فلئن كان ثمة تنازع بين الرحمة والعدل- كما يزعم النصارى - فإن من أهم مخارج المسألة التوبة التي ذكر الله في القرآن أن آدم صنعها، وهي باب عظيم من أبواب فضل الله، جعله للخاطئين.
والتوبة تغسل الذنب وتنقي القلب، فيكون الخاطئ التائب حبيبًا إلى الله، فلم لا يقول النصارى بأن آدم تاب وقبلت توبته، لم يصرون على القصاص، ولم يصر الكاتب المجهول لرسالة العبرانيين على أنه " بدون سفك دم لا تحصل مغفرة" (عبرانيين ٩/ ٢٢).
لقد تحدثت نصوص التوراة والإنجيل بإسهاب عن التوبة وقصصها قبول الله لها.
فها هو المسيح يجلس مع العشارين والخطاة، فيتذمر الفريسيون والكتبة لذلك قائلين: " هذا يقبل خطاة ويأكل معهم " (لوقا ١٥/ ٢) فأراهم المسيح حرصه على
[ ١٧٨ ]
التوبة وفرحة الله بالتائب "وكلمهم بهذا المثل قائلًا: أي إنسان منكم له مائة خروف وأضاع واحدًا منها، ألا يترك التسعة والتسعين في البرية ويذهب لأجل الضال، حتى يجده، وإذا وجده يضعه على منكبيه فرحًا ويأتي إلى بيته، ويدعو الأصدقاء والجيران قائلًا لهم: افرحوا معي، لأني وجدت خروفي الضال.
أقول لكم: إنه هكذا يكون فرح في السماء بخاطئ واحد يتوب " (لوقا ١٥/ ٣ - ٧)، وعليه فالتوبة مقبولة عند الله كوسيلة للخلاص من الذنب، ولا تتناقض مع قدر الله القاضي بالقصاص من العاصي.
كما ضرب للتوبة وأهلها ومنزلتها مثلين آخرين، فقد شبّه الفرح بالتائب بفرح الأب بعودة ابنه الضال وبعثور صاحب الدرهم الضائع على درهمه. (انظر لوقا ١٥/ ٨ - ٣٢).
ولقد وعد الله التائبين بالقبول ففي سفر حزقيال: " فإذا رجع الشرير عن جميع خطاياه التي فعلها، وحفظ كل فرائضي، وفعل حقًا وعدلًا، فحياة يحيا، لا يموت، كل معاصيه التي فعلها لا تذكر عليه، بره الذي عمل يحيا، هل مسرة أُسرُّ بموت الشرير" (حزقيال ١٨/ ٢١ - ٢٣).
وفي إشعيا يؤكد الوعد فيقول: " ليترك الشرير طريقه، ورجل الإثم أفكاره، وليتب إلى الرب فيرحمه، وإلى إلهنا لأنه يكثر الغفران" (إشعيا ٥٥/ ٧)، فالرب الحليم الرحيم يعد عباده العاصين بالرحمة حال توبتهم، من غير أن يتناقض عدله مع رحمته، إذ هو يفعل ما يريد.
ويقول يوحنا المعمدان مخاطبًا اليهود مذكرًا إياهم بأهمية التوبة: " يا أولاد الأفاعي من أراكم أن تهربوا من الغضب الآتي، فاصنعوا أثمارًا تليق بالتوبة، ولا تفتكروا أن تقولوا في أنفسكم لنا إبراهيم أبًا " (متى ٣/ ٧ - ٩)، فالتوبة هي الطريق، وليس النسب كما ليس الفداء.
[ ١٧٩ ]
تقول التوراة: "فإذا تواضع شعبي الذين دعي اسمي عليهم، وصلّوا وطلبوا وجهي، ورجعوا عن طرقهم الردية، فإنني أسمع من السماء " (الأيام (٢) ٧/ ١٤).
ولكن ورغم هذا كله يقول عوض سمعان: " فالتوبة مهما كان شأنها ليست بكافية للصفح عما مضى من خطايانا ". (١)
إذًا لماذا أكدت النبوات عليها وعلى فضلها ومحبة الله لها، ولم أغلق هذا الباب في وجه آدم، وهو أولى الناس به لمعرفته بالله العظيم وجزائه ورحمته، إضافة إلى شعوره بالذنب وأثره الجمّ عليه، وهذا الذي ذكره الله عنه ﴿فعصى آدم ربه فغوى - ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى﴾ (طه: ١٢١ - ١٢٢).
لكن بولس يصر على أن " أجرة الخطية هي موت " (رومية ٦/ ٢٣)، وعليه فهذا الحكم لا نكول عنه، لأن الله لا يكذب، وهو يحب أن يرحم عباده، فلا سبيل للجمع بين إرادتيه إلا بالكفارة، لأن الله رحيم، وهو أيضًا لا يكذب في وعيده.
وهذا المبدأ غريب في تصوره الضعيف والسقيم لله، وحديثه عن الله المشوب باتهام الرب العظيم بقلة الحيلة أو الخوف على سمعته ومنزلته عند مخلوقاته، وهو بكل حال متناقض مع النصوص التي أكدت أن أجرة الخطية موت، وأن الله يرفعه بالتوبة، من غير أن يتناقض عدله مع رحمته.
إذ يقول سفر حزقيال: "وإذا قلت للشرير: موتًا تموت. فإن رجع عن خطيته وعمل بالعدل والحق، إن رد الشرير الرهن، وعوّض عن المغتصَب، وسلك في فرائض الحياة بلا عمل إثم، فإنه حياة يحيا. لا يموت. كل خطيته التي أخطأ بها لا تذكر عليه، عمل بالعدل والحق، فيحيا حياة" (حزقيال ٣٣/ ١٤ - ١٦)، فالموت الذي هو جزاء
_________________
(١) الخطيئة الأولى بين اليهودية والمسيحية والإسلام، أميمة شاهين، ص (١٤٠).
[ ١٨٠ ]
الخطية يرفع بالتوبة والعمل الصالح من غير حاجة إلى سفك دم.
وهو ما يعلمنا إياه التلميذ يعقوب بقوله: "صلاة الإيمان تشفي المريض، والرب يقيمه، وإن كان قد فعل خطية تغفر له" (يعقوب ٥/ ١٥) فالصلاة تغفر الخطايا، ولا مبرر للدم والكفارة.
ومثلها الصدقة على الفقراء والمساكين "الصدقة تنجي من الموت، وهي تطهر من كل خطيئة، الذين يتصدقون يشبعون من الحياة " (طوبيا ١٢/ ٩).