المزمور الأربعون شاهد آخر بنجاة المسيح وهلاك غيره من المتآمرين عليه، وقد اقتبس الكاتب المجهول للرسالة إلى العبرانيين من هذا المزمور، ليدلل لنا على أنه نبوءة
[ ٧٦ ]
عن المسيح فقال: " لذلك عند دخوله إلى العالم يقول: ذبيحة وقربانًا لم ترد، ولكن هيأت لي جسدًا، بمحرقات وذبائح للخطية لم تسرّ، ثم قلت: ها أنذا أجيء في درج الكتاب مكتوب عني: لأفعل مشيئتك يا الله" (عبرانيين ١٠/ ٥ - ٧).
وهو اقتباس من الفقرتين السادسة والسابعة من هذا المزمور، ففيهما يقول كاتب المزمور: "بذبيحة وتقدمة لم تُسر، أذنيّ فتحت، محرقة وذبيحة خطية لم تطلب، حينئذ قلت: ها أنذا جئت، بدرج الكتاب مكتوب عني، أن أفعل مشيئتك يا إلهي" (المزمور ٤٠/ ٦ - ٧).
ويؤكده اختيار محرري قاموس الكتاب المقدس لهذا المزمور ضمن المزامير المسيحية، وكذلك قول القس جيمس أنِس بأن هذا المزمور أحد المزامير "التي موضوعها آلام المسيح". (١)
فماذا يقول المزمور وقد ثبت أنه يتحدث عن المسيح؟
يبدأ المزمور بالبشارة باستجابة الله للمسيح وإنجائه له من المؤامرة، لأنه توكل على الله، فيقول: "انتظارًا انتظرتُ الرب، فمال إليّ، وسمع صراخي، وأصعدني من جُبِّ الهلاك، من طين الحمأة، وأقام على صخرة رجليّ، ثبّت خطواتي، وجعل في فمي ترنيمة جديدة تسبيحة لإلهنا، كثيرون يرون ويخافون ويتوكلون على الرب، طوبى للرجل الذي جعل الرب مُتكله، ولم يلتفت إلى الغطاريس والمنحرفين إلى الكذب" (المزمور ٤٠/ ١ - ٤).
ثم يثني المزمور على الله الذي زادت نعمه وآلاؤه، وفي مقابلها بذل الداعي الأمانة والإخلاص لله والتوبة بين يديه " كثيرًا ما جعلتَ أنت أيها الرب إلهي عجائبَك
_________________
(١) انظر علم اللاهوت النظامي، جيمس أنس، ص (٥١٥)، وانظر قاموس الكتاب المقدس (٤٣٢).
[ ٧٧ ]
وأفكارك من جهتنا، لا تقوّم لديك، لأخبرن وأتكلمن بها، زادت عن أن تعد بشرت ببر في جماعة عظيمة، هوذا شفتاي لم أمنعهما، أنت يا رب علمت، لم اكتم عدلك في وسط قلبي، تكلمت بأمانتك وخلاصك، لم أُخفِ رحمتك وحقك عن الجماعة العظيمة" (المزمور ٤٠/ ٥ - ١٠).
ثم يعود المسيح للتضرع بين يدي الله طالبًا أن ينجيه من المؤامرة التي تحيط به، كما يطلب أن تحيق المؤامرة بالمتآمرين عليه، وأن يعودوا بالخزي والخجل حين يرتدون إلى الوراء "أما أنت يا رب، فلا تمنع رأفتك عني، تنصرني رحمتك وحقك دائمًا، لأن شرورًا لا تحصى قد اكتنفتني، حاقت بي آثامي، ولا أستطيع أن أُبصر، كثُرت أكثر من شعر رأسي (١)، وقلبي قد تركني، ارتض يا رب بأن تنجيني، يا رب إلى معونتي أسرع، ليخز وليخجل معًا الذين يطلبون نفسي لإهلاكها، ليرتد إلى الوراء، وليخز المسرورون بأذيتي، ليستوحش من أجل خزيهم، القائلون لي: هه هه، ليبتهج ويفرح بك جميع طالبيك، ليقل أبدًا محبو خلاصك: يتعظم الرب، أما أنا فمسكين وبائس، الرب يهتم بي، عوني ومنقذي أنت، يا إلهي لا تبطئ" (المزمور ٤٠/ ١١ - ١٧).
وقد كان كما طلب المسيح، فعادوا بالخزي والخجل، حين ارتدوا إلى الوراء، تلك اللحظة العظيمة التي سجلها يوحنا في إنجيله حين قال: " فلما قال لهم: إني أنا هو، رجعوا إلى الوراء، وسقطوا على الأرض " (يوحنا ١٨/ ٦).
لقد طلب من الله أن ينقذه " أنا فمسكين وبائس، الرب يهتم بي، عوني ومنقذي
_________________
(١) من العجيب المحير ما ينسبه النص التوراتي إلى المسيح من كثرة الذنوب والآثام، فيما يصفه الكاتب المجهول لرسالة العبرانيين الذي اقتبس من هذا المزمور، وأشار إلى أنه نبوءة عن المسيح، فيصف المسيح في موضع آخر من ذات الرسالة أنه كان " بلا خطية " (عبرانيين ٤/ ١٥)، إنها إحدى معضلات الكتاب المقدس!
[ ٧٨ ]
أنت، يا إلهي لا تبطئ .. ارتض يا رب بأن تنجيني، يا رب إلى معونتي أسرع ".
فلم تبطئ عنه معية الله " فمال إليّ، وسمع صراخي، وأصعدني من جُبِّ الهلاك، من طين الحمأة، وأقام على صخرة رجليّ، ثبّت خطواتي".
كما سمع الله دعاءه بحق أعدائه، فعادوا بالخزي والخجل " ليخز وليخجل معًا الذين يطلبون نفسي لإهلاكها، ليرتد إلى الوراء، وليخز المسرورون بأذيتي".