ومما يردّ دعوى الإلهام ذهول بعض الإنجيليين عن ذكر أحداث هامة رغم اجتماعهم على ذكر أحداث لا قيمة لها.
ومن ذلك أن الإنجيليين أجمعوا على ذكر حادثة ركوب المسيح على الجحش وهو يدخل أورشليم، لكن الإنجيليين ذهلوا عن تسجيل أحداث مهمة، فلم يسجل أول معجزات المسيح - وهو معجزة تحويل الماء إلى خمر - على أهميتها إلا واحد منهم (انظر يوحنا ٢/ ١ - ١١)، فهل كان ركوب المسيح الجحش أهم من هذه المعجزة الباهرة؟!
وهل هو أيضًا أهم من معجزة إحياء لعاذر أمام الجموع الكثيرة التي آمنت به بعد ذلك، فقد ذهل عن تسجيله الإنجيليون فيما عدا يوحنا (انظر يوحنا ١١/ ١ - ٤٦).
ولن يكون ركوب المسيح الجحش وهو يدخل أورشليم - بحال من الأحوال - أهم من وصيته التي تضمنت دعوة الأمم إلى اتباع الشريعة وتعميدهم باسم الآب والابن والروح القدس، وهو عمدة النصارى في إثبات عقيدة التثليث، فقد انفرد بذكره متى العشار (انظر متى ٢٨/ ١٩)، دون بقية الإنجيليين الذين لم يسجلوا هذا النص الفريد والمهم.
وصعود المسيح إلى السماء حدث بالغ الأهمية، ومع أهميته لم يذكره التلميذان متى ويوحنا اللذان يفترض أنهما شاهدا المسيح وهو يصعد للسماء، بينما ألهم لوقا ومرقس - الغائبان يومذاك - ذكر هذا الخبر!!
والحقيقة أن أحدًا من الإنجيلين لم يلهم كتابة خبر الصعود، لأن خبر الصعود (انظر لوقا ٢٤/ ٥١) قد
[ ٢٩ ]
أضيف فيما بعد بحسب الكثير من المحققين، وكما اعترفت بذلك لجنة تنقيح الكتاب المقدس التي أصدرت النسخة (R. S. V) . (١)
وكذلك ذهل الكتاب الملهمون عن ذكر قدرة التلاميذ على مغفرة الذنوب، فيما عدا يوحنا (انظر يوحنا ٢٠/ ٢٣)، يوحنا الذي يستغرب منه أنه لم يذكر شيئًا عن العشاء الأخير على أهميته وشهوده له إبان حياة المسيح.
وكذلك لم يسجلوا زيارة المجوس للمسيح وسجودهم له، بينما سجلها متى (انظر متى ٢/ ١ - ١٢)، وكان الوحيدَ الذي كتب عن سفر المسيح وأمه لمصر. (انظر متى ٢/ ١٤)، وكل هذا مما ينقض دعوى الإلهام، إذ لا يليق بالملهِم أن يغفل عن إلهام التلاميذ هذه الأمور المهمة.