مسألة وراثة الذنب مسألة معروفة في الفكر اليهودي قبل المسيحية بقرون عدة، وقد وردت عدة نصوص تتحدث عنها وتؤكدها، منها " صانع الإحسان لألوف، ومجازي ذنب الآباء في حضن بنيهم بعدهم، الإله العظيم الجبار رب الجنود اسمه " (إرميا ٣٢/ ١٨).
ومثله ما جاء في سفر التثنية: " لا يدخل ابن زنى في جماعة الرب حتى الجيل العاشر " (التثنية ٢٣/ ٢).
وجاء في سفر العدد " الرب طويل الروح كثير الإحسان يغفر الذنب والسيئة، ولكنه لا يبرئ، بل يجعل ذنب الآباء على الأبناء إلى الجيل الثالث والرابع " (العدد ١٤/ ١٨ - ١٩).
وفي سفر الخروج " غافر الإثم والمعصية والخطيئة، ولكنه لن يبرئ إبراء، مفتقد إثم الآباء في الأبناء، وفي أبناء الأبناء في الجيل الثالث والرابع " (الخروج ٣٤/ ٧).
ومثله ما نسبوه إلى دواد أنه قال: " هأنذا بالإثم صورت، وبالخطيئة حبلت بي أمي " (المزمور ٥١/ ٥). (١)
وقد تحدث إرميا عن احتجاج بني إسرائيل على هذا الظلم (انظر إرميا ١٦/ ١٠ - ١٣).
_________________
(١) يعتبر بعض المعلمين المتأخرين من اليهود هذا النص دليلًا على أن داود - وحاشاه - كان ابن زنا، كما نقلت ذلك دائرة المعارف الكتابية، ولكن غيرهم رأى أن خطيئته أنه يسري فيه دم غير يهودي من جهة جداته كراعوث المؤابية. دائرة المعارف الكتابية (٣/ ٣٩٥).
[ ٢٢٦ ]
وقد ناقش النبي حزقيال - كما جاء في سفره - بني إسرائيل في مسألة وراثة الذنب " أنتم تقولون: لماذا لا يحمل الابن من إثم الأب؟!
ها كل النفوس هي لي النفس التي تخطئ تموت، الابن لا يحمل من إثم الأب، والأب لا يحمل من إثم الابن، بر البار عليه يكون، وشر الشرير عليه يكون " (حزقيال ١٨/ ٤ - ٣٢).
فقد أقرت هذه النصوص التوراتية عقيدة وراثة الذنب والتضامن في الخطيئة، غير أن أحدًا منها لم يكن يتحدث عن الخطيئة الأصلية لآدم، والتي يتعلق النصارى بها، لكن أصل الفكرة وارد في الفكر اليهودي الذي نشأ فيه بولس ثم نقله للنصرانية وسطره في رسائله.
فمن أين جاء اليهود بفكرة وراثة الذنب؟ هل هو من صناعتهم، أم أنه منقول عن غيرهم؟
والصحيح هو أن فكرة وراثة الذنب منقولة عن الأمم الوثنية التي جاورت اليهود وانتشر فيها هذا الفكر، وهذا الذي عابه عليهم الكتاب المقدس " وصاروا باطلًا وراء الأمم الذين حولهم، والذين أمرهم الرب أن لا يعملوا مثلهم فغضب الرب جدًا على إسرائيل ونحاهم من أمامه " (الملوك (٢) ١٧/ ٩ - ١٨).
ومن أقدم القائلين بوراثة الذنب، الهنود الوثنيون، وقد نقل المؤرخ هورينور وليمس أن من تضراعاتهم: "إني مذنب، ومرتكب الخطيئة، وطبيعتي شريرة، وحملتني أمي بالإثم، فخلصني يا ذا العين الحندقوقية، يا مخلص الخاطئين، يا مزيل الآثام والذنوب ". (١)
_________________
(١) انظر: العقائد الوثنية في الديانة النصرانية، محمد طاهر التنير، ص (٣١).
[ ٢٢٧ ]