وفيه: " يا إله تسبيحي، لا تسكت؛ لأنه قد انفتح علّى فم الشرير، وفم الغش. تكلموا معي بلسان كذب. بكلام بغض، أحاطوا بي، وقاتلوني بلا سبب. بدل محبتي يخاصمونني. أما أنا فصلاة. وضعوا علّي شرًا بدل خير، وبُغضًا بدل حبي.
فأقم أنت عليه شريرًا، وليقف شيطان عن يمينه. إذا حوكم فليخرج مذنبًا، وصلاته فلتكن خطية. لتكن أيامه قليلة، ووظيفته ليأخذها آخر. ليكن بنوه أيتامًا، وامرأته أرملة. لِيَتِهْ بنَوُه تَيَهَانًا ويستعطوا. ويلتمسوا خبزًا من خِربهم. ليصطد المرابي كل ما له، ولينهب الغرباء تعبه. لا يكن له باسط رحمة، ولا يكن مُتَرَأّفُ على يتاماه.
لتنقرض ذريته. في الجيل القادم ليمح اسمهم. ليذكر إثم آبائه لدى الرب، ولا تمح خطية أمه. لتكن أمام الرب دائمًا. وليقرض من الأرض ذِكرهم. من أجل أنه لم
[ ٨٣ ]
يذكر أن يصنع رحمة، بل طرد إنسانًا مسكينًا وفقيرًا، والمنسحق القلب ليميته.
وأحب اللعنة، فأتته، ولم يسر بالبركة، فتباعدت عنه، ولبس اللعنة مثل ثوبه فدخلت، كمياه في حشاه، وكزيت في عظامه. لتكن له كثوب يتعطف به، وكمنطقة يتمنطق بها دائمًا. هذه أجرة مبغضي من عند الرب، وأجرة المتكلمين شرًا على نفسي.
أما أنت يا رب السيد فاصنع معي من أجل اسمك. لأن رحمتك طيبة نجني، فإني فقير، ومسكين أنا، وقلبي مجروح في داخلي. كظل عند ميله ذهبت. انتفضتُ كجرادة. ركبتاي ارتعشتا من الصوم، ولحمي هزل عن سمن. وأنا صرت عارًا عندهم. ينظرون إليّ وينغضون رؤوسهم.
أعني يا رب، إلهي. خلصني حسب رحمتك. وليعلموا أن هذه هي يدك، أنت يا رب فعلت هذا، أما هم فيَلعنون. وأما أنت فتُبارك. قاموا وخزوا. أما عبدك فيفرح، ليلبس خصمائي خجلًا وليتعطفوا بخزيهم كالرداء.
أحمد الرب جدًا بفمي، وفي وسط كثيرين أسبحه، لأنه يقوم عن يمين المسكين، ليخلصه من القاضين على نفسه" (المزمور ١٠٩/ ١ - ٣١)
وهذا المزمور أيضًا يراه النصارى على علاقة بقصة الصلب، وأن المقصود في بعضه يهوذا، وهو قوله: " ووظيفته ليأخذها آخر، ليكن بنوه أيتامًا، وامرأته أرملة .. ويلتمسوا خبزًا من خربهم " وقد أحال عليه كاتب "أعمال الرسل" وهو يتحدث على لسان بطرس، حين قال متحدثًا عن يهوذا: "لأنه مكتوب في سفر المزامير: لتصر داره خرابًا، ولا يكن فيها ساكن، وليأخذ وظيفته آخر " (أعمال ١/ ٢٠). (١)
_________________
(١) وانظر: قاموس الكتاب المقدس، ص (٨٦٢).
[ ٨٤ ]
فيهوذا هو الذي أخذ وظيفته آخر، حين انتخب الحواريون بدلًا منه - تنفيذًا لهذا الأمر - يوسف ومتياس، وأقرعوا بينهما، فوقعت القرعة على متياس، فحسبوه مكملًا للأحد عشر رسولًا. (انظر أعمال ١/ ٢٣ - ٢٦).
إذًا فالنص في هذا المزمور متحدث عن يهوذا ولا ريب، وهذا صحيح، فهو يتحدث عن محاكمته " وإذا حوكم فليخرج مذنبًا "، فمتى حوكم يهوذا إذا لم يكن هو المصلوب؟ والنص يتحدث عن محاكمته، وعن نتيجة محاكمته " لتكن أيامه قليلة، ووظيفته ليأخذها آخر ".
كما يتحدث المزمور عن وقوفه على الصليب، وعن يمينه شيطان (وحسب نسخة الرهبانية اليسوعية: "وليقف متهم عن يمينه")، إنه ذاك الذي كان يستهزأ به، (لوقا ٢٣/ ٣٩ - ٤٣)، فمتى وقف شيطان (متهم) عن يمين يهوذا، ومتى حوكم إن لم يكن ذلك في تلك الواقعة التي تجلى فيها غضب الله عليه؟
ووقوفه هذا هو العار الذي باء به وهو معلق على الصليب يستهزئ به المارة ويبصقون عليه ويضربونه" وأنا صرت عارًا عندهم. ينظرون إليّ وينغضون رؤوسهم".
ويصف المزمور استغاثات المصلوب على الصليب، وهو يستمطر رحمات الله " فاصنع معي من أجل اسمك، لأن رحمتك طيبة نجني .. خلصني حسب رحمتك، وليعلموا أن هذه هي يدك"، إذ لا يملك وسيلة للنجاة إلا أن يستغيث برحمة الله التي يلوذ بها الفاجر والتقي، فجعل يصرخ على الصليب: "إلهي إلهي، لماذا تركتني" (متى ٢٧/ ٤٦).
ويتحدث المزمور عن ثوب اللعنة الذي لبسه يهوذا على الصليب " ولبس اللعنة مثل ثوبه فدخلت، كمياه في حشاه، وكزيت في عظامه. لتكن له كثوب يتعطف به، وكمنطقة يتمنطق بها دائمًا، هذه أجرة مبغضيّ من عند الرب، وأجرة المتكلمين شرًا على
[ ٨٥ ]
نفسي"، لقد كانت اللعنة أجرته على عمله، فقد علق على الصليب، وكل معلق ملعون، كما في سفر التثنية "وإذا كان على إنسان خطية حقها الموت، فقتل، وعلقته على خشبة، فلا تبت جثته على الخشبة، بل تدفنه في ذلك اليوم، لأن المعلّق ملعون من الله" (التثنية ٢١/ ٢٢ - ٢٣).
إن هذا المزمور نبوءة واضحة عن يهوذا الملعون المصلوب بجوار متهم أو شيطان، وهو الذي حوكم بدلًا عن المسيح، فحسب في المحاكمة مذنبًا، وقد صدق جامع تفسير أعمال الرسل في قوله: "الروح القدس بفم داود قد تنبأ عن يهوذا في المزمورين ٦٩ و١٠٩". (١)