أين هذه النصوص من تعظيم الله ورسله!
يتحدث سفر الرؤيا، رؤيا يوحنا اللاهوتي عن رؤيته للأقنوم الثاني لله، أي الله الابن، وهو جالس على عرشه على صورة خروف له سبعة قرون وسبع أعين، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، يقول يوحنا: " ورأيت فإذا في وسط العرش والحيوانات الأربعة، وفي وسط الشيوخ خروف قائم، كأنه مذبوح له، سبعة قرون وسبع أعين، هي سبعة أرواح الله المرسلة إلى كل الأرض" (الرؤيا ٥/ ٦ - ٨).
ويمضي النص فيقول متحدثًا عن القائمين أمامه: " هم أمام عرش الله، ويخدمونه نهارًا وليلًا في هيكله، والجالس على العرش يحل فوقهم. لن يجوعوا بعد ولن يعطشوا بعد، ولا تقع عليهم الشمس ولا شيء من الحرّ، لأن الخروف الذي في وسط العرش يرعاهم، ويقتادهم إلى ينابيع ماء حيّة، ويمسح الله كل دمعة من عيونهم " (الرؤيا ٧/ ١٥ - ١٨).
ويفصح النص عن ماهية الجالس على العرش على صورة الخروف، إنه الله الابن،
[ ١٣٧ ]
الأقنوم الثاني للإله الواحد المتعدد الأقانيم، فيقول: "هؤلاء سيحاربون الخروف، والخروف يغلبهم، لأنه رب الأرباب وملك الملوك، والذين معه مدعوون ومختارون ومؤمنون" (الرؤيا ١٧/ ١٤).
ويمضي نص يوحنا ليذكر أن الجموع التي كانت أمام العرش كانت تصرخ بخلاص الله والخروف "الأمم والقبائل والشعوب والألسنة واقفون أمام العرش وأمام الخروف ومتسربلين بثياب بيض، وفي أيديهم سعف النخل، وهم يصرخون بصوت عظيم قائلين: الخلاص لإلهنا الجالس على العرش وللخروف. وجميع الملائكة كانوا واقفين حول العرش والشيوخ والحيوانات الأربعة وخرّوا أمام العرش على وجوههم وسجدوا لله قائلين: آمين " (الرؤيا ٧/ ٩ - ١٢)، فهل الرب محتاج للخلاص؟ وممن؟ ومن الذي سيخلصه؟ أولا توجد طريقة أفضل للرمز على الإله المعبود؟
ويتحدث العهد الجديد عن جهالة لله وضعف، ولكن جهالته أكثر حكمة من الناس، وكذا ضعفه أقوى من الناس، وذلك في قول بولس: "لأن جهالة الله أحكم من الناس، وضعف الله أقوى من الناس" (كورنثوس (١) ١/ ٢٥).
وأنبه إلى أن التراجم الحديثة عمدت إلى تخفيف المعنى الصحيح للنص الذي لم يتحدث عن كلمة (جهالة)، بل تحدث عن (ىùٌïي) أي (حماقة)، لذا ترجمته النسخة الكاثوليكية: " لأن الحماقة من الله أكثر حكمة من الناس، والضعف من الله أوفر قوة من الناس"، ولا يقبل بحال أن يقال عن الله العظيم أن له ضعفًا أو جهالة أو حماقة، بل هو القوي العزيز الحكيم العليم.
ويتحدث بولس عن سلطان للروح على الله وقدرة على معرفة غيوبه ومكنوناته، فيقول: "لأن الروح يفحص كل شيء حتى أعماق الله" (كورنثوس (١) ٢/ ١٠).
وينال بولس - أو بصورة أدق الكاتب المجهول للرسالة إلى العبرانيين - من ناموس الله وكتابه وشريعته، ويحتقره ويصفه بالعتق والشيخوخة، ومثل هذا الموقف لا يكون في كتب الله وما يوحيه إلى الأنبياء والرسل الذين تأتي دعوتهم لتؤكد على تعظيم كتبه ووحيه، يقول بولس: " فإنه يصير إبطال الوصية السابقة (التوراة وشرائعها) من
[ ١٣٨ ]
أجل ضعفها وعدم نفعها، إذ الناموس لم يكمل شيئًا، ولكن يصير إدخال رجاء أفضل به نقترب إلى الله " (عبرانيين ٧/ ١٨ - ١٩).
ويقول عن التوراة التي أنزلها الله على موسى: " وأما ما عتق وشاخ فهو قريب من الاضمحلال " (عبرانيين ٨/ ١٣).
ويقول: " فإنه لو كان ذلك الأول بلا عيب لما طُلب موضع لثانٍ" (عبرانيين ٨/ ٧).
ويقول بولس ضاربًا عرض الحائط بشرائع التوراة التي تحرم بعض الأطعمة (انظر اللاويين ١١/ ١ - ٤٧)، ويعتبرها من خرافات اليهودية ووصايا المرتدين " لا يصغون إلى خرافات يهودية ووصايا أناس مرتدين عن الحق، كل شيء طاهر للطاهرين، وأما للنجسين وغير المؤمنين فليس شيء طاهرًا " (تيطس ١/ ١٤ - ١٥).
هذا ما يقوله بولس والكاتب المجهول للرسالة إلى العبرانيين عن ناموس الله الذي تصفه المزامير فتقول: "ناموس الرب كامل يرد النفس، شهادات الرب صادقة تصيّر الجاهل حكيمًا، وصايا الرب مستقيمة تفرّح القلب، أمر الرب طاهر ينير العينين" (المزمور ١٩/ ٧ - ٨).
وينسب العهد الجديد إلى المسيح سباب إخوانه من الأنبياء وتشبيههم باللصوص والسراق، واتهامهم بعدم الحرص على هداية أقوامهم، فيقول يوحنا: " قال لهم يسوع أيضًا: الحق الحق أقول لكم: إني أنا باب الخراف. جميع الذين أتوا قبلي هم سراق ولصوص. ولكن الخراف لم تسمع لهم السارق لا يأتي إلا ليسرق ويذبح ويهلك.
وأما أنا فقد أتيت لتكون لهم حياة، وليكون لهم أفضل. أنا هو الراعي الصالح. والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف. وأما الذي هو أجير وليس راعيًا الذي ليست الخراف له، فيرى الذئب مقبلًا ويترك الخراف ويهرب، فيخطف الذئب الخراف ويبددها" (يوحنا ١٠/ ٧ - ١٢).
[ ١٣٩ ]
ومن المحال أن يسطر الله في وحيه مثل هذه الإساءات لمقامه العظيم، وكذا لكتبه ورسله.