وأما فكرة موت الإله فهي عقيدة وثنية يونانية، حيث كان اليونانيون يقولون بموت بعض الآلهة، لكن اليونان كانوا يحتفظون بآلهة أخرى تسيّر دفة الكون، بينما النصارى حين قالوا بموت الإله لم يحتفظوا بهذا البديل، ولم يخبرنا أولئك الذين يعتقدون بأن الله هو المسيح من الذي كان يسير الكون ويرعى شئونه خلال الأيام التي مات فيها الإله. أي الأيام الثلاثة التي قضاها في القبر.
_________________
(١) انظر: براهين تحتاج إلى تأمل في ألوهية المسيح، محمد حسن عبد الرحمن، ص (١٣٧ - ١٣٨)، المسيح في القرآن والتوراة والإنجيل، عبد الكريم الخطيب، ص (٣٥٧)، حقيقة التبشير بين الماضي والحاضر، أحمد عبد الوهاب، ص (٥٥).
[ ٢٢٨ ]
والفداء عن طريق أحد الآلهة أو ابن الله أيضًا موجودة في الوثنيات القديمة، وقد ذكر السير آرثر فندلاي في كتابه " صخرة الحق " أسماء ستة عشر شخصًا اعتبرتهم الأمم آلهة سعوا في خلاص هذه الأمم. منهم: أوزوريس في مصر ١٧٠٠ ق. م، وبعل في بابل ١٢٠٠ق. م، وأنيس في فرجيا ١١٧٠ ق. م، وناموس في سوريا ١١٦٠ ق. م، وديوس فيوس في اليونان ١١٠٠ ق. م، وكرشنا في الهند ١٠٠٠ ق. م، وأندرا في التبت ٧٢٥ ق. م، وبوذا في الصين ٥٦٠ ق. م، وبرومثيوس في اليونان ٥٤٧ ق. م، ومترا (متراس) في فارس ٤٠٠ ق. م. (١)
ولدى البحث والدراسة في معتقدات هذه الأمم الوثنية نجد تشابهًا كبيرًا مع ما يقوله النصارى في المسيح المخلص.
فأما بوذا المخلص عند الهنود والصينيين فلعله أكثر الصور تطابقًا مع مخلص النصارى، ولعل مرد هذا التشابه إلى تأخره التاريخي فكان تطوير النصارى لذلك المعتقد محدودًا.
والبوذيون - كما نقل المؤرخون - يسمون بوذا المسيح المولود الوحيد، ومخلص العالم، ويقولون: إنه إنسان كامل وإله كامل تجسد بالناسوت، وأنه قدم نفسه ذبيحة ليكفر ذنوب البشر ويخلصهم من ذنوبهم حتى لا يعاقبوا عليها.
وجاء في أحد الترنيمات البوذية عن بوذا " عانيت الاضطهاد والامتهان والسجن والموت والقتل بصبر وحب عظيم لجلب السعادة للناس، وسامحت المسيئين إليك ".
ويذكر مكس مولر في كتابه " تاريخ الآداب السنسكريتية " أن " البوذيون يزعمون أن بوذا قال: دعوا الآثام التي ارتكبت في هذا العالم تقع عليّ، كي يخلص العالم ".
_________________
(١) انظر: العقائد المسيحية بين القرآن والعقل، هاشم جودة، ص (٢١٩).
[ ٢٢٩ ]
ويرى البوذيون أن الإنسان شرير بطبعه، ولا حيلة في إصلاحه إلا بمخلص ومنقذ إلهي.
وكذلك فإن المصريين يعتبرون أوزوريس إلهًا، ويقول المؤرخ بونويك في كتابه " عقيدة المصريين": "يعد المصريون أوزوريس أحد مخلصي الناس، وأنه بسبب جده لعمل الصلاح يلاقي اضطهادًا، وبمقاومته للخطايا يقهر ويقتل ".
ويوافقه العلامة دوان في كتابه " خرافات التوراة والإنجيل وما يماثلها من الديانات الأخرى". (١)
كما تحدث المؤرخون عن قول المصريين بقيامة مخلصهم بعد الموت، وأنه سيكون ديان الأموات يوم القيامة، فإنهم يذكرون في أساطيرهم أن أوزوريس حكم بالعدل، فاحتال عليه أخوه وقتله، ووزع أجزاء جسمه على محافظات مصر، فذهبت أرملته أيزيس فجمعت أوصاله من هنا وهناك، وهي تملأ الدنيا نحيبًا وبكاءً، فانبعث نور إلى السماء، والتحمت أوصال الجسد الميت، وقام إلى السماء يمسك بميزان العدل والرحمة. (٢)
وكذلك اعتقد الهنود في معبودهم كرشنا أنه مخلص وفادي. يقول القس جورج كوكس: "يصفون كرشنا بالبطل الوديع المملوء لاهوتًا، لأنه قدم شخصه ذبيحة "، ويعتقدون أن عمله لا يقدر عليه أحد.
ويقول المؤرخ دوان في كتابه " خرافات التوراة والإنجيل": "يعتقد الهنود بأن
_________________
(١) انظر: العقائد الوثنية في الديانة النصرانية، محمد طاهر التنير، ص (٣٤ - ٣٥)، حوار صريح بين عبد الله وعبد المسيح، عبد الودود شلبي، ص (٣٩)، معاول الهدم والتدمير في النصرانية وفي التبشير، إبراهيم الجبهان، ص (١٤٧)، حقيقة التبشير بين الماضي والحاضر، أحمد عبد الوهاب، ص (٧٠ - ٧١).
(٢) انظر: قراءات في الكتاب المقدس، عبد الرحيم محمد (٢/ ٢٣٨ - ٢٣٩).
[ ٢٣٠ ]
كرشنا المولود البكر الذي هو نفس الإله فشنو، والذي لا ابتداء ولا انتهاء له - وفق رأيهم - تحرك حنوًا كي يخلص الأرض من ثقل حملها، فأتاها وخلص الإنسان بتقديم نفسه ذبيحة عنه "، ومثله يقوله العلامة هوك.
ويصف الهنود أشكالًا متعددة لموت كرشنا أهمها أنه مات معلقًا بشجرة سُمِّر بها بحربة. وتصوره كتبهم مصلوبًا، وعلى رأسه إكليل من الذهب، ويقول دوان: " إن تصور الخلاص بواسطة تقديم أحد الآلهة ذبيحة فداء عن الخطيئة قديم العهد جدًا عند الهنود والوثنيين.
وكذلك اعتقد أهل النيبال بمعبودهم أندرا، ويصورونه وقد سفك دمه بالصلب، وثقب بالمسامير، كي يخلص البشر من ذنوبهم كما وصف ذلك المؤرخ هيجين في كتابه: "الانكلو سكسنس". (١)
وحتى لا نطيل نكتفي بهذه الصور التي اعتقد أصحابها بسفك دم الآلهة قربانًا وفداء عن الخطايا ومثلها في الوثنيات القديمة كثير، ونختم بنقل قول فيلسيان شالي: "تتشابه المسيحية مع الأديان السابقة تشابها غريبًا .. ولد المسيح من عذراء كما ولد بيرسي من دانا، وهو ينجو بأعجوبة من أعدائه مثل ديونيزوس وهوروس، ويموت ثم يبعث مثل أوزوريس أو آدونيس أو ديونيزوس زاغروس، وفي بداية الربيع مثل آتيس ومثل تموز، وتجد بعض تفاصيل عذابه صورة لها في بلاد بابل، فهو يعبد كمنقذ أو مخلص مثل مثرا .. ويمكن أن تشعر بعض النفوس المسيحية بالحرج إذا قرأت هذه المتشابات وعرفتها، وكانت ضيقة العقل، تمتلئ زهوًا وغرورًا؛ لأنها كانت تؤمن بأن لديانتها سمة فريدة، وعلى العكس فإن النفوس الأوسع قلوبًا يمكنها أن تسعد
_________________
(١) انظر: العقائد الوثنية في الديانة النصرانية، محمد طاهر التنير، ص (٢٩ - ٣٢).
[ ٢٣١ ]
بملاحظة أن دينها أو إيمانها هو حصيلة تأليف لمعطيات ماض بعيد جدًا". (١)