بداية لا يسلم المسلمون بأن أحدًا من الحواريين كان رسولًا، كما لم يصرح الإنجيليون فيما سوى بولس بذلك.
والمسلمون لا يؤمنون بالشهادات التي جعلت النصارى يقولون بنبوتهم، كما لا يؤمنون بغشيان روح القدس لهم بعد خمسين يومًا من صعود المسيح، ذاك الحدث الغريب الذي سجله لوقا، حين قال: " وامتلأ الجميع من الروح القدس، وابتدءوا يتكلمون بألسنة أخرى كما أعطاهم الروح أن ينطقوا " (أعمال ٢/ ٤).
كما لا يؤمن المسلمون بالمعجزات التي تنسبها إليهم تلك الأسفار، فكل هذه الأخبار لم ترد في دليل له اعتبار عندنا.
وننبه إلى أن بولس ولوقا ليسا من أولئك الذين تزعم النصارى حلول الروح القدس فيهم يوم الخمسين، إذ لم يكونا يومئذ من المؤمنين.
_________________
(١) سيرة بولس الرسول، حبيب سعيد، ص (١٢١).
(٢) انظر: مناظرتان في استكهولم، أحمد ديدات، ص (٢٧).
[ ٣١ ]
ثم عند تفحص هذه الكتب والرسائل نجدها ناطقة بأن هؤلاء التلاميذ لم يكونوا رسلًا بالمعنى الاصطلاحي للكلمة، إذ هم بشر كسائر البشر، لا يتميزون سوى برفقتهم للمسيح، وأنه طلبهم أن يبلغوا دعوته بعده.
وأما المنسوب إلى بطرس في رسالته الثانية " لأنه لم تأت نبوة قط بمشيئة إنسان، بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس" (بطرس (٢) ١/ ٢١)، وهو النص الذي يعتبره النصارى أصرح أدلتهم على إلهامية الكتبة ونبوتهم، فلا يصلح في الدلالة على إلهام الإنجيليين لأمور: أهمها أن هذه الرسالة لا تثبت نسبتها إلى بطرس ولا إلى أحد من أبناء الجيل المسيحي الأول، وسيمر معنا تفصيله.
وأيضًا لو سلمنا بصدق نسبة الرسالة إلى التلميذ بطرس، فإن بطرس قد مات قبل أن يدون مرقس (أول الإنجيليين تدوينًا) - ثم بقية الإنجيليين - كتاباتهم، فليس هؤلاء مَن تحدث عنه بطرس، إذ لا يعقل أن يوثق بطرس كتابات لم تكن قد كتبت بعد.
كما أن بطرس لم ينص على أسماء الإنجيليين، ولا يُدرى مقصوده، فلعله كان يقصد بعض الكثيرين الذين كتبوا حينذاك، ثم اعتبرت الكنيسة كتاباتهم مزيفة.