدور الإنسان القوي الإرادة أن يعيش حياة تصل إلى مرتبة الكمال .. الطبيعة البشرية لكل مخلوق فرد تشبه طبيعة آدم البكر النقية وقت الخلق، أي قبل السقوط، وهذا يعني أنها لم ترث أوزار الإثم الأول" (٢)، وهذه الآراء الجريئة لم ترق للكنيسة فحكمت عليه باللعنة في مجمع قرطاجنة السادس عشر المنعقد سنة ٤١٨م.
_________________
(١) انظر: موجز تاريخ الأديان، فيلسيان شالي، ص (٢٥٠).
(٢) انظر: هامش تاريخ البطاركة، ساويرس ابن المقفع (١/ ٢٧٥).
[ ١٧١ ]
ومن المنكرين أيضًا لهذه العقيدة اللاهوتي الشهير يوحنا فم الذهب (١) وكوائيليس شيس الذي نقلت عنه دائرة المعارف البريطانية أنه قال: "ذنب آدم لم يضر إلا آدم، ولم يكن له أي تأثير على بني النوع البشري، والأطفال الرضعاء حين تضعهم أمهاتهم يكونون كما كان آدم قبل الذنب ".
ويقول الميجور جيمس براون عن فكرة وراثة الذنب الأول: "فكرة فاحشة مستقذرة، لا توجد قبيلة اعتقدت سخافة كهذه ". (٢)
ويقول الدكتور نظمي لوقا حيث تحدث عن الآثار السلبية التي تتركها هذه العقيدة فيقول: "الحق أنه لا يمكن أن يقدر قيمة عقيدة خالية من أعباء الخطيئة الأولى الموروثة إلا من نشأ في ظل تلك الفكرة القاتمة التي تصبغ بصبغة الخجل والتأثم كل أفعال الفرد، فيمضي حياته مضي المريب المتردد، ولا يقبل عليها إقبال الواثق بسبب ما أنقض ظهره من الوزر الموروث.
إن تلك الفكرة القاسية تسمم ينابيع الحياة كلها، ورفعها عن كاهل الإنسان منّة عظمى، بمثابة نفخ نسمة حياة جديدة فيه، بل هو ولادة جديدة حقًا ".
_________________
(١) انظر: مختصر تاريخ الكنيسة، أندرو ملر، ص (١٧٤).
(٢) انظر: مخطوطات البحر الميت، أحمد عثمان، ص (١٥٤)، ما هي النصرانية محمد تقي العثماني، ص (٨٨ - ٩٠)، المسيح إنسان أم إله، محمد مجدي مرجان، ص (١٣٩)، الخطيئة الأولى بين اليهودية والمسيحية والإسلام، أميمة شاهين، ص (٢٧٠).
[ ١٧٢ ]
ويقول: "وإن أنسى لا أنسى ما ركبني صغيرًا من الفزع والهول من جراء تلك الخطيئة الأولى، وما سيقت فيه من سياق مروع يقترن بوصف جهنم جزاء وفاقًا على خطيئة آدم بإيعاز من حواء وإن أنسى لا أنسى القلق الذي ساورني وشغل خاطري على ملايين البشر قبل المسيح أين هم، وما ذنبهم حتى يهلكوا بغير فرصة للنجاة". (١)
وهكذا بطل القول بسريان الخطيئة إلى ذرية آدم، من خلال النصوص الصريحة في الكتب المقدسة وبشهادة العقلاء من أبناء النصرانية.
_________________
(١) محمد الرسالة والرسول، نظمي لوقا، ص (٧٥ - ٧٨).
[ ١٧٣ ]