وبولس عندما ادعى صلب المسيح فداء للخطيئة لم يكن يتحدث من تأليفه وإبداعه، فإنه إنما يستنسخ عقيدة قديمة، تناقلتها الوثنيات قبل المسيح بزمن طويل.
وقد نسج الإنجيليون أحداث صلب المسيح، على نحو ما قرره بولس، وما شاع بين الناس من صلب المسيح، وعلى صورة ما ورد عن الأمم الوثنية، حتى أضحت قصتهم للصلب قصة منحولة من قصص وأساطير الأمم الوثنية.
ولعل أوضحها شبهًا بقصة المسيح أسطورة إله بابل " بعل " فقد اكتشف مؤخرًا لوحتان أثريتان تعودان للقرن التاسع قبل الميلاد، وفيهما قصة تشابه تمامًا ما قاله النصارى في صلب المسيح ومحاكمته، وعقد "آرثر فندلاي" في كتابه "الكون المنشور" (١) المقارنة بين ما قيل عن بعل قبل المسيحية وما قيل عن المسيح في المسيحية. ويوضح ذلك الجدول التالي:
محاكمة عيسى ﵇ محاكمة بعل
١ - أخذ عيسى أسيرًا. ١ - أخذ بعل أسيرًا.
٢ - وكذلك حوكم عيسى. ٢ - حوكم بعل علنًا.
٣ - اعتُدي على عيسى بعد المحاكمة. ٣ - جرح بعل بعد المحاكمة.
٤ - اقتيد عيسى لصلبه على الجبل. ٤ - اقتيد بعل لتنفيذ الحكم على الجبل.
٥ - وكان مع عيسى قاتل اسمه: "باراباس" محكوم عليه بالإعدام،
_________________
(١) أقانيم النصارى، أحمد حجازي السقا، ص (٩٦)، العقائد المسيحية بين القرآن والعقل، هاشم جودة، ص (٢٢٠ - ٢٢١).
[ ١٣٥ ]
ورَشح بيلاطس عيسى ليعفو عنه كالعادة كل عام. ولكن اليهود طلبوا العفو عن "باراباس" وإعدام عيسى. ٥ - كان مع بعل مذنب حكم عليه بالإعدام وجرت العادة أن يعفى كل عام عن شخص حكم عليه بالموت. وقد طلب الشعب إعدام بعل، والعفو عن المذنب الآخر.
٦ - عقب تنفيذ الحكم على عيسى زلزلت الأرض وغامت السماء. ٦ - بعد تنفيذ الحكم على بعل عم الظلام وانطلق الرعد، واضطرب الناس.
٧ - وحرس الجنود مقبرة عيسى حتى لا يسرق حواريوه جثمانه. ٧ - حُرس بعل في قبره حتى لا يسرق أتباعه جثمانه
٨ - مريم المجدلية، ومريم أخرى جلستا عند مقبرة عيسى تنتحبان عليه. ٨ - الأمهات جلست حول مقبرة بعل يبكينه.
٩ - قام عيسى من مقبرته في يوم أحد، وفي مطلع الربيع أيضًا، وصعد إلى السماء. ٩ - قام بعل من الموت وعاد للحياة مع مطلع الربيع وصعد إلى السماء.
ويبدو أن هذه الأسطورة البابلية قد انتقلت عن طريق الأسرى اليهود الذين عادوا من بابل.
وتتشابه كثير من تفاصيل قصة الصلب مع تفاصيل واردة في قصص وثنية مشابهة، فقد ذكر متى أحداثًا غريبة عدة، صاحبت موت المسيح حيث يقول: " وفي الساعة السادسة كانت ظلمة على كل الأرض، إلى الساعة التاسعة وإذا حجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل، والأرض تزلزلت، والصخور تشققت، والقبور تفتحت " (متى ٢٧/ ٤٥ - ٥٣).
وهذا نقله النصارى من الوثنيات القديمة، فقد نقل العلامة التنير عن عدد من المؤرخين إجماعهم على انتشار هذه الغرائب حال موت المخلصين لهذه الأمم.
[ ١٣٦ ]
من ذلك: أن الهنود يقولون: " لما مات "كرشنا" مخلصهم على الصليب، حدثت في الكون مصائب جمّة، وعلامات متنوعة، وأحاطت بالقمر دائرة سوداء، وأظلمت الشمس عند منتصف النهار، وأمطرت السماء نارًا ورمادًا ".
ويقول عباد بروسيوس " إنه لما صلب على جبل قوقاس، اهتزت الكائنات، وزلزلت الأرض ".
والاعتقاد بحدوث أحداث سماوية عظيمة عند موت أحد العظماء أو ولادته، معروف عند الرومان واليونان.
كما ينقل المؤرخ "فرار" في كتابه "حياة المسيح"، وينقل جيبون في تاريخه أن عددًا من الشعراء والمؤرخين الوثنيين كان يقول:" لما قتل المخلص اسكولا بيوس، أظلمت الشمس، واختبأت الطيور في أوكارها لأن شافي أمراضهم وأوجاعهم فارق هذه الدنيا ".
والقول بظلمة الشمس عند موت أحد المخلصين قيل أيضًا عند مقتل هيركلوس وبيوس وكوتز لكوتل وكيبير ينوس إله الرومان، وعليه فحصول الغرائب والعجائب عند موت العظماء أسطورة قديمة تداولتها الأمم، ونقلها أصحاب الأناجيل من تلك الوثنيات. (١)
وقد كان عباد الشمس يقدمون الضحايا لها، خاصة عند حلول الكسوف، فإذا زال الكسوف اعتقدوا أنه بسبب فداء أحد زعمائهم، حيث خلصهم وحمل عنهم العذاب، لذا حرص متى على القول: "ومن الساعة السادسة، كانت ظلمة على الأرض إلى الساعة التاسعة " (متى ٢٧/ ٤٥). (٢)
ومن أوجه الشبه بين الوثنيات القديمة والنصرانية القول بقيامة الآلهة من
_________________
(١) انظر: العقائد الوثنية في الديانة النصرانية، محمد طاهر التنير، ص (٤١ - ٤٣).
(٢) انظر: المسيحية الحقة التي جاء بها المسيح، علاء أبو بكر، ص (١٦).
[ ١٣٧ ]
الأموات، فقد أجمعت الأناجيل على قيامة عيسى من الموت، ولكن هذا قد سبقهم إليه الهنود، حيث قالوا في كرشنا: "هوذا كرشنا صاعد إلى وطنه في السماوات".
وكذا يقول عُبّاد بوذا بأنه حزن عليه بعد موته أهل السماوات والأرض "حتى إن مهاويو (الإله العظيم) حزن ونادى: قم أيها المحب المقدس، فقام كام (أي بوذا) حيًا، وبُدِّلت الأحزان والأتراح بالأفراح، وهاجت السماء، ونادت فرِحة: عاد الإله الذي ظُن أنه مات وفُقد "، ومثله يعتقده الصينيون في إلههم (لأوكيون)، والمجوس في (زرادشت).
ويقول عابدو (سكولا بيوس) في القصيدة التي حكت عن حياته: " أيها الطفل القادر على شفاء الأمم في السنين القادمة حينما يهب مَن في القبور وأنت من المسكن المظلم ستقوم ظافرًا وتصير إلهًا ".
وعن تموز يقول البابليون: " ثقوا أيها القديسون برجوع إلهكم، واتكلوا على ربكم الذي قام من الأموات ".
ومثل هذا الاعتقاد، سرى في كثير من الوثنيات قبل المسيحية، فقد قيل بقيام أوزوريس، وحورس، وباخوس، وهرقل، وكوتز لكوتل، ويلدور، وغيرهم، فكل هؤلاء قال عُبّادهم بقيامتهم من الموت.
ولعل أهم هؤلاء أوزوريس معبود المصريين القريب من مهد المسيحية، وقد انتشرت أسطورته في القرن الثالث قبل الميلاد. يقول المؤرخ مهامي: " إن محور التعليم الديني عند الوثنيين في مصر في القرون الخالية هو الإيمان بقيام الإله ". (١)
_________________
(١) انظر: تفصيل هذا التشابه بين الوثنيات والنصرانية في: العقائد الوثنية في الديانة النصرانية، محمد طاهر التنير، ص (١٠٥ - ١١٠)، وانظر منهجية جمع الأناجيل وجمع السنة، عزية طه، ص (٢٢٢ - ٢٢٣).
[ ١٣٨ ]
لقد وقع النصارى فيما حذرهم الله منه ﴿قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحقّ ولا تتّبعوا أهواء قوم قد ضلّوا من قبل وأضلّوا كثيرًا وضلّوا عن سواء السّبيل﴾ (المائدة: ٧٧) لكنهم أعرضوا واتبعوا أهواء الأمم الكافرة وضلالاتها، فكان معتقدهم في المسيح مشابهًا لمعتقدات الوثنيين في آلهتهم المزعومة، كما قال الله ﷿: ﴿ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون﴾ (التوبة: ٣٠).
[ ١٣٩ ]