تعتبر عقيدة الفداء والخلاص مفتاح جميع العقائد النصرانية، فهي أهم ما يبشر به النصارى، ولتحقيقها وضع النصارى المسيح - الذي أنجاه الله - على الصليب.
وليتحقق الفداء على صورة ترضي الإله العظيم جعلوا المصلوب إلهًا، حتى يساوي الفادي المثمن العظيم، وهو نجاة البشرية وخلاصها من الخطيئة والدينونة، وهو ما عبر عنه العهد الجديد على لسان بطرس بقوله: " عالمين أنكم افتديتم لا بأشياء تفنى: بفضة أو ذهب، من سيرتكم الباطلة التي تقلدتموها من الآباء، بل بدم كريم كما من حَمَلٍ بِلاَ عيْب، ولا دنس، دم المسيح " (بطرس (١) ١/ ١٨ - ١٩).
وقبل أن نلج لنقض هذا المعتقد نتعرف على النصوص المقدسة عند النصارى التي قررت معتقدات الفرق النصرانية المختلفة في هذه القضية الهامة، لنعرف مقصدهم في الخلاص، ولمن يبذلونه، وعمن يمنعونه، إلى غير ذلك من المسائل المتعلقة بهذه القضية، والتي يتوقف على إثباتها مصير آلاف الملايين من البشر في عصرنا وسائر العصور.
وأول ما نلحظه اختلاف النصوص الكتابية في تحديد ما يُغفر بدم المسيح، فبعضها يتحدث عن ذنب آدم فقط، وبعضها يشمل جميع الذنوب التي سبقت صلب المسيح؟ بل يمتد بعضها ليعمم الخلاص على جميع الذنوب التي يرتكبها العبد حاضرًا ومستقبلًا.
لتوضيح هذا التخبط نعرض نماذج لهذه النصوص، يقول الكاتب المجهول لرسالة العبرانيين عن المسيح: " هو وسيط عهد جديد لكي يكون المدعوون - إذ صار موت لفداء التعديات التي في العهد الأول - ينالون وعد الميراث الأبدي " (عبرانيين ٩/ ١٥)، فجعل الكاتب الخلاص بالمسيح متعلقًا بذنب آدم فقط.
[ ١٤٩ ]
ولكن بولس يجعل الخلاص أوسع من ذلك، فيقول: " المسيح الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه، لإظهار بره من أجل الصفح عن الخطايا السالفة بإمهال الله، لإظهار بره في الزمن الحاضر ليكون بارًا، ويبرر من هو من الإيمان بيسوع " (رومية ٣/ ٢٤ - ٢٥)، فقد جعل الخلاص خاصًا بالخطايا التي سبقت المسيح، وشرطه بالإيمان بالمسيح.
ومثله ما جاء في مرقس: " من آمن واعتمد خلص، ومن لم يؤمن يدن " (مرقس ١٦/ ١٦).
لكنه - وفي موضع آخر - يخبر بهلاك بعض النصارى الذين تمكنوا من صنع المعجزات باسم المسيح، الذي يتبرأ منهم ويقول: " ليس كل من يقول لي: يا رب يا رب، يدخل ملكوت السموات. بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السموات، كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم: يا رب يا رب، أليس باسمك تنبأنا، وباسمك أخرجنا شياطين، وباسمك صنعنا قوات كثيرة، فحينئذ أصرّح لهم: إني لم أعرفكم قط. اذهبوا عني يا فاعلي الإثم" (متى ٧/ ٢٠ - ٢١).
وفي موضع آخر يجعل بولس الخلاص للجميع، لجميع البشر، فيقول عن المسيح: " بذله لأجلنا أجمعين " (رومية ٨/ ٣٢)، ويوضحه قول يوحنا: " يسوع المسيح البار، وهو كفارة لخطايانا، ليس لخطايانا فقط، بل لخطايا كل العالم أيضًا " (يوحنا (١) ٢/ ٢)، ويؤكده قوله: " نشهد أن الآب قد أرسل الابن مخلصًا للعالم " (يوحنا ٤/ ١٤)، فجعل الخلاص عامًا لكل الخطايا، ولكل البشر، مخالفًا قول بطرس: " كل من يؤمن به ينال باسمه غفران الخطايا " (أعمال ١٠/ ٤٣)، إذ بطرس قيد الخلاص بالمؤمنين بالمسيح.
وفي موضع آخر جعل بولس الخلاص على درجات يتفاوت فيها حتى المؤمنون به،
[ ١٥٠ ]
يقول: "قوة الله للخلاص لكل من يؤمن، لليهودي أولًا، ثم لليوناني " (رومية ١/ ١٦).
ويشترط بولس للخلاص الإيمان بأبوة الله للمسيح، ويضيف شرطًا آخر هو الاعتراف القلبي بقيامة المسيح من الأموات فيقول: " إن اعترفت بفمك بالرب يسوع، وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات خلصت " (رومية ١٠/ ٩).
وهذا الاختلاف الذي رأيناه في النصوص الكتابية انعكس على الفرق النصرانية، فاختلفت في حدود الخلاص الذي حصل بدم المسيح، فمنهم من جعله عامًا لكل البشر، ومنهم من خصه بالمؤمنين بقيامة المسيح، أو بالمؤمنين بأن المسيح ابن الله؟