وأما الرأي الإسلامي فيتلخص في أن المسيح ﵇ لم يصلب كما يدعي اليهود والنصارى.
وقد استند المسلمون - في هذا الرأي المخالف لما أجمعت عليه الأناجيل - إلى آيات القرآن الكريم وهي تقرر ذلك.
فقد أشارت الآيات إلى المؤامرة التي جرت للمسيح، وقررت أمورًا يلحظها قارئ الآيات، فقد تحدثت الآيات عن نجاة المسيح من مؤامرة أعدائه، فقد قال تعالى - في معرض تعداده لنعم الله على المسيح -: ﴿وإذ كففت بني إسرائيل عنك﴾ (المائدة: ١١٠).
وذلك ولا ريب في ذلك اليوم العصيب الذي جرت فيه مؤامرة الرومان مع اليهود بغية قتل المسيح وصلبه ﵇، ولكن الله مكر بهم فلم تفلح المؤامرة ﴿ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين﴾ (آل عمران: ٥٤)، فقد أنجى الله نبيه - المسيح - من مؤامرتهم وكيدهم.
وتخبر الآيات عن بعض ملامح هذه المؤامرة التي حاكها اليهود ﴿وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينًا - بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزًا حكيمًا﴾ (النساء: ١٥٧ - ١٥٨).
وثمة آية أخرى تشير إلى رفعه ونجاته، وهي قوله تعالى: ﴿إني متوفيك ورافعك إلى ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا
[ ٩ ]
إلى يوم القيامة﴾ (آل عمران: ٥٥).
كما أشارت الآيات إلى نجاته في قوله: ﴿ويكلم الناس في المهد وكهلًا﴾ (آل عمران: ٤٦) والمعلوم أن المسيح رفع وهو في الثلاثينيات من عمره، والكهولة في اللغة مقترنة بالمشيب، ولما يدركه المسيح حال وجوده الأول، فدل على أنه سيعيش ويبلغ الكهولة، ويكلم الناس حينذاك، ولو صرفت عن هذا المعنى لما بقي لذكر الكهولة - وكلامه فيها - وجه، إذ ذكرت بين معجزات المسيح، والكلام في الكهولة كل أحد يطيقه، ولا معجزة في ذلك.
وقد ذكر القرآن في آية أخرى إشارة إلى نزوله ﵊ في آخر الزمان وهي قوله تعالى: ﴿وإنه لَعِلْم للساعة فلا تمترن بها﴾ (الزخرف: ٦١).
ومثله قوله تعالى: ﴿وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدًا﴾ (النساء: ١٥٩).
ولا تذكر النصوص القرآنية ولا النبوية أي تفصيل عن كيفية نجاة المسيح، لذا فقد حاول المحققون المسلمون تلمس الحقيقة التي أخبر عنها القرآن في النقول التي نقلها إلينا مسلمة أهل الكتاب أو نقبوا بحثًا عن الحقيقة في طيات أسفار أهل الكتاب، بحثًا عن هذه الكيفية التي نجى بها السيد المسيح من مؤامرة اليهود.
ولقد أفاد القرآن الكريم وقوع الصلب، ولكن على غير المسيح، وبين القرآن جهل اليهود وغيرهم بحقيقة المصلوب واختلافهم في شخصه، لما وقع من شبه المسيح عليه، وذلك في قوله تعالى: ﴿وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم وإنّ الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن﴾ (النساء: ١٥٧).فالشك في الآية منصرف إلى شخصية المصلوب، ولم يحدد القرآن شخص هذا المصلوب، لكنه أكد
[ ١٠ ]
على نجاة المسيح ﵊ ورفعه للسماء ﴿وما قتلوه يقينًا - بل رّفعه الله إليه وكان الله عزيزًا حكيمًا﴾ (النساء: ١٥٧ - ١٥٨).
إذًا القرآن ناطق بنجاة المسيح من مكر الماكرين، ورفعه إلى السماء، وأن أعداءه الذين أرادوا صلبه وقعوا في الشك وأخذوا غيره فصلبوه، فرفع الله المسيح ﵇، ولسوف يعود قبيل الساعة، فيكون مجيئه علامة على قرب انقضاء الدنيا ﷺ.