إن أبرز ما يلحظه الدارس لعقيدة الفداء اقترانها ببولس منذ نشأتها، وقد أراد بولس منها أن تكون ذريعة لإلغاء وإبطال الشريعة والناموس، حيث جعل الخلاص بالإيمان فحسب، من غير حاجة للعمل الصالح، فأضحى الفداء ليس مجرد خلاص من الذنوب، بل هو خلاص حتى من العمل الصالح.
وقد أكثر بولس (١) من التجريح للشريعة الموسوية التي كان المسيح ﵇ يعظمها ويلتزم بأحكامها، ومن ذلك قوله عن نظام الكهنوت التوراتي: " فإنه يصير إبطال الوصية السابقة من أجل ضعفها وعدم نفعها، إذ الناموس لم يكمل شيئًا، ولكن يصير إدخال رجاء أفضل به نقترب إلى الله " (عبرانيين ٧/ ١٨ - ١٩).
ويواصل كاتب رسالة العبرانيين التجني على التوراة والناموس، فيصف ناموس الكهنوت - الذي أتى عيسى ﵇ لإكماله وغيره من شرائع التوراة - بالعتق والشيخوخة والتهافت، فيقول: "وأما ما عتق وشاخ فهو قريب من الاضمحلال " (عبرانيين ٨/ ١٣).
ويقول عنه: " فإنه لو كان ذلك الأول بلا عيب، لما طُلب موضعٌ لثانٍ " (عبرانيين ٨/ ٧).
ويتجنى بولس على شريعة الله فيعتبرها سببًا للخطيئة، فيقول: " لم أعرف خطيئة إلا بالناموس، فإني لم أعرف الشهوة لو لم يقل الناموس: لا تشته، ولكن الخطية - وهي متخذة فرصة - بالوصية أنشأت فيَّ كل شهوة، لأن بدون الناموس الخطية ميتة .. لما جاءت الوصية عاشت الخطيئة، فمتُّ أنا" (رومية ٧/ ٧ - ٩).
_________________
(١) الحقيقة أن كاتب رسالة العبرانيين مجهول، لكن الكثير من النصارى ينسبونها إلى بولس أو إلى واحد من تلاميذه، وهو ما قد أميل إليه لما اكتنف هذه الرسالة من تحقير ناموس الله الذي أرسله للأنبياء، وقد نقضه بولس كما يمر معنا، واعتبره غير نافع للخلاص.
[ ٢٠٣ ]
ويسمي بولس الشريعة الإلهية المنزلة على الأنبياء لعنة فيقول: " المسيح افتدانا من لعنة الناموس" (غلاطية ٣/ ١٣).
ويبرر تسميته أوامر الله وشريعته باللعنة، بأنها سبب حلول اللعنة عند عدم الامتثال لأوامره ﵎ " لأن جميع الذين هم من أعمال الناموس هم تحت لعنة، لأنه مكتوب: ملعون كل من لا يثبت في جميع ما هو مكتوب في الكتاب الناموس ليعمل به، ولكن إن ليس أحد يتبرر بالناموس عند الله " (غلاطية ٣/ ١٠ - ١١).
ويعلن عن عدم الحاجة إلى هذا الناموس بعد صلب المسيح: " قد كان الناموس مؤدبنا إلى المسيح لكي نتبرر بالإيمان، ولكن بعد ما جاء الإيمان لسنا بعد تحت مؤدب " (غلاطية ٣/ ٢٤ - ٢٥).
ويؤكد إبطال الناموس فيقول: " سلامنا الذي جعل الاثنين واحد مبطلًا بجسده ناموس الوصايا " (أفسس ٢/ ١٤ - ١٥)، فقد بطل الناموس لأن "الإنسان لا يتبرر بأعمال الناموس، بل بإيمان يسوع، لأنه بأعمال الناموس لا يتبرر جسد ما " (غلاطية ٢/ ١٦).
يقول الأب متى المسكين: "فبموته ألغى الناموس، وبإلغاء الناموس أُلغيت الخطية، وبإلغاء الخطية أُلغي الموت، وبإلغاء الموت أُلغيت الهاوية .. فلم يعد بعد موته خطية". (١)
وأما أولئك الذين يصرون على العمل بالناموس والنجاة من خلال التزام أوامر الله، فيرى بولس - الذي لم يتشرف برؤية المسيح - أنهم يسيئون للمسيح المخلص " قد تبطلتم عن المسيح أيها الذين تتبررون بالناموس " (غلاطية ٥/ ٤)، لأنه " إن كان
_________________
(١) الإنجيل بحسب القديس متى (دراسة وتفسير وشرح)، الأب متى المسكين، ص (٧٧٦).
[ ٢٠٤ ]
بالناموس بر، فالمسيح إذا مات بلا سبب " (غلاطية ٢/ ٢١)، " أبناموس الأعمال، كلا، بل بناموس الإيمان، إذًا نحسب أن الإنسان يتبرر بالإيمان، بدون أعمال الناموس " (رومية ٣/ ٢٧ - ٢٨).
وينعي بولس على اليهود الذين يطلبون البر عن طريق الإيمان، من غير أن يدركوه كما أدركته الأمم التي آمنت ولم تعمل بأحكام الناموس " إن الأمم الذين لم يسعوا في أثر البر أدركوا البر، البر الذي بالإيمان، ولكن إسرائيل وهو يسعى في أثر ناموس البر، لم يدرك ناموس البر، لأنه فعل ذلك ليس بالإيمان، بل كأنه بأعمال الناموس، فإنهم اصطدموا بحجر الصدمة " (رومية ٩/ ٣٠ - ٣١).
ويقول أيضًا: " الذي خلصنا ودعانا دعوة مقدسة، لا بمقتضى أعمالنا، بل بمقتضى القصد والنعمة التي أعطيت لنا في المسيح يسوع، الذي أبطل الموت، وأنار الحياة والخلود " (تيموثاوس (٢) ١/ ٩ - ١٠).
ويواصل: " ظهر لطف فخلصنا الله وإحسانه، لا بأعمال في بر عملناها نحن، بل بمقتضى رحمته خلصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس " (تيطس ٣/ ٤ - ٥).
ولذلك فإن بولس يرى أن لا حاجة إلى الشريعة والناموس، ويعلن إباحته لكل المحرمات من الأطعمة مخالفًا التوراة وأحكامها (انظر التثنية ١٤/ ١ - ٢٤)، فيقول: "أنا عالم ومتيقن في الرب يسوع أن لا شيء نجس في حد ذاته، ولكنه يكون نجسًا لمن يعتبره نجسًا " (رومية ١٤/ ١٤)، ويقول: "كل شيء طاهر للأطهار، وما من شيء طاهر للأنجاس" (تيطس ١/ ١٥)، "لأن كل خليقة الله جيدة، ولا يرفض شيء إذا أخذ مع الشكر" (تيموثاوس (١) ٤/ ٤)، وكذا فالمسيح بدمه المسفوح "محا الصك الذي علينا في الفرائض .. فلا يحكم عليكم أحد في أكل أو شرب أو من جهة عيد أو هلال أو سبت" (كولوسي ٢/ ١٤ - ١٦).
[ ٢٠٥ ]
وهكذا وفي نصوص كثيرة أكد بولس أن لا فائدة من العمل الصالح والشريعة في تحصيل النجاة، وأن البر إنما يتحقق بالإيمان وحده.
وقد كان لهذه النصوص البولسية صدى كبير في النصرانية ونظرتها للشريعة.
فيقول لوثر أحد مؤسسي المذهب البروتستانتي: " إن الإنجيل لا يطلب منا الأعمال لأجل تبريرنا، بل بعكس ذلك، إنه يرفض أعمالنا إنه لكي تظهر فينا قوة التبرير يلزم أن تعظم آثامنا جدًا، وأن تكثر عددها "، وهذا المعنى يستوحيه المصلح الإنجيلي الشهير من رسالة بولس إلى أهل رومية: "وأما الناموس فدخل لكي تكثر الخطية، ولكن حيث كثرت الخطية ازدادت النعمة جدًا" (رومية ٥/ ٢٠).
ويقول في تعليقه على يوحنا ٣/ ١٦: " أما أنا فأقول لكم إذا كان الطريق المؤدي إلى السماء ضيقًا وجب على من رام الدخول فيه أن يكون نحيلًا رقيقًا فإذا ما سرت فيه حاملًا أعدالًا مملوءة أعمالًا صالحة، فدونك أن تلقيها عنك قبل دخولك فيه، وإلا لامتنع عليك الدخول بالباب الضيق .. إن الذين نراهم حاملين الأعمال الصالحة هم أشبه بالسلاحف، فإنهم أجانب عن الكتاب المقدس. وأصحاب القديس يعقوب الرسول، فمثل هؤلاء لا يدخلون أبدًا ".
ويقول: " إن السيد المسيح كي يعتق الإنسان من حفظ الشريعة الإلهية قد تممها هو بنفسه باسمه، ولا يبقى على الإنسان بعد ذلك إلا أن يتخذ لنفسه، وينسب إلى ذاته تتميم هذه الشريعة بواسطة الإيمان، ونتيجة هذا التعليم هو أن لا لزوم لحفظ الشريعة، ولا للأعمال الصالحة ".
ويقول الإصلاحي الشهير ملانكثون في كتابه " الأماكن اللاهوتية ": " إن كنت سارقًا أو زانيًا أو فاسقًا لا تهتم بذلك، عليك فقط أن لا تنسى أن الله هو شيخ كثير الطيبة، وأنه قد سبق وغفر لك خطاياك قبل أن تخطئ بزمن مديد ".
[ ٢٠٦ ]
ويقول القس لبيب ميخائيل: " الأعمال الصالحة حينما تؤدى بقصد الخلاص من عقاب الخطيئة تعتبر إهانة كبرى لذات الله، إذ أنها دليل على اعتقاد من يقوم بها، بأن في قدرته إزالة الإساءة التي أحدثتها الخطيئة في قلب الله عن طريق عمل الصالحات وكأن قلب الله لا يتحرك بالحنان إلا بأعمال الإنسان، وياله من فكر شرير ومهين ". (١)
وهذا كله مستقى من بولس حين قال: " الإنسان لا يتبرر بأعمال الناموس .. لأنه بأعمال الناموس لا يتبرر جسد ما .. لأنه إن كان الناموس بر، فالمسيح إذًا مات بلا سبب " (غلاطية ٢/ ١٦ - ٢١).
وهكذا كانت عقيدة الخلاص البولسية سبيلًا لإلغاء الشريعة والتحلل من التزاماتها.