يدعي النصارى أن المسلمين بقولهم بنجاة المسيح من الصلب ينكرون حقيقة تاريخية أجمع عليها اليهود والنصارى الذين عاصروا صلب المسيح ومن بعدهم.
فكيف لنبي الإسلام وأتباعه الذين جاءوا بعد ستة قرون من الحادثة أن ينكروا صلب المسيح؟!!
قد يبدو الاعتراض النصراني وجيهًا لأول وهلة، لكن عند التأمل في شهادة الشهود تبين لنا تناقضها وتفكك رواياتهم.
ولدى الرجوع إلى التاريخ والتنقيب في رواياته وأخباره عن حقيقة حادثة الصلب، ومَن المصلوب فيها؟ يتبين أمور مهمة:
- أن قدماء النصارى كثر منهم منكرو صلب المسيح، وقد ذكر المؤرخون النصارى أسماء فرق مسيحية كثيرة أنكرت الصلب.
وهذه الفرق هي: الباسيليديون والكورنثيون والكاربوكرايتون والساطرينوسية والبارديسيانية والسيرنثييون والبارسكاليونية والبولسية والماينسية، والتايتانيسيون والفلنطانيائية والهرمسيون.
وبعض هذه الفرق قريبة العهد بالمسيح، إذ يرجع بعضها للقرن الميلادي الأول ففي كتابه "الهرطقات مع دحضها " ذكر القديس الفونسو ماريا دي ليكوري أن من بدع القرن الأول قول فلوري: إن المسيح قوة غير هيولية، وكان يتشح ما شاء من الهيئات، ولذا لما أراد اليهود صلبه؛ أخذ صورة سمعان القروي، وأعطاه صورته، فصلب سمعان، بينما كان يسوع يسخر باليهود، ثم عاد غير منظور، وصعد إلى السماء. (١)
ويبدو أن هذا القول استمر في القرن الثاني، حيث يقول المفسر جون فنتون
_________________
(١) انظر: Bruce Metzger، Canon of the new testament، page ٧٩
[ ٤٥ ]
شارح متى (ص ٤٤٠): " إن إحدى الطوائف الغنوسطية التي عاشت في القرن الثاني قالت بأن سمعان القيرواني قد صلب بدلًا من يسوع". (١)
وقد نقل أوريجانوس تقليدًا شائعًا في عهده بأن يسوع كانت يستطيع في حياته أن يغير شكله وقتما وكيفما يشاء، ويقول إن هذا كان السبب في ضرورة قبلة يهوذا الخائن؛ وإلا فإن المسيح كان معروفًا لدى عموم أهل أورشليم. (٢)
وقد استمر إنكار صلب المسيح، فكان من المنكرين الراهب تيودورس (٥٦٠م) والأسقف يوحنا ابن حاكم قبرص (٦١٠م) وغيرهم.
ولعل أهم هذه الفرق المنكرة لصلب المسيح الباسيليديون الذين تعتبرهم الموسوعة الكاثوليكية في نسختها الإنجليزية من أهم الفرق النصرانية في القرن الثاني؛ وقد نقل عنهم سيوس في " عقيدة المسلمين في بعض مسائل النصرانية " والمفسر جورج سايل القول بنجاة المسيح، وأن المصلوب هو سمعان القيرواني، وسماه بعضهم سيمون السيرناي، ولعل الاسمين لواحد.
وهذه الفرقة كانت تقول أيضًا ببشرية المسيح، يقول باسيليوس الباسليدي: " إن نفس حادثة القيامة المدعى بها بعد الصلب الموهوم هي من ضمن البراهين الدالة على عدم حصول الصلب على ذات المسيح".
ولعل هؤلاء المنكرين لصلب المسيح قديمًا هم الذين عناهم جرجي زيدان حين قال: " الخياليون يقولون: إن المسيح لم يصلب، وإنما صلب رجل آخر مكانه ". (٣)
_________________
(١) انظر: المسيح في مصادر العقائد المسيحية، أحمد عبد الوهاب، ص (٢٧٣، ٢٧٤)، وانظر تاريخ الفكر المسيحي، الدكتور القس حنا جرجس الخضري (١/ ٢٠٧)، وقاموس الكتاب المقدس، ص (١١١٢).
(٢) انظر: دائرة المعارف الكتابية (١/ ٤٠ - ٤١).
(٣) أقانيم النصارى، أحمد حجازي السقا، ص (٧٥)، الفارق بين المخلوق والخالق، عبد الرحمن باجي، ص (٤٦٥ - ٤٦٦)، قصص الأنبياء، عبد الوهاب النجار، ص (٥٠٣)، عقيدة الصلب والفداء، محمد رشيد رضا، ص (١٠١).
[ ٤٦ ]
ومن هذه الفرق التي قالت بصلب غير المسيح بدلًا عنه: الكورنثيون والكربوكراتيون والسيرنثيون. يقول جورج سايل: إن السيرنثيين والكربوكراتيين، وهما من أقدم فرق النصارى، قالوا: إن المسيح نفسه لم يصلب ولم يقتل، وإنما صلب واحد من تلاميذه، يشبهه شبهًا تامًا، وهناك الباسيليديون يعتقدون أن شخصًا آخر صلب بدلًا من المسيح.
وثمة فِرق نصرانية قالت بأن المسيح نجا من الصلب، وأنه رفع إلى السماء، ومنهم الروسيتية والمرسيونية والفلنطنيائية. وهذه الفرق الثلاث تعتقد ألوهية المسيح، ويرون القول بصلب المسيح وإهانته لا يلائم البنوة والإلهية. (١)
كما تناقل علماء النصارى ومحققوهم إنكار صلب المسيح في كتبهم، وأهم من قال بذلك الحواري برنابا في إنجيله.
ويقول ارنست دي بوش الألماني في كتابه " الإسلام: أي النصرانية الحقة " ما معناه: إن جميع ما يختص بمسائل الصلب والفداء هو من مبتكرات ومخترعات بولس، ومن شابهه من الذين لم يروا المسيح، لا في أصول النصرانية الأصلية.
ويقول ملمن في كتابه " تاريخ الديانة النصرانية ": " إن تنفيذ الحكم كان وقت الغلس، وإسدال ثوب الظلام، فيستنتج من ذلك إمكان استبدال المسيح بأحد المجرمين الذين كانوا في سجون القدس منتظرين تنفيذ حكم القتل عليهم كما اعتقد بعض الطوائف، وصدقهم القرآن ". (٢)
وأخيرًا نذكر بما ذكرته دائرة المعارف البريطانية في موضوع روايات الصلب
_________________
(١) انظر: الفارق بين المخلوق والخالق، عبد الرحمن باجي البغدادي، ص (٤٦٥)، قصص الأنبياء، عبد الوهاب النجار، ص (٥٠٣).
(٢) انظر: الفارق بين المخلوق والخالق، عبد الرحمن باجي البغدادي، ص (٣٦٦)، قصص الأنبياء، عبد الوهاب النجار، ص (٥٠٣).
[ ٤٧ ]
حيث جعلتها أوضح مثال للتزوير في الأناجيل. (١)
وأما الطائفة التي يسميها القس الخضري بالرومانسيين (القرن التاسع عشر) فقد ذكروا أن المسيح "أنزل من على الصليب فاقد الوعي، وعالجه أطباء أسينيون إلى أن استرد قوته وظهر لتلاميذه الذين اعتقدوا أنه مات". (٢)
وإذا كان هؤلاء جميعًا من النصارى، يتبين أن لا إجماع عند النصارى على صلب المسيح، فتبطل دعواهم بذلك.
ويذكر معرِّب " الإنجيل والصليب " ما يقلل أهمية إجماع النصارى لو صح فيقول: إن العالم المسيحي العظيم الذي أطبق على ترك السبت خطأ ١٩٠٠ سنة، هو الذي أطبق على الصلب.
وأما إجماع اليهود فهو أيضًا لا يصح القول به، إذ أن المؤرخ اليهودي يوسيفوس المعاصر للمسيح والذي كتب تاريخه سنة ٧١م أمام طيطوس لم يذكر شيئًا عن قتل المسيح وصلبه.
_________________
(١) انظر: دراسة تحليلية نقدية لإنجيل مرقس، محمد عبد الحليم أبو السعد، ص (٥٣٠ - ٥٣١).
(٢) تاريخ الفكر المسيحي، الدكتور القس حنا جرجس الخضري (١/ ١٥٨) وهل حقًا قام المسيح؟ د. صموئيل حبيب، ص (٣٩).
[ ٤٨ ]
أما تلك السطور القليلة التي تحدثت عن قتل المسيح وصلبه في كتابه، فهي إلحاقات نصرانية كما جزم بذلك المحققون وقالوا: بأنها ترجع للقرن السادس عشر، وأنها لم تكن في النسخ القديمة. (١)
ولو صح أنها أصلية فإن الخلاف بيننا وبين النصارى ومن وافقهم قائم في تحقيق شخصية المصلوب، وليس في وقوع حادثة الصلب. ﴿وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه﴾ (النساء: ١٥٧)، وهذا حال اليهود والنصارى فيه.
ولكن قد يقال: إن المؤرخ الوثني تاسيتوس كتب عام ١١٧م كتابًا تحدث فيه عن المسيح المصلوب.
وعند دراسة ما كتبه تاسيتوس، يتبين ضعف الاحتجاج بكلامه، إذ هو ينقل إشاعات ترددت هنا وهناك، ويشبه كلامه أقوال النصارى في محمد - ﷺ - في القرون الوسطى.
ومما يدل على ضعف مصادره وتخبطه، ما ذكرته دائرة المعارف البريطانية، من أنه ذكرًا أمورًا مضحكة، فقد جعل حادثة الصلب حادثة أممية، مع أنها لا تعدو أن تكون شأنًا محليًا خاصًا باليهود، ولا علاقة لروما بذلك.
ومن الجهل الفاضح عند هذا المؤرخ، أنه كان يتحدث عن اليهود - ومقصده: النصارى. فذكر أن كلوديوس طردهم من رومية، لأنهم كانوا يحدثون شغبًا وقلاقل يحرضهم عليها " السامي " أو " الحسن " ويريد بذلك المسيح.
ومن الأمور المضحكة التي ذكرها تاسيتوس قوله عن اليهود والنصارى بأن لهم
_________________
(١) انظر: قصص الأنبياء، عبد الوهاب النجار، ص (٤٨٥)، دين الله في كتب أنبيائه، محمد توفيق صدقي أفندي، ص (٧٩)، تاريخ الفكر المسيحي، الدكتور القس حنا جرجس الخضري (١/ ١٥٠).
[ ٤٩ ]
إلهًا، رأسه رأس حمار، وهذا هو مدى علمه بالقوم وخبرته.
كما قد شكك المؤرخون بصحة نسبة العبارة إلى تاسيتوس، ومنهم العلامة أندريسن وصاحبا كتابي " ملخص تاريخ الدين " و" شهود تاريخ يسوع ".
وقد تحدث أندريسن أن العبارة التي يحتج بها النصارى على صلب المسيح في كلامه مغايِرة لما في النسخ القديمة التي تحدثت عن CHRESTIANOS بمعنى الطيبين، فأبدلها النصارى، وحوروها إلى: CHRISTIANOS بمعنى المسيحيين.
وقد كانت الكلمة الأولى (الطيبين) تطلق على عُبّاد إله المصريين "أوزيريس"، وقد هاجر بعضهم من مصر، وعاشوا في روما، وقد مقتهم أهلها، وسموهم: اليهود، لأنهم لم يميزوا بينهم وبين اليهود المهاجرين من الإسكندرية، فلما حصل حريق روما؛ ألصقوه بهم بسبب الكراهية، واضطهدوهم في عهد نيرون.
وقد ظن بعض النصارى أن تاسيتوس يريد مسيحهم الذي صلبوه، فحرف العبارة، وهو يظن أنه يصححها. ويرى العلامة أندريسن أن هذا التفسير هو الصحيح.
وإلا كان هذا المؤرخ لا يعرف الفرق بين اليهود والنصارى، ويجهل أن ليس ثمة علاقة بين المسيح وروما. (١)
وهكذا فإن التاريخ أيضًا ناطق بالحقيقة، مُثبت لما ذكره القرآن عن نجاة المسيح وصلب غيره.
_________________
(١) انظر: عقيدة الصلب والفداء، محمد رشيد رضا، ص (٩٤ - ٩٧) وموت أم إغماء؟ د. فريز صموئيل، ص (٨٠).
[ ٥٠ ]