وهذه التبريرات المتهافتة والتشبيهات المتكلفة ما كان لها أن تقنع أحدًا ممن يرى في وراثة الذنب ظلمًا يتنزه الله عنه.
فتشبيههم لوراثة الذنب بعدوى المرض باطل، لأن المرض شيء غير اختياري، فلا يقاس الذنب عليه، كما أن المرض لا يعاقب عليه الإنسان.
وفصلُ توماس الأكويني بين الروح والجسد، وقوله بأن الخطيئة تسري من الروح للجوارح خطأ، لأن الخطأ عندما يقع فيه الإنسان، فإنما يقع فيه بروحه وجسده، فالإنسان مركب منهما، ويمارس حياته من خلالهما معًا. أما آدم فهو غير مركب من آدم وأبنائه. (٢)
لذا نصر على اعتبار وراثة الذنب نوعًا من الظلم لا يليق نسبته إلى الله ﷿.
_________________
(١) انظر: الخطيئة الأولى بين اليهودية والمسيحية والإسلام، أميمة الشاهين، ص (١٤١)، المسيح في القرآن والتوراة والإنجيل، عبد الكريم الخطيب، ص (٣٨١).
(٢) انظر: ما هي النصرانية، محمد تقي العثماني، ص (٨٩).
[ ١٦٦ ]
وهذا المعتقد الممجوج عقلًا لا دليل عليه في التوراة، بل الدليل قام على خلافه، إذ جاءت النصوص تنفي وراثة الذنب، وتؤكد على مسئولية كل إنسان عن عمله، ومنها:
- " النفس التي تخطيء هي تموت، الابن لا يحمل من إثم الأب، والأب لا يحمل من إثم الابن، بر البار عليه يكون، وشر الشرير عليه يكون " (حزقيال ١٨/ ٢٠ - ٢١).
- " لا يقتل الآباء عن الأولاد، ولا يقتل الأولاد عن الآباء، كل إنسان بخطيئته يقتل " (التثنية ٢٤/ ١٦).
- " بل كل واحد يموت بذنبه، كل إنسان يأكل الحصرم تضرس أسنانه " (إرمياء ٣١/ ٣٠).
- " الذي عيناك مفتوحتان على كل طرق بني آدم لتعطي كل واحد حسب طرقه، وحسب ثمرة أعماله " (إرميا ٣٢/ ١٩).
- " لا تموت الآباء لأجل البنين، ولا البنون يموتون لأجل الآباء، بل كل واحد يموت لأجل خطيته " (الأيام (٢) ٢٥/ ٤).
- " فإنه لا يموت بإثم أبيه " (حزقيال ١٨/ ١٧).
- " أفتهلك البار مع الأثيم، عسى أن يكون خمسون بارًا في المدينة، أفتهلك المكان ولا تصفح عنه من أجل الخمسين بارًا الذين فيه، حاشا لك أن تفعل مثل هذا الأمر: أن تميت البار مع الأثيم، فيكون البار كالأثيم. حاشا لك، أديان كل الأرض لا يصنع عدلًا " (التكوين ١٨/ ٢٣ - ٢٥).
كما نقض المسيح ﵇ الخطيئة الأصلية بقوله: " لو لم آت وأكلمهم، لم تكن لهم خطيئة، وأما الآن فليس لهم حجة في خطيئتهم لو لم أعمل بينهم أعمالًا لم يعملها آخر،
[ ١٦٧ ]
لما كانت لهم خطيئة، أما الآن فقد رأوا وأبغضوني " (يوحنا ١٥/ ٢٢ - ٢٤)، فالمسيح لا علم له بالخطيئة الأصلية الموروثة، لذا فهو يوبخهم على خطيئتهم تجاهه، يقرّعهم على عدم الإيمان به، مع تأكيده على أنهم " لم تكن لهم خطيئة " لو لم يأت إليهم بما آتاه الله من حجج وبراهين.