لعلنا لا نجاوز الحقيقة إذا قلنا بأن بولس هو الأب الحقيقي لقصة الفداء والخلاص في النصرانية، حيث تظهر بجلاء ووضوح في كلماته كما قد بينا بعضه من قبل، وأوضحها قوله: " ولكن الله بين محبته لنا، لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا، فبالأولى كثيرًا، ونحن متبررون الآن بدمه، نخلص به من الغضب، لأنه - وإن كنا ونحن أعداء - قد صولحنا مع الله بموت ابنه .. من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم، وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع لكن قد ملك الموت من آدم إلى موسى، وذلك على الذين لم يخطئوا على شبه تعدي آدم، الذي هو مثال الآتي .. لأنه إن كان بخطية واحد مات الكثيرون، فبالأولى كثيرًا نعمة الله، والعطية بالنعمة التي بالإنسان الواحد يسوع المسيح قد ازدادت للكثيرين " (رومية ٥/ ٨ - ١٥).
وقد صرح بولس بأهمية فكرة الفداء عنده إذ قال: " لأني لم أعزم أن أعرف شيئًا بينكم إلا يسوع المسيح وإياه مصلوبًا " (كورنثوس (١) ٢/ ٢).
ويقول في ذلك الأب بولس إلياس الخوري: " مما لا ريب فيه أن الفكرة الأساسية التي ملكت على بولس مشاعره، فعبر عنها في رسائله بأساليب مختلفة هي
[ ٢١٧ ]
فكرة رفق الله بالبشر، وهذا الرفق بهم هو ما حمله على إقالتهم من عثارهم، فأرسل إليهم ابنه الوحيد، ليفتديهم على الصليب وهذه الفكرة عينها هي التي هيمنت على إنجيل لوقا ".
ويقول ارنست دي بوش في كتابه " الإسلام: أي النصرانية الحقة ": إن جميع ما يختص بمسائل الصلب والفداء هو من مبتكرات ومخترعات بولس ومن شابهه، من الذين لم يروا المسيح، لا من أصول النصرانية الأصلية ". (١)
ففكرة الفداء والخلاص بدعة بولسية لم يقلها المسيح، ولم يعرفها الحواريون، فنصوص الأناجيل التي تحدثت عن الفداء نصوص لا يفهم منها خالي الذهن تلك العقيدة التي فهمها النصارى.
وعقيدة بهذه الأهمية ما كان المسيح ليضِنّ على البشر ببيانها وتوضيحها، إذ يزعمون أن مصير البشرية يتعلق بالإيمان بها، فقد تعلق بها هلاك البشر ونجاتهم.
ويحاول النصارى التأكيد على ورود هذا المعتقد على لسان المسيح وتلاميذه، ويتعلقون ببعض نصوص الإنجيليين، ومن هذه النصوص: قول متى: " فستلد ابنًا، وتدعو اسمه يسوع، لأنه يخلص شعبه من خطاياهم" (متى ١/ ٢١)، ومثله: " إنه ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلص هو المسيح الرب " (لوقا ٢/ ١١)، ومثله " لأن عيني قد أبصرتا خلاصك الذي أعددته لجميع الشعوب " (لوقا ٢/ ٣٠)، و" كما أن ابن الإنسان لم يأت ليُخدم، بل ليَخدم، وليبذل نفسه فدية عن كثيرين" (متى ٢٠/ ٢٨)، و"هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا " (متى ٢٦/ ٢٨)،
_________________
(١) انظر: العقائد المسيحية بين القرآن والعقل، هاشم جودة، ص (٢١٤)، الفارق بين المخلوق والخالق، عبد الرحمن باجي البغدادي، ص (٤٦٥ - ٤٦٦).
[ ٢١٨ ]
و" لأن ابن الإنسان قد جاء لكي يطلب ويخلص ما قد هلك " (لوقا ١٩/ ١٠).
ولعل أوضح نصوص الأناجيل ما كتبه يوحنا: " لأنه هكذا أحب الله العالم، حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية، لأنه لم يرسل ابنه إلى العالم ليدين العالم، بل ليخلص به العالم " (يوحنا ٣/ ١٦ - ١٧).
وأول ملاحظة نذكرها أن أغلب هذه النصوص هي من قول التلاميذ، ولم ينسبوها إلى المسيح.
ثم هذه النصوص جميعًا قد كتبت بعد أن دوّن بولس رسائله، فأول الإنجيليين تأليفًا هو مرقس، وقد دوّن إنجيله بعد وفاة بولس سنة ٦٧م.
ولا ريب أن في هذه النصوص - رغم عدم قطعية دلالتها على عقيدة النصارى - صدىً لما كان قد خطه بولس في رسائله.
وهذه النصوص خلت من الحديث عن الخطيئة الأولى الموروثة وخطايا العالم اللاحقة والماضية، وأين فيها الحديث عن الحرية المسلوبة، والإرادة وعليه فإن خالي الذهن لا يمكن أن يتوصل إلى معتقد النصارى من خلال هذه النصوص.
وقد مال إلى تبسيط معاني تلك النصوص - التي يحتج بها النصارى على الفداء والكفارة - منكرو معتقد الكفارة والفداء من النصارى أنفسهم - كما ذكرت دائرة المعارف البريطانية -، ومنهم الفرقة السوزينية، والمؤرخ كوائليس تيسي، وايبي لارد. (١)
فمثلًا قول المسيح: " ابن الإنسان قد جاء لكي يطلب ويخلص ما قد هلك "
_________________
(١) انظر: ما هي النصرانية، محمد تقي العثماني، ص (١٥٨ - ١٦٥)، الخطيئة الأولى بين اليهودية والمسيحية والإسلام، أميمة الشاهين، ص (١٣٧ - ١٣٩).
[ ٢١٩ ]
(لوقا ١٩/ ١٠) لم يكن في سياق الحديث عن الخلاص بدم المسيح المصلوب، بل جاء في سياق الحديث عن الخلاص بالعمل الصالح الذي أمر به المسيح، فقد ورد هذا القول في سياق قصة التلميذ زكا الذي أعطى نصف أمواله للفقراء، فنجا بسبب ذلك "فقال له يسوع: اليوم حصل خلاص لهذا البيت، إذ هو أيضًا ابن إبراهيم، لأن ابن الإنسان قد جاء لكي يطلب ويخلّص ما قد هلك" (لوقا ١٩/ ١٠).
وأما شهادة المعمدان بأن المسيح هو " حمل الله الذي يرفع خطية العالم" (يوحنا ١/ ٢٩) فهو قول مهم، لكن لم يفهم منه قائله (المعمدان) ما تفهمه الكنيسة اليوم، يقول القس سمعان كلهون: "ولعل يوحنا لم يفهم شهادته كما نقدر نحن الآن أن نفهمها بواسطة كل النور المندفع عليها من العهد الجديد، وخصوصًا الرسالة إلى العبرانيين، ولكنه رأى وأراد أن يرى الآخرون في المسيح الطريق المعينة من الله بحياته وموته للتكفير عن جميع معاصي كل تائب مؤمن". (١)
ولئن كانت الفكرة تائهة عند الإنجيلين فهي كذلك عند بقية تلاميذ المسيح وحوارييه الذين لا تجد لديهم بقصة الفداء خبرًا، فلم ترد عنهم نصوص تبيين علمهم بهذه المسألة، وهذا لا ريب دال على كونها من صنع بولس وتأليفه، وأن المسيح لم يخبر بها، ولم يعلمها أصلًا.
وفي ذلك يقول شارل جنيبر: " إن موت عيسى في نظر الإثني عشر ليس بالتضحية التكفيرية ".
والحواريون لم يعلموا أصلًا بأن المسيح سيصلب، فضلًا عن أن يكونوا قد فهموا أنه سيصلب فداء لخطايا الناس، وكما قال مرقس: " كان يعلم تلاميذه، ويقول لهم:
_________________
(١) انظر اتفاق البشيرين، القس سمعان كلهون، ص (١١٦).
[ ٢٢٠ ]
إن ابن الإنسان يسلم إلى أيدي الناس فيقتلونه، وبعد أن يقتل يقوم في اليوم الثالث، وأما هم فلم يفهموا القول، وخافوا أن يسألوه " (مرقس ٩/ ٣٠ - ٣٢).
يقول الأب متى المسكين: "بالرغم من وضوح تنبؤ المسيح الدقيق عن كيفية موته .. والتلميح إلى محاكمة الأمم له ووصف جميعه آلامه، ثم الصلب والموت والقيامة، لكن لم يستطع التلاميذ على وجه الإطلاق أن يفهموا شيئًا من كل ذلك، لأن كل آمالهم كانت في ملكه السعيد الآتي وكيف سيجلسون معه في عرشه". (١)
ومن هؤلاء التلاميذ التلميذان المنطلقان إلى عمواس، فقد جهلا مسألة الفداء والأبعاد التكفيرية لصلب المسيح، وهذا بينه واضح لمن رأى جوابهما للمسيح الذي ظهر لهما متنكرًا وسألهما: "ما هذا الكلام الذي تتطارحان به وأنتما ماشيان عابسين"، فأخبره التلميذان بأنهما حزينان على المسيح الذي "أسلمه رؤساء الكهنة وحكامنا لقضاء الموت وصلبوه، ونحن كنا نرجو أنه هو المزمع أن يفدي إسرائيل، ولكن مع هذا كله اليوم له ثلاثة أيام منذ حدث ذلك " (لوقا ٢٤/ ١٧ - ٢١). لقد جهل التلميذان موضوع الخلاص بموت المسيح، فهما يبحثان عن خلاص آخر، وهو الخلاص الذي يأتي به النبي الذي تنتظره بنو إسرائيل.
يقول القس الخضري: "وكلمة (يفدي) هنا لا تعني ما نفهمه نحن حاليًا: أي فداء الخاطئ من خطاياه، بل تعني أن ينقذ أو يحرر ". (٢)
وأيضًا جهلت الجموع التي شهدت الصلب أن ذلك الصلب يكفر الخطيئة
_________________
(١) الإنجيل بحسب القديس متى (دراسة وتفسير وشرح)، الأب متى المسكين، ص (٤٩٦)، وانظر مختصر تاريخ الكنيسة، أندرو ملر، ص (٩٩).
(٢) تاريخ الفكر المسيحي، الدكتور القس حنا جرجس الخضري (١/ ٣٧٨).
[ ٢٢١ ]
ويرفعها، ولنتأمل ما ذكره لوقا في وصف الجموع وحزنهم على المسيح الذي ظنوه مصلوبًا " وكل الجموع الذين كانوا مجتمعين لهذا المنظر لما أبصروا ما كان، رجعوا وهم يقرعون صدورهم، وكان جميع معارفه ونساء كن قد تبعنه من الجليل واقفين من بعيد ينظرن ذلك " (لوقا ٢٣/ ٤٨ - ٤٩).
ولو كان ما يقوله النصارى في الفداء صحيحًا لكان ينبغي أن يحتفلوا بموت المسيح لخلاص البشرية وخلاصهم من الذنب الذي ناءت بحمله البشرية قرونًا مديدة.