كما تتحدث النصوص الإنجيلية عن بعض ما أوتيه المسيح ﵇ من تأييد الله له، وهذه الأعاجيب التي أوتيها تجعل نجاته - في تلك الليلة في بستان جثسماني - ممكنة، وذلك لما منحه الله من قدرات مكنته مرارًا من الإفلات من كيد اليهود، وهي ما تجعل نجاته يوم جاءوا للقبض عليه أمرًا متوقعًا غير مستنكر ولا مستغرب.
بل الزعم بتمكن اليهود وجند الرومان منه يثير سؤالًا كبيرًا: أين اختفت هذه القدرات وتلك المعونة الإلهية له؟ هل أسلمه الله بعد طول حمايته وتأييده له، فتخلى عنه في أصعب الأيام وأضيقها.
فالمسيح - حسب ما ذكرت الأناجيل - قد أعطاه الله ﷿ قدرة على النجاة، والهروب من بين يدي أعدائه، فقد اختفى منهم أكثر من مرة لماّ أرادوا به شرًا، فمن الطبيعي والمنطقي أن يهرب منهم يوم جاءوا للقبض عليه.
وأمثلة هذه القدرة الباهرة كثيرة منها:
[ ١٢٤ ]
- قول لوقا: "فامتلأ غضبًا جميع الذين في المجمع حين سمعوا هذا، فقاموا وأخرجوه خارج المدينة، وجاءوا به إلى حافة الجبل الذي كان مدينتهم مبنية عليه، حتى يطرحوه إلى أسفل، أما هو فجاز في وسطهم، وانحدر إلى كفر ناحوم" (لوقا ٤/ ٢٨ - ٣١)، لقد أفلت من أيديهم بطريقة خارقة.
- ولما كان في الهيكل، وكثر الجدال بينه وبين اليهود، هموا بقتله " فرفعوا حجارة ليرجموه. أما يسوع فاختفى، وخرج من الهيكل مجتازًا في وسطهم ومضى " (يوحنا ٨/ ٥٩).
- وفي مرة أخرى جادلهم " فطلبوا أن يمسكوه، ولم يلق أحدٌ يدًا عليه، لأن ساعته لم تكن قد جاءت بعد، فآمن به كثيرون في الجمع، وقالوا: ألعل المسيح متى جاء يعمل أكثر من هذه التي عملها هذا " (يوحنا ٧/ ٣٠ - ٣١)، وقولُ إنجيل يوحنا: "لأن ساعته لم تكن قد جاءت بعد" قولٌ لا يلزمنا فإنه يؤمن بصلب المسيح، ويحاول أن يبرر اختفاء هذه الخاصية عند القبض على المسيح.
- وفي يوم العيد حصل مثله " فحدث انشقاق في الجمع لسببه، وكان قوم منهم يريدون أن يمسكوه، ولكن لم يُلق أحد عليه الأيادي " (يوحنا ٧/ ٤٣ - ٤٤).
- ولما تمشّى في رواق سليمان، وأسمعهم دعوته " فطلبوا أن يمسكوه فخرج من أيديهم، ومضى أيضًا إلى عبر الأردن " (يوحنا ١٠/ ٣٩ - ٤٠)، لقد كان يهرب منهم في كل مرة بطريقة تحيرهم، إنها حماية الله وتأييده.
- ولما كان في الخزانة في الهيكل، حاولوا إمساكه " ولم يمسكه أحد، لأن ساعته لم تكن قد جاءت بعد " (يوحنا ٨/ ٢٠).
ويبقى السؤال أين اختفت هذه الخاصية للمسيح يوم المؤامرة العظمى؟ فلئن استعملها في الهرب من عامة اليهود، فاستعمالها في الهرب من الجند أَوُلَى.
[ ١٢٥ ]
في هذه النصوص تصديق لما أخبر الله ﷿ عنه في شأن المسيح، حيث قال وهو يعدد نعمه على المسيح: ﴿وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين﴾ (المائدة: ١١٠)، لقد رموه بالسحر بسبب ما أمده الله من المعجزات الباهرة التي أعيتهم.
ومما تذكره الأناجيل من قدرات المسيح التي أمده الله بها قدرته على اختراق الحجب، يقول يوحنا: "ولما كان عشية ذلك اليوم وهو أول الأسبوع، وكانت الأبواب مغلقة حيث كان التلاميذ مجتمعين لسبب الخوف من اليهود، جاء يسوع، ووقف في الوسط، وقال لهم: سلام لكم" (يوحنا ٢٠/ ١٩).
وفي رواية لوقا للقصة ذاتها لم يذكر إغلاق الأبواب، وإن ذكر ما يشعر بوجود أعجوبة "وفيما هم يتكلمون بهذا، وقف يسوع نفسه في وسطهم، وقال لهم: سلام لكم، فجزعوا وخافوا، وظنوا أنهم نظروا روحًا" (لوقا ٢٤/ ٣٦ - ٣٧).
كما ثمة أعجوبة أخرى، تجعل نجاة المسيح وخلاصه من أيدي كائديه ممكنًا، ألا وهي ما تذكره الأناجيل من قدرة المسيح على تغيير هيئته وشكله، حتى يعجز المقربون منه عن معرفته، وقد صنع ذلك مرارًا.
فقد خفي شخصه بعد القيامة على تلاميذه مرات عديدة، فخفي على مريم المجدلية التي هي من أقرب الناس إليه، وظنته البستاني، ولم تعرفه إلا بعد برهة. (انظر يوحنا ٢٠/ ١٤ - ١٥).
وكذلك خفي شخصه على التلميذين المنطلقين لعمواس، ولم يعرفاه إلا بعد أن بارك لهما طعامهما. (انظر لوقا ٢٤/ ١٣ - ١٩).
وخفي أمره أيضًا على التلاميذ مجتمعين، وهم يصيدون في بحيرة طبريا، وكان أول من عرفه بعد وقت طويل يوحنا. (انظر يوحنا ٢١/ ١ - ٧).
[ ١٢٦ ]
كما تقرر الأناجيل تغير شكله في أحداث قبل الصلب، ومن ذلك: ما ذكره لوقا "وفيما هو يصلي صارت هيئة وجهه متغيرة، ولباسه مبيضًا لامعًا، وإذا رجلان يتكلمان معه، وهما موسى وإيلياء" (لوقا ٩/ ٢٩).
ويذكر متى أنه أخذ بطرس ويعقوب ويوحنا "وصعد بهم إلى جبل عالٍ منفردين، وتغيرت هيئته قدامهم" (متى ١٧/ ١ - ٢).
فلئن صح أن المسيح يقدر على تغيير شكله حتى يخفى أمره على الخُلَّص من تلاميذه، فهو دليل على قدرته على الخلاص والنجاة من أيدي أعدائه، وهذا لا ريب يلجأ إليه في الشدائد، والمؤامرة الأخيرة عليه من أشدها.
وقد رأينا مما سبق اتفاق القرآن مع النصوص التوراتية والإنجيلية، التي تقول وتتنبأ بنجاة المسيح، ورفعه إلى السماء، ورأينا كيف أن هذا الأمر ممكن، وليس غريبًا على قدرة الله العظيم.
[ ١٢٧ ]