وهذا المزمور شاهد آخر يتحدث عن المسيح، فقد اقتبس منه يوحنا في إنجيله، حين قال: "وأما الآن فقد رأوا وأبغضوني أنا وأبي، لكن لكي تتم الكلمة المكتوبة في
[ ٧٤ ]
ناموسهم: إنهم أبغضوني بلا سبب" (يوحنا ١٥/ ٢٤ - ٢٥)، وهذا الاقتباس من الفقرة التاسعة عشر من المزمور، وفيها: " لأنهم الذين يبغضونني بلا سبب "، فهو متحدث عن المسيح باتفاق النصارى، وبشهادة يوحنا. (١)
فهل كان المزمور نبوءة عن المسيح المصلوب، أم كان بشارة بنجاته ﵊؟
يقول المزمور متحدثًا عن دعاء مؤمن محتاج إلى رعاية ربه وحمايته له من أعدائه، فيقول: "خاصِمْ يا رب مخاصِمي، قاتِلْ مقاتلي، أمسك مجنًا وترسًا، وانهض إلى معونتي، وأشرِع رمحًا، وصُد تلقاء مطارديّ، قل لنفسي: خلاصكِ أنا " (المزمور ٣٥/ ١ - ٣).
ويطلب ذلكم الداعي المؤمن من ربه أن يقع عدوه في الشبكة التي نصبها، ويطلب من الله أن يؤيده بالملائكة، فيقول: " ليخز وليخجل الذين يطلبون نفسي، ليرتد إلى الوراء، ويخجل المتفكرون بإساءتي، ليكونوا مثل العصافة قدام الريح، وملاك الرب داحرُهم، ليكن طريقهم ظلامًا وزلقًا، وملاكُ الرب طاردهم، لأنهم بلا سبب أخفوا لي هوة شبكتهم، بلا سبب حفروا لنفسي، لتأته التهلكة وهو لا يعلم، ولتنشب به الشبكة التي أخفاها، وفي التهلكة نفسها ليقع " (المزمور ٣٥/ ٤ - ٨)، لقد طلب الداعي المسكين من الله طُلبة في شأن عدوه، طلب منه أن يقتله بشبكته التي نصبها، أي في ذات المؤامرة التي سعى فيها، فهل استجاب الله لوليه أم خيبه؟
السفر يجيب بوضوح أن الله استجاب له، ويبتهج بخلاص المسيح ونجاته " أما نفسي فتفرح بالرب، وتبتهج بخلاصه، جميع عظامي تقول: يا رب، من مثلك المنقذ المسكين ممن هو أقوى منه؟ والفقير والبائس من سالبه؟ شهود زور يقومون، وعما لم
_________________
(١) وانظر: قاموس الكتاب المقدس، ص (٨٦٢).
[ ٧٥ ]
أعلم يسألونني، يجازونني عن الخير شرًا، ثكلًا لنفسي، أما أنا ففي مرضهم كان لباسي مسحًا، أذللت بالصوم نفسي، وصلاتي إلى حضني ترجع" (المزمور ٣٥/ ٩ - ١٣).
ويعود المزمور للحديث عن أعدائه الذين عادوا بالخيبة، فيقول: " لا يشمت بي الذين هم أعدائي باطلًا، ولا يتغامز بالعين الذين يبغضونني بلا سبب، لأنهم لا يتكلمون بالسلام، وعلى الهادئين في الأرض يفتكرون بكلام مكر، فغروا عليّ أفواههم، قالوا: هه هه، قد رأت أعيننا، قد رأيتَ يا ربُّ، لا تسكت يا سيد، لا تبتعد عني، استيقظ، وانتبه إلى حكمي يا إلهي وسيدي، إلى دعواي، اقض لي حسب عدلك يا رب.
إلهي فلا يشمتوا بي، لا يقولوا في قلوبهم: هه شهوتنا، لا يقولوا: قد ابتلعناه، ليخز وليخجل معًا الفرحون بمصيبتي، ليلبس الخزيَ والخجلَ المتعظمون عليّ، ليهتف ويفرح المبتغون حقي، وليقولوا دائمًا: ليتعظم الرب المسرور بسلامة عبده، ولساني يلهج بعدلِك، اليوم كله بحمدك" (المزمور ٣٥/ ١٩ - ٢٨)، لقد كان دعاء حارًا من العبد المؤمن، وهو يطلب من الله العادل أن يخزي أعداءه الذين أبغضوه بلا سبب.
وقد استجاب الله له " أما نفسي فتفرح بالرب، وتبتهج بخلاصه، جميع عظامي تقول: يا رب، من مثلك المنقذ المسكينَ ممن هو أقوى منه؟ والفقيرَ والبائس من سالبه؟ أما أنا ففي مرضهم كان لباسي مسحًا، أذللت بالصوم نفسي، وصلاتي إلى حضني ترجع" (المزمور ٣٥/ ٩ - ١٣)، لقد شفع له عند ربه صلاته وصيامه ولباسه للمسوح عبادة لله وتذللًا.