أصبح من المسلم به - كما أسلفنا - أن لوقا نقل ما نسبته ٥١% من فقرات إنجيل مرقس، بينما نقل متى ما نسبته ٩٠% من محتويات إنجيل مرقس. فهل كان متى ولوقا أمينان في نقلهما عن مرقس، أم كانا يتصرفان بنص مرقس كما يحلو لهما؟
الحقيقة البينة أن كلا الاثنين تصرف برواية مرقس حسب ما تبدى له، وخاصة متى الذي كان يضخم دائمًا فيما ينقله من أحداث ينقلها من رواية مرقس، لتناسب غلوه في شخص المسيح أو لتحقق نبوءة توراتية لم تحققها رواية مرقس، وذلك يظهر من أمثلة كثيرة ذكرها المحققون، منها:
- يقول مرقس عن المصلوب: " أعطوه خمرًا ممزوجةً بمر " (مرقس ١٥/ ٢٣).
لكن متى نقل عن مرقس وغيّر، فقال: " أعطوه خلًا ممزوجًا بمرارة " (متى ٢٧/ ٣٤)، ومن المعلوم أن الخل غير الخمر.
ولقد قصد متى من هذا التغيير أن يحقق النبوءة التوراتية المزعومة " يجعلون في طعامي علقمًا، وفي عطشي يسقونني خلًا " (المزمور ٦٩/ ٢١)، فأبدل كلمة الخمر التي كتبها مرقس بالخل.
- يقول مرقس: " إن من يصنع مشيئة الله هو أخي وأختي وأمي " (مرقس ٣/ ٣٥).
[ ١٦٢ ]
وينقلها متى: " إن من يصنع مشيئة أبي الذي في السماوات هو أخي وأختي وأمي " (متى ١٢/ ٥٠). فكلمة أبي وضعت لأسباب لاهوتية.
- ومثله يقال عندما سأل المسيح تلاميذه عما يقولون فيه، فأجاب بطرس: " أنت المسيح " (مرقس ٨/ ٢٩).
لكن متى عدل في إجابة بطرس وجعلها: " أنت هو المسيح ابن الله الحي " (متى ١٦/ ١٦).
- ومثله لما ظهر لهم المسيح مع موسى قال بطرس لسيده كما ينقل مرقس: " يا سيدي جيد أن نكون هنا " (مرقس ٩/ ٥).
ولكن متى يعدّل نص مرقس، ويقول: " يا رب جيد أن نكون ههنا " (متى ١٧/ ٤).
- ومن غلو متى تغييره لما جاء في مرقس عن عدم قيام المسيح بالمعجزات في الجليل حيث يقول: " ولم يقدر أن يصنع هناك ولا قوة واحدة غير أنه وضع يديه على مرضى قليلين فشفاهم، وتعجب من عدم إيمانهم " (مرقس ٦/ ٥ - ٦). حيث لم يصنع ولا قوة واحدة، لكنه شفى قليلين، لكن شفاء القليلين لم يكن كافيًا لإيمان أولئك القساة، فتعجب المسيح لعدم إيمانهم.
لكن متى عزّ عليه أن لا يصنع المسيح أي قوة، فقال: " ولم يصنع هناك قوات كثيرة لعدم إيمانهم " (متى ١٣/ ٥٨). إذًا هو صنع معجزات، ولكن ليس كثيرًا، وبرر قلة المعجزات بعدم إيمانهم. فأصبحت سببًا لقلة المعجزات بعد أن كانت عند مرقس نتيجة لها.
- ومثله تلاعب لوقا بما نقله عن مرقس، فقد أورد مرقس - الذي تصفه المصادر المسيحية بأنه يقدم أصدق صورة عن المسيح - أورد آخر عبارات المصلوب على
[ ١٦٣ ]
الصليب، وكانت صراخه اليائس "إلهي إلهي، لماذا تركتني " (مرقس ١٥/ ٣٤).
لكن لوقا - وكما يرى ول ديورانت - لم تعجبه عبارة مرقس، ورآها لا تتفق مع تعليم بولس عن المسيح الفادي الذي جاء ليصلب، فأبدلها بقوله: " يا أبتاه في يديك أستودع روحي " (لوقا ٢٣/ ٤٦).
- والغلو عند متى في شخص المسيح جعله يخالف مرقس في كثير من الأحداث التي نقلها عنه، فزاد فيها بما اعتقد أنه يرفع من قدر المسيح، من ذلك أن مرقس ذكر خبر المجنون الممسوس بالشياطين والذي شفاه المسيح وأخرج منه الشياطين وجعلها تدخل في الخنازير، فيقول: " وجاءوا إلى عبر البحر، إلى كورة الجدريين، ولما خرج من السفينة للوقت استقبله من القبور إنسان به روح نجس فلما رأى يسوع من بعيد ركض وسجد له، وصرخ بصوت عظيم وقال: ما لي ولك يا يسوع ابن الله العلي. أستحلفك بالله أن لا تعذبني
وكان هناك عند الجبال قطيع كبير من الخنازير يرعى. فطلب إليه كل الشياطين قائلين: أرسلنا إلى الخنازير لندخل فيها. فأذن لهم يسوع للوقت، فخرجت الأرواح النجسة، ودخلت في الخنازير" (مرقس ٥/ ٢ - ١٣).
لكن متى جعل صاحب القصة مجنونان بدلًا من واحد فقال: "ولما جاء إلى العبر إلى كورة الجرجسيين استقبله مجنونان خارجان من القبور هائجان جدًا وإذا هما قد صرخا قائلين: ما لنا ولك يا يسوع ابن الله! أجئت إلى هنا قبل الوقت لتعذبنا؟
وكان بعيدًا منهم قطيع خنازير كثيرة ترعى. فالشياطين طلبوا إليه قائلين: إن كنت تخرجنا فأذن لنا أن نذهب إلى قطيع الخنازير. فقال لهم: امضوا، فخرجوا ومضوا إلى قطيع الخنازير" (متى ٨/ ٢٨ - ٣٢).
ويحاول القمص تادرس يعقوب ملطي في تفسيره لإنجيل متى التوفيق بين
[ ١٦٤ ]
روايتي المجنون والمجنونين، فيقول: "يبدو أن أحد المجنونين كان شخصية معروفة هناك، وأن جنونه كان شديدًا بطريقة واضحة، فاهتم به القديسان لوقا ومتى متجاهلين المجنون الآخر". (١)
إذًا فشهرة أحد المجنونين جعلت البشيرين يغفلان ذكر معجزة المسيح بشفاء المجنون الآخر، لأنه مجنون مغمور وليس بمشهور!
- وذكر مرقس ولوقا شفاء الأعمى، يقول مرقس: "وفيما هو خارج من أريحا مع تلاميذه وجمع غفير كان بارتيماوس الأعمى ابن تيماوس جالسًا على الطريق يستعطي. فلما سمع أنه يسوع الناصري ابتدأ يصرخ ويقول: يا يسوع ابن داود، ارحمني فأجاب يسوع، وقال له: ماذا تريد أن أفعل بك؟ فقال له الأعمى: يا سيدي أن أبصر. فقال له يسوع: اذهب. إيمانك قد شفاك. فللوقت أبصر، وتبع يسوع في الطريق " (مرقس ١٠/ ٤٦ - ٥٢، وانظر لوقا ١٨/ ٣٥ - ٤٢).
لكن متى روى نفس القصة وجعل الأعمى أعميين اثنين، فقال: " فيما هم خارجون من أريحا تبعه جمع كثير. وإذا أعميان جالسان على الطريق، فلما سمعا أن يسوع مجتاز صرخا قائلين: ارحمنا يا سيد، يا ابن داود فوقف يسوع وناداهما وقال: ماذا تريدان أن أفعل بكما؟ قالا له: يا سيد أن تنفتح أعيننا. فتحنن يسوع ولمس أعينهما، فللوقت أبصرت أعينهما، فتبعاه " (متى ٢٠/ ٢٩ - ٣٤)، فهذا غلو من متى وتحريف للقصة التي ينقلها عن مرقس.
ولا يفوتنا هنا التنبيه على أن لوقا جعل القصة قبل دخول المسيح إلى أريحا فقال: " ولما اقترب من أريحا كان أعمى جالسًا على الطريق يستعطي " (لوقا ١٨/ ٣٥)، فهل شفى المسيح الأعمى قبل دخوله أريحا أم بعد خروجه منها؟!
وثمة تحريف آخر وقع به الإنجيليون، وهو مكان حصول هذه المعجزة، هل هو كورة الجدريين كما زعم مرقس (٥/ ١) ولوقا (٨/ ٢٦) أم هو كورة الجرجسيين كما
_________________
(١) وانظر اتفاق البشيرين، القس سمعان كلهون، ص (٢٤١).
[ ١٦٥ ]
في متى (٨/ ٢٨)، فالاسمان يدلان على مكانين مختلفين، فالأول منهما كما تقول دائرة المعارف الكتابية تقع اليوم في "أطلال أم قيس على المرتفعات جنوبي العيون الساخنة في وادي اليرموك والمسماة "الحمة" على بعد نحو ستة أميال إلى الجنوب الشرقي من بحر الجليل".
وأما كورة الجرجسيين فتقع على بعد ستين كيلو متر إلى الجنوب من جدرة، وما تزال أطلال هذه المدينة الرومانية الشهيرة ترى اليوم في مدينة جرش الأردنية، وموقع المدينتين ظاهر لكل من نظر خريطة من خرائط الكتاب المقدس، ولسوف يلحظ الناظر للخريطة أمرًا آخر مهمًا، وهو أن كلا المدينتين لا تقعان بجوار بحر، فلا تصلحان مكانًا لهذه الأعجوبة.
ويحار الشراح في تقريب المكانين البعيدين، فتتفق عقلية كاتبي دائرة المعارف عن افتراض لا دليل عليه، فقالوا بأنه "من المؤكد أن سلطان جدرة - باعتبارها المدينة الرئيسية في تلك المنطقة - قد امتد إلى كل المنطقة شرقي البحر بما فيها مدينة " جرسة ". (١) وبهذه الطريقة البهلوانية أصبحت كورة الجرجسيين هي ذاتها كورة الجدريين!
- وأخبر مرقس عن قدوم المسيح لأورشليم راكبًا على جحش فيقول: "أرسل اثنين من تلاميذه، وقال لهما: اذهبا إلى القرية التي أمامكما، فللوقت وأنتما داخلان إليها تجدان جحشًا مربوطًا لم يجلس عليه أحد من الناس. فحلاه وأتيا به فأتيا بالجحش إلى يسوع وألقيا عليه ثيابهما (أي التلميذين) فجلس عليه" (مرقس ١١/ ١ - ٧).
لكن متى بالغ في روايته لنفس الخبر، فجعل المسيح راكبًا على أتان وجحش في وقت واحد! يقول متى: " حينئذ أرسل يسوع تلميذين قائلًا لهما: اذهبا إلى القرية التي
_________________
(١) انظر دائرة المعارف الكتابية (٢/ ٥١١).
[ ١٦٦ ]
أمامكما، فللوقت تجدان أتانًا مربوطة وجحشًاَ معها، فحلاهما وأتياني بهما وأتيا بالأتان والجحش، ووضعا عليهما ثيابهما، فجلس عليهما" (متى ٢١/ ١ - ٧).
ولم يبين لنا متى كيف كان هذا الركوب، وما هي هيئته، فذلك لا يهُم، المهم أنه أراد أن يحقق نبوءة توراتية في سفر زكريا " هو ذا ملكك، يأتي إليك وهو عادل ومنصور وديع، وراكب على حمار وعلى جحش ابن أتان " (زكريا ٩/ ٩).
وقد صرح متى بذلك في نفس الخبر فقال: " فكان هذا كله لكي يتم ما قيل بالنبي القائل: قولوا لابنة صهيون: هوذا ملكك يأتيك وديعًا راكبًا على أتان وجحش ابن أتان" (متى ٢١/ ٤)، ومن أجل تحقيق هذه النبوءة خالف مرقس، وأركب المسيح على أتان وجحش معًا!
- ولما تحدث المسيح - ﵇ - عن يوم القيامة أخبر أنه لا يعلم متى يكون، فقال: "وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد، ولا الملائكة الذين في السماء، ولا الابن؛ إلا الآب" (مرقس ١٣/ ٣٢)، وهو خبر لم يناسب متى الذي لا يتخيل المسيح غير عارف بموعد القيامة، فعدل النص وقال: "وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد، ولا ملائكة السموات؛ إلا أبي وحده" (متى ٢٤/ ٣٦).
- ومثله في التحريف زيادات متى الخيالية على الأحداث التي صاحبت موت المعلق على الصليب "فصرخ يسوع أيضًا بصوت عظيم، وأسلم الروح، وإذا حجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل. والأرض تزلزلت، والصخور تشققت، والقبور تفتحت، وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين، وخرجوا من القبور بعد قيامته ودخلوا المدينة المقدسة، وظهروا لكثيرين" (متى ٢٧/ ٥٠ - ٥٣)، هذا ولم يذكر لنا متى شيئًا عما فعله هؤلاء العائدون من الموت، ولا عن ردة فعل الناس على ظهورهم وعلى تلك الأحداث العظيمة
[ ١٦٧ ]
وهذه الأعجوبة على ضخامتها وأهميتها لم يشر إليها مرقس، ولو كانت حقًا لما صح أن يهملها لأهميتها، كذلك لم يذكرها لوقا - المتتبع لكل شيء بتدقيق - ولا يوحنا، فثبت أنها من وضع متى ونسج خياله.
- ومثله تلاعب الإنجيليين بكلام المسيح، وهم ينقلون قوله لتلاميذه، فقد قال لهم - حسب لوقا -: "أنتم أفضل من عصافير كثيرة، أقول لكم: كل من اعترف بي قُدَّام الناس؛ يعترف به ابن الانسان قُدَّام ملائكة الله، ومن أنكرني قدام الناس؛ ينكر قُدَّام ملائكة الله " (لوقا ١٢/ ٧ - ٩)، فقد جعل لوقا اعتراف المسيح وإنكاره قدام ملائكة الله.
وهو بذلك يخالف متى الذي جعل إنكار المسيح واعترافه قدام الله، لا الملائكة، فقد نسب إلى المسيح قوله: "أنتم أفضل من عصافير كثيرة، فكل من يعترف بي قُدَّام الناس؛ أعترف أنا أيضًا به قُدَّام أبي الذي في السموات، ولكن من ينكرني قُدَّام الناس؛ أنكره أنا أيضًا قُدَّام أبي الذي في السموات" (متى ١٠/ ٣١ - ٣٣)، فأيهما هو قول المسيح؟! وماذا عن الآخر؟
- ومن صور التلاعب بالنصوص والتصرف فيها ما صنعه متى ولوقا في كلام المسيح في وليمة الفريسي، ففي إنجيل متى أن المسيح قال: " لذلك ها أنا أرسل إليكم أنبياء وحكماء وكتبة، فمنهم تقتلون وتصلبون، ومنهم تجلدون في مجامعكم، وتطردون من مدينة إلى مدينة" (متى ٢٣/ ٣٤)، فالمسيح نسب إلى نفسه إرسال أنبياء وحكماء وكتبة.
لكن لوقا يخالفه، فيذكر أن المسيح نسب القول إلى حكمة الله، لا إلى نفسه، فيقول:"لذلك أيضًا قالت حكمة الله: إني أرسل إليهم أنبياء ورسلًا، فيقتلون منهم ويطردون" (لوقا ١١/ ٤٩).
[ ١٦٨ ]