وكذا يؤمن النصارى أن المزمور الثامن عشر بعد المائة نبوءة عن المسيح ﵇، إذ يتحدث المزمور في آخره عن الحجر الذي رفضه البناؤون، فيقول: "الحجر الذي رفضه البناؤون قد صار رأس الزاوية، من قبل الرب كان هذا، وهو عجيب في أعيننا مبارك الآتي باسم الرب"، وقد اعتبره بطرس نبوءة عن المسيح المصلوب متناسيًا ما جاء في مقدمة المزمور عن هذا الحجر العظيم، يقول بطرس: "فليكن معلومًا عند جميعكم وجميع شعب إسرائيل أنه باسم يسوع المسيح الناصري الذي صلبتموه أنتم الذي أقامه الله من الأموات، بذاك وقف هذا أمامكم صحيحًا، هذا هو الحجر الذي احتقرتموه أيها البناؤون الذي صار رأس الزاوية " (أعمال ٤/ ١٠ - ١١).
يقول الأب متى المسكين: "أما المزمور ١١٨ فهو أغنى المزامير في وصف رسالة
_________________
(١) تفسير أعمال الرسل، جون ويسلي وآخرون، ص (١١).
[ ٨٦ ]
المسيح الخلاصية". (١)
وينقل تادرس يعقوب ملطي في شرحه لإنجيل متى عن القديس كيرلس قوله: «المخلّص هو الحجر المختار، وقد رذَله هؤلاء الذين كان يجب عليهم بناء مجمع اليهود، وقد صار رأس الزاوية. يشبِّهه الكتاب المقدّس بحجر زاوية، لأنه يجمع الشعبين معًا: إسرائيل والأمم في إيمان واحد وحب واحد (أف٢: ١٥)» (٢).
يقول المزمور متحدثًا عن الحجر الذي رفضه البناؤون: "من الضيق دعوت الرب فأجابني، من الرحب، الرب لي فلا أخاف، ماذا يصنع بي الإنسان، الرب لي بين معينيّ، وأنا سأَرى بأعدائي، الاحتماء بالرب خير من التوكل على إنسان، الاحتماء بالرب خير من التوكل على الرؤساء" (المزمور ١١٨/ ٥ - ٩)، لقد توكل المسيح على الرب، الذي أجابه من الضيق وأعانه.
ثم يتحدث المزمور عن أعداء المسيح ومؤامرتهم عليه، ويترنم بانطفاء نارهم وإبادتهم، وفشل مؤامرتهم، فيقول: " كل الأمم أحاطوا بي، باسم الرب أبيدهم، أحاطوا بي واكتنفوني، باسم الرب أبيدهم، أحاطوا بي مثل النحل، انطفأوا كنار الشوك، باسم الرب أبيدهم، دَحَرَتني دحورًا لأسقط، أما الرب فعضدني، قوتي وترنمي الرب، وقد صار لي خلاصًا" (المزمور ١١٨/ ١٠ - ١٥).
لقد خلصه الله من الموت ولم يسلمه إليه، لذا فهو يبتهج ويفرح باستجابة الله له وبخلاصه من الموت " صوت ترنم وخلاص في خيام الصديقين، يمين الرب صانعة ببأس، يمين الرب مرتفعة، يمين الرب صانعة ببأس، لا أموت، بل أحيا، وأحدث بأعمال الرب، تأديبًا أدبني الرب، وإلى الموت لم يسلمني، افتحوا لي أبواب البر، ادخل فيها، واحمد الرب، هذا الباب للرب، الصديقون يدخلون فيه، أحمدك لأنك استجبت لي، وصرت لي خلاصًا، الحجر الذي رفضه البناؤون قد صار رأس الزاوية، من قبل الرب كان هذا، وهو عجيب في أعيننا، هذا هو اليوم الذي صنعه الرب، نبتهج ونفرح فيه، آه يا رب خلّص، آه يا رب أنقذ، مبارك الآتي باسم الرب" (المزمور ١١٨/ ١٥ - ٢٦)، فالمزمور كما رأيتَ شهادة أخرى بنجاة المسيح وخلاصه من يد أعدائه.
_________________
(١) الإنجيل بحسب القديس متى (دراسة وتفسير وشرح)، الأب متى المسكين، ص (٨٤).
(٢) من تفاسير الآباء الأولين، تفسير إنجيل متى، القمص تادرس يعقوب ملطي، ص (٤٥٢).
[ ٨٧ ]
وذات الصورة تتكرر في سائر إصحاحات سفر المزامير الذي يعتبره القمّص سرجيوس سفر مسيّا الخاص، ونختم منه باقتباس من المزمور الأربعين بعد المائة، وفيه: "أنقذني يا رب من أهل الشر، من رجل الظلم احفظني. الذين يتفكرون بشرور في قلوبهم، اليوم كله يجتمعون للقتال، سنّوا ألسنتهم كحية، حمة الأفعوان تحت شفاههم. سلاه. احفظني يا رب من يدي الشرير، من رجل الظلم أنقذني، الذين تفكروا في تعثير خطواتي. أخفى لي المستكبرون فخًا وحبالًا، مدوا شبكة بجانب الطريق، وضعوا لي أشراكًا. سلاه، قلت للرب: أنت إلهي، أصغ يا رب إلى صوت تضرعاتي لا تعط يا رب شهوات الشرير، لا تنجح مقاصده" (المزمور ١٤٠/ ١ - ٨).