يعتقد الكاثوليك والأرثوذكس أن الخلاص لا يشمل جميع الذنوب، إنما يشمل الخطيئة الأصلية، وكما يقول القديس أوغسطينوس في كتابه " The Enchiridion": بعد الفداء عادت للبشرية حريتها وإرادتها التي سلبتها بذنب آدم، فإذا ما أتى المتعمِّد ذنبًا بعد معموديته، فسيعود مستحقًا للعذاب الدائم إن كان الذنب كبيرًا.
أما إن كان الذنب صغيرًا فإن الكاثوليك يحكمون بعذاب صاحبه في " المطهر " الذي يعذب به المؤمنون ردحًا من الزمن حتى يخلصوا من القصاصات التي عليهم. (١)
يشرح كتاب التعليم المسيحي لطلبة المدارس الصادر عن المرسلين اليسوعيين عذاب المطهر، فيقول: "المطهر هو محلُّ عذاب تتمم فيه نفوس الأبرار فرض الإيفاء عن خطاياها قبل الدخول إلى السماء الذين يذهبون إلى المطهر هم الذين يموتون
_________________
(١) انظر: ما هي النصرانية، محمد تقي العثماني، ص (٨٧ - ٨٨)، وقد أقر التطهير بالمطهر مجمع فلورنس عام ١٤٣٩، والمجمع التريدنتيني المنعقد بين عامي ١٥٤٥ - ١٥٦٣م. انظر علم اللاهوت النظامي، جيمس أنِس، ص (٦٤٧).
[ ١٥١ ]
بحال النعمة، إلا أنهم لا يخلون من الخطيئة العرضية، أو هم الذين لم يوفوا بالتمام للعدل الإلهي إن عذاب المطهر لأشد من كل عذاب في هذه الدنيا .. إن النفوس تبقى في المطهر إلى أن تُوفي بالتمام للعدل الإلهي". (١)
ودليل الكاثوليك في تقرير هذه العقيدة ما جاء في مرقس: " كل واحد يملح بالنار، وكل ذبيحة تملح بالملح " (مرقس ٩/ ٤٩) فهو عذاب يشمل كل مؤمن عليه قصاصات.
وأيضًا استدلوا بقول بولس: " فعمل كل واحد سيصير ظاهرًا، لأن اليوم سيبيّنه، لأنه بنار يستعلن، وستمتحن النار عمل كل واحد ما هو، إن بقي عمل أحد قد بناه عليه فسيأخذ أجرة، إن احترق عمل أحد فسيخسر، وأما هو فسيخلص، ولكن كما بنار" (كورنثوس (١) ٣/ ١٣ - ١٥).
إذًا فالفداء عند الكاثوليك والأرثوذكس يتلخص بقول هنري أبو خاطر: " هو تجسد الإله لتخليص البشرية من شوائب الخطيئة الأولى ".
ولولا فداء المسيح للجنس الإنساني لهلك الجميع كما هلك السابقون للمسيح الذين سبقوا مجيء الفادي، وفي مقدمة الهالكين - وفق الفكر النصراني - الأنبياء، الذين يقول عنهم بولس سلامة في كتابه " مع المسيح ": " كانوا في أليمبس - أي جهنم - مقر لأرواح الصالحين الأبرار الذين أوصدت في وجههم أبواب السماء، بسبب خطيئة آدم الأولى، فلبثوا حتى مجيء آدم الثاني، أي المسيح ".
ويقول مفسرو الكتاب المقدس عن موسى ﵇: " ومهما كانت عظمة موسى، فإنه لولا
_________________
(١) التعليم المسيحي لطلبة المدارس، المرسلون اليسوعيون بمصادقة القاصد الرسولي في سورية، ص (٥٣ - ٥٤)، وانظر مثله في كتاب مختصر التعليم المسيحي الذي أصدرته الجمعية الكاثوليكية للمدارس المصرية.
[ ١٥٢ ]
نعمة المسيح له، لكان قد هلك واستحق عقابًا أبديًا على خطيئته ". (١)
فهؤلاء الأنبياء الأطهار - بحسب معتقد القديس بولس - مستحقون للعذاب، لا بسبب تعديات شخصية لهم، بل بسبب وراثتهم لذنب أبيهم آدم "قد ملك الموت من آدم إلى موسى، وذلك على الذين لم يخطئوا على شبه تعدي آدم .. كما بخطية واحدة صار الحكم إلى جميع الناس للدينونة .. بمعصية الإنسان الواحد جعل الكثيرون خطاة " (رومية ٥/ ١٤ - ١٨).