ويخلص الأستاذ العلامة منصور حسين في دراسته الرائعة إلى نتيجة واضحة بينة، ويسطرها في قوله: " مِن جماع ما تقدم لا نخلص إلا بأن المزامير تنبأت بحق بأن الله مخلص مسيحه، يستجيبه من سماء قدسه، يرفعه من أبواب الموت، يرفعه فوق القائمين عليه، يرسل من العُلا فيأخذه.
أما يهوذا الإسخريوطي الذي حفر له هذه الحفرة، وأتى على رأس الجمع من جنود وخدام ليقبضوا عليه، على المسيح سيده، فإنه في الحفرة نفسها يقع، وبعمل يديه يعلق، رجع تعبه على رأسه، وعلى هامته هبط ظُلمه، صار عارًا عند البشر، فقبض عليه هو بدلًا من المسيح، وحوكم هو، وصلب بدلًا منه.
وهكذا تستقيم النبوءة في المزامير، وهكذا تتجلى النبوءة في المزامير، في أسطع وأروع وأسمى ما تكون النبوءة، ليست آية نحرفها، أو كلمة نُحوّر معناها، بل صورة كاملة، عشرات الآيات، عشرات المزامير، كلها تنطق بصورة واحدة متكاملة، تتكرر كثيرًا، ولكن أبدًا لا تتغير.
[ ٨٨ ]
هذه الحقيقة هي تلك التي نطق بها القرآن، واعتقدها المسلمون ولمن يريد أن يزيد يقينًا، فها هي المزامير كلها في الكتاب المقدس، الذي يؤمن به المسيحيون، ويتداولونه، وإليها فليرجع، ولن يزيده هذا إلا يقينًا وتقديرًا لهذه الحقيقة التي انتهينا إليها .. ".
وإذا أراد القارئ المزيد من اليقين فليقرأ ما جاء في سفر الأمثال: " الأشرار يكونون كفارة لخطايا الأبرار " (الأمثال ٢١/ ١٨)، وليتأمل بمزيد عناية قوله: " بر الكامل يقوم طريقه، أما الشرير فيسقط بشره، بر المستقيمين ينجيهم، وأما الغادرون فيؤخذون بفسادهم، الصديق ينجو من الضيق، ويأتي الشرير مكانه " (الأمثال ١١/ ٥ - ٨).
ولا يفوتنا في خاتمة هذا المبحث أن نذكر أن الاحتجاج بنبوءات المزامير على نجاة المسيح قديم، بل يرجع للمسيح - إن صح ما في إنجيل برنابا -، فقد جاء فيه أن المسيح قال: " إن واحدًا منكم سيسلمني، فأباع كالخروف، ولكن ويل له، لأنه سيتم ما قاله داود أبونا عنه، أنه سيسقط في الهوة التي أعدها للآخرين" (برنابا ٢١٣/ ٢٤ - ٢٦).
وإذا قلنا: إن المزامير بشرت بنجاته، فللنصارى أن يقولوا: كيف لم يعرف المسيح ذلك من العهد القديم؛ لم قال عن نفسه بأنه سيصلب كما في الأناجيل؟
والإجابة عن هذا التساؤل لا تلزمنا نحن المسلمين الذين لا نعتد بما جاء في هذه الكتب، إلا ما قام على صدقه وتوثيقه دليل من ديننا.
ثم القصة هي امتحان للمسيح ﵇، كما كان الأمر بالذبح امتحانًا لإبراهيم وابنه الوحيد، ولو عرف المسيح نتيجة الامتحان مقدمًا لما كان له أي معنى، كما لو عرفها إبراهيم، فلذلك خفيت عليه، وليس لقصور فهمه أو إدراكه، حاشاه، ولكن لتتحقق إرادة الله بامتحانه، ونجاحه في الامتحان.
ثم لا يمكن القطع بأن المسيح لم يعرف المعنى الصحيح الذي تدل عليه النبوءات،
[ ٨٩ ]
بل قد يكون المسيح عرف ذلك، فلجأ إلى الله يتضرع إليه ويسأله صرف هذه الكأس، لأنه عرف أن الله يستجيب دعاءه وتضرعه، بينما لو وافقنا الرواية الإنجيلية بأن المسيح علم أنه سيصلب ثم صلب، فما فائدة تضرعه ودعائه، ولم كان جزعه يأسه وصراخه على الصليب "لماذا تركتني"؟
كما ثمة أمر آخر يجدر التنبه له، وهو أن فهم النبوءات لا يعني يقينًا معرفة الساعة، وتحديد اليوم الذي سيسعى أعداؤه فيه للقبض عليه، فهذا قد يكون سبب خفاء وقت تحقق هذه النبوءات على المسيح ﵊.