تناقل النصارى روايات صلب المسيح جيلًا بعد جيل، حتى إذا جاء القرن الميلادي السابع، أعلن محمد ﷺ بطلان وقوع الصلب على المسيح.
ويتساءل النصارى كيف له أن يقول ذلك، وأن يكذب الحواريين وشهود العيان الذين سجلوا لنا بشهاداتهم الخطية ما رأوه؟
فالأناجيل التي كتبها الإنجيليون الأربعة هي برهان القوم لو سئلوا، وقيل لهم: ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ (البقرة: ١١١)، فالكتاب المقدس وفي أكثر من ألف لغة إنسانية يتحدث عن صلب المسيح. وهذا هو البرهان.
ويرى العلامة ديدات أنه يفرض علينا تفحص هذا البرهان، والنظر في حال الشهود الأربعة الذين يشهدون بوقوع صلب المسيح.
وهنا يسجل ديدات أول ملاحظات المسلمين على الشهود، وهي أن اثنين من الشهود الأربعة لم يروا المسيح، ولم يكونوا من تلاميذه، فكيف يعتبرون شهودًا؟ ويقصد مرقس ولوقا.
والملاحظة الثانية: أن شهود الإثبات جميعًا لم يحضروا الواقعة التي يشهدون فيها، كما قال مرقس: " فتركه الجميع وهربوا " (مرقس ١٤/ ٥٠)، ومثل هذه القضية لو عرضت على أي محكمة متحضرة لسارعت إلى رد شهادة هؤلاء الشهود في أقل من دقيقتين.
ثم هذه الشهادة مسجلة على أكثر من خمسة آلاف مخطوط يتفاخر بكثرتها النصارى، ولا يوجد منها مخطوطتان متطابقتان، ثم لو تطابقت جميعها، فإن أيًا منها لم يسجَّل بخط مؤلفه، وإن نُسب إليه. (١)
_________________
(١) انظر: مسألة صلب المسيح بين الحقيقة والافتراء، أحمد ديدات، ص (١٨ - ٢٠).
[ ١٥ ]
يقول اينوك باول في كتابه " تطور الأناجيل ": قصة صلب الرومان للمسيح لم تكن موجودة في النص الأصلي للأناجيل. وقد استند في ذلك على إعادته ترجمة نسخة متى اليونانية، فتبين له أن هناك أجزاء وردت مكررة في هذا الإنجيل، مما يوحي بأنه أعيدت كتابتها في مرحلة تالية. (١)
ومن التغيرات التي لاحظها علماء الغرب في مخطوطات الكتاب وهي تتحدث عن الصلب أنه قد تمت إضافة أجزاء للقصة حسب رؤية النساخ وتقديرهم، فقد جاء في مرقس: " وفي اليوم الأول من الفطير، حين كانوا يذبحون الفصح، قال له تلاميذه: أين تريد أن نمضي ونعد لتأكل الفصح؟ فأرسل اثنين من تلاميذه، وقال لهما: اذهبا إلى المدينة، فيلاقيكما إنسان حامل جرة ماء اتبعاه .. " (مرقس ١٤/ ١٢ - ١٦).
ويرى دنيس نينهام مفسر مرقس في تفسيره (ص ٣٧٦) أن أغلب المفسرين يعتقدون أن هذه الفقرات أضيفت فيما بعد لرواية مرقس. وأنهم قد استندوا لأمرين: أولهما: أنه وصف اليوم الذي قيلت فيه القصة بأسلوب لا يستخدمه يهودي معاصر للمسيح. والثاني: أن كاتب العدد ١٧ " ولما كان المساء جاء مع الإثني عشر .. " (مرقس ١٤/ ١٧) فهو يتحدث عن جلوس المسيح مع تلاميذه الإثني عشر، وهو لا يعلم شيئًا عن رحلة اثنين منهم [بطرس ويوحنا حسب لوقا ٢٢/ ٨] لإعداد الفصح، فلو كان كاتب العدد ١٧ يعلم محتويات تلك الفقرة، لكان عليه أن يتحث عن العشرة، وليس عن الاثني عشر، أي أن العدد ١٧ كان يجب أن يقرأ هكذا: (ولما كان المساء جاء مع العشرة).
ومن التلاعب الذي تعرضت له نسخ الأناجيل أيضًا؛ ما ذكره جورج كيرد شارح إنجيل لوقا، فقد جاء في لوقا أن المسيح قال على الصليب: " يا أبتاه اغفر لهم،
_________________
(١) مخطوطات البحر الميت، أحمد عثمان، ص (١٣٩ - ١٤٤).
[ ١٦ ]
لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون " (لوقا ٢٣/ ٣٣ - ٣٤)، ولم يذكرها غيره من الإنجيليين، كما أغفلتها أهم المخطوطات كالفاتيكانية وواشنطن، يقول كيرد (ص ٢٥١): " لقد قيل إن هذه الصلاة ربما تكون قد محيت من إحدى النسخ الأولى للإنجيل بواسطة أحد كتبة القرن الثاني، الذي ظن أنه شيء لا يمكن تصديقه أن يغفر الله لليهود، وبملاحظة ما حدث من تدمير مزدوج لأورشليم في عامي ٧٠م و١٣٥م صار من المؤكد أن الله لم يغفر لهم". (١)